Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
المرأة في زمن التحديات والواقع المرير

المرأة في زمن التحديات والواقع المرير

ايمان ونوس     

في الظروف والمواقف الصعبة أو الأليمة، لا بدّ لأيّ منّا أن يكون في لحظة ما أسير هذه المواقف بانفعالاتها العاطفية المختلفة التي تفرض عليه تصرفات وأقوال تتلاءم وتلك الانفعالات التي غالباً ما توحي بأننا ربما ضعفاء حيال هذه المواقف. وقد نحتاج إلى زمنٍ يطول أو يقصر لاستيعاب حيثيات الحدث ونتائجه وارتداداته النفسية علينا. وطبعاً هذه الحالة تختلف من شخصٍ إلى آخر من حيث الاستعداد لاستقبال الحدث، أو شدّة الانفعالات وارتداداتها المختلفة. فهناك أُناس تأخذهم الحالة بكل ما فيها لزمنٍ طويل يكونون خلاله مقيدين عاجزين عن كل فعل إيجابي يُخرجهم منها، بينما هناك أُناس ينهضون من غفلة الحدث بسرعة تدفعهم لتدارك آثاره من أجل المضي في معالجة ما ترتّب عليه من آثار سلبية، من أجل ترميم وتقليص حجم الخسائر مادية كانت أو نفسية.
ولما كان للمرأة على الدوام الدور البارز والأساسي في حياة الأسرة خصوصاً والمجتمع عموماً، باعتبارها الأم الوالدة لأطفال سيحملون ولا شك معظم سماتها الشخصية والنفسية، وباعتبارها الزوجة وشريكة الرجل في تحمّل أعباء الحياة والأسرة، التربوية والمادية والاجتماعية وسواها، فإن