Pages Menu
Categories Menu
تمارا التي تحرّرت من سلطة معنِّفها

تمارا التي تحرّرت من سلطة معنِّفها

ناو   

ريّـان ماجـد    

بدأت القصة في 27 كانون الثاني 2012. اضطرّت تمارا تلك السنة أن تترك الجامعة لتعمل، على أن تعود إليها في العام المُقبل. عملت كمحاسبة على الصندوق في سوبرماركت على كورنيش المزرعة. دخل شاب يومها الى المحلّ، “شافني وانعجب”، قالت لـNOW.

“بات يأتي كل يوم إلى عملي، حاملاً معه “الترويقة”. يُمضي أربع ساعات إلى جانبي. يخبرني قصصاً عنه، علمتُ بعد فترة أنّه كان يخترعها. غيّر إسمه ومهنته وطلب من أشخاص يعرفهم أن يمثّلوا أنّهم إخوته. مات والده الحقيقي عندما كان طفلاً، لكنّه طلب من رجل أن يلعب دور والده أمامي عبر الهاتف. بعدها بأشهر صار يأخذني من بيتي في عاليه عند السادسة صباحاً. نشرب نسكافيه على الكورنيش ثم يوصلني إلى عملي، ليأتي عند الساعة الرابعة ويعيدني الى البيت”، تابعت تمارا.

كان عمرها 19 عاماً حينها. وحسين، الذي عرّف بدايةً عن نفسه على أنه “أيمن”، كان في الـ31 من عمره. “تعلّقت فيه وحبّيتو”، قالت تمارا. “عرفتُ لاحقاً أنه كان يكذب طوال هذه الفترة، وأنه متزوج وعنده ولدان. واجهتُه يومها، فضربني لأول مرّة. لكنه بعدها بكى واعتذر وقال لي إنّه فعل ما فعله لأنّه يحبني ولا يريد أن يخسرني، ووعد أنه لن يعيد فعلته هذه. سامحته. كنت زغيرة وبحبّه وما مقدّرة شو ممكن يصير”.

هرَبَت معه من بيت أهلها الذين منعوها من مواصلة العلاقة معه بعدما علموا بما حصل، ظنّاً منها أنه لن يعيد الكرّة. وهنا بدأت دائرة العنف المفرغة. “عاد وضربني بعد أسبوع من هروبي معه. لم يكن لدي سبيل غير السكوت، كنت وحيدة، فأهلي قاطعوني لأنني ذهبت معه. وفي كل مرّة كان يضربني فيها، كان يعود ويصالحني ويبكي ويعتذر ويقول بأنه لا يعرف ماذا يصيبه عندما يعصّب. وأنا لم أكن أفهم ماذا يحدث وأرضى بسرعة”.

إن أحاسيس من يُعنَّف تكون مزدوجة. لأنه عدا عن العذاب والوجع الذي يشعر بهما، هو يسمع في الوقت ذاته رسائل من المعتدي تدّعي الإيجابية، وهذا التناقض بين الكلام والفعل يُربك الشخص في أحاسيسه. كان حسين يضربها ويقول لها إنّه يحبها ولا يريد أن يخسرها، كما الأب الذي يضرب أولاده ويقول لهم في الوقت ذاته إنه يفعل ذلك من أجلهم، ولأنه يحبّهم.

“مرّة خرجنا مع أهلي وأصدقائهم، تعرّفت عليّ صديقة أمّي وتغزّلت بي، خفت وقتها وعلمت أنني سأُضرب. كان مُناهُ في الحياة أن يشوهّني كي لا ينظر إليّ أحد. هكذا كان يقول لي في كل مرّة أسمع فيها إطراءً ما. آخر مرّة ضربني على وجهي، طلب منّي أن أنظر إلى المرآة وقال: شوفي حالك أدّيه صرتي حلوة. هلّأ كل العالم رح يطّلعوا فيكي”.

ردّة الفعل الأولى عندما نسمع قصصاً كقصة تمارا، تكون: “لماذا لم تهرب؟ لماذا لم تترك معنّفها؟ كيف بقيت معه طوال هذه الفترة؟ بقاؤها يعني أنها تحب ذلك، أو أن ما حصل معها ليس بهذه الأهمية”، هذا غير: “أكيد فعلتْ شيئاً ما ليقوم بضربها”. ومن بعدها تأتي ردّة الفعل الثانية: “لو كنت مكانها، كنت بلّغت عنه، كنت علّمته درساً لن ينساه، كنت وكنت…”.

في عرض لآليات السيطرة وكيف يفرضها المعتدي، وعواقبها على المُعتدى عليه، وصعوبة عملية التحرّر منها، ذكرت الكاتبة إليزابيت ألونسو أن المعتدى عليه لا يرحل لأنه تحت سيطرة المُعتدي، وهذا يعني أن دماغ الأول لا يعود مرتبطاً بحواسه وبمشاعره وبجسده هو، بل بحواس ومشاعر وجسد المعتدي. “عندما نكون تحت السيطرة، لا وجود لسلامتنا وإحساسنا بذاتنا وهويتنا (…) نحن موجودون من خلال المعتدي”.

كما أن الشخص المعنَّف يكون خاضعاً لأوامر المعتدي التسلطية والعبثية والخطرة، وفي الوقت ذاته هو خاضع لمحيط، عندما يعرف بوقائع ما حصل معه، لا يفهم لماذا لا يهرب. عدم فهمه هذا مرتبط بأنه بعيد عما يحصل، ومن يسأل هذه الأسئلة غير خاضع للسيطرة، وبالتالي يملك إمكانية التفكير بذاته، بينما الضحية، لا تفكّر بنفسها، بل تفكّر به. هي تشعر بالذنب والخجل والحزن وليس لديها القدرة على المقاومة.

هذا ما أخبرته تمارا. تحدثت عن الخوف الذي كان يتملّكها وعن الوحدة. “كل ما فكِّر إنّو بدّي أهرب، موت من الخوف، وفكّر شو بدو يعمل. بعدين لمّا كان يضربني، كان يضهر من البيت وياخد تلفوني ويقفّل الباب وما يتركلي مصاري”. عندما حبلَت، توقّعت تمارا أن يتوقف عن ضربها. لكن شيئًا لم يردعه.

تصالحت مع أهلها بعد فترة، ووقفت أختها حنان إلى جانبها. “كانت تطلب منّي دائماً أن أُبقي مفتاحاً للبيت معي. أعطتني رقم منظمة “كفى”، وقالت لي إذا ضربك كفّ، اتصلي على هيدا الرقم فوراً. وهذا أراحني كثيراً، لأنني عرفت أن هناك من يمكن أن يقف إلى جانبي”.

في آخر مرّة ضرب حسين تمارا، قال لها “أنا اليوم بالحبس وإنتِ بالمقبرة”. ترك البيت لبضع دقائق. إتّصل بأختها حنان، وقال لها “شلت عيونها لإختك وأسنانها وطالع إدبحها”.

“ما بعرف كيف إجتني القوة. كلّي دم، حملت بنتي ونزلت على الدرج. كان إبن الجيران الصغير فاتح باب بيته، خاف لما شافني، ما عرفني لما قلتلو خبّيني عندك. تلفنت للدرك. ولما إجوا أخدوني وطلعت بالسيارة، صرت إبكي وأضحك. حسيت أني خلقت عن جديد”.

والدة تمارا، قالت إن أخت منال عاصي (المرأة التي قتلها زوجها بعدما تفنّن في تعذيبها في شباط من العام الحالي) اتصلت بحنان بعد شيوع خبر ما تعرّضت له تمارا. أخبرتها أن أمّ منال عاصي قالت لها عندما شاهدت تمارا على التلفزيون: “تعي شوفي إختك”.

صدر الحكم في الأول من تموز من هذا العام بحقّ حسين فتوني، معنِّف تمارا، بسجنه لمدّة تسعة أشهر ودفع تعويض 20 مليون ل.ل. كعقوبة لاقترافه جرم الضرب والإيذاء.

جرت محاولات من بعض رجال الدين لثني تمارا عن الاستمرار بالدعوى بحق زوجها، “صارو يقولولنا بالمحكمة ليش كبّرتو الموضوع هلقد، ووصلتو على الإعلام”. كما اتهمها زوجها بالخيانة، وهي إتهامات جاهزة ومتكرّرة تنصبّ على المرأة في كل مرّة يحصل فيها عنف أُسري. “لو افترضنا خانته متل ما عم بقول، ما إلو حق يضربها ويحاول يقتلها ويحرقها. يطلقها!”، علّقت الأمّ.

لن تتراجع تمارا عن حقّها وحق ابنتها ماديسون، ذات الأشهر السبعة، التي تلقّت “لبيطاً وخبيطاً” أثناء تكوّنها في بطن أمها، وأمضت شهور حياتها الأولى تبكي كل الليل ومريضة طول الوقت. “كأنّو ماديسون خلقت عن جديد هيي كمان”، علّقت تمارا. هي تريد العودة الى الجامعة والاهتمام بابنتها وتتمنى أن ينصفها القانون رغم الثغرات الموجودة فيه.

قالت إن الذي أنقذها وأنقذ ابنتها هو شعورها بأنها لم تعد لوحدها، وأنها كسرت جدار العزلة الذي كان يحيط بها بفضل منظمة “كفى” التي تكفّلت بها، في الوقت الذي كثر من النساء لا يزلن مع أزواجهنّ وهنّ مهدّدات بالموت بسبب وحدتهنّ.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *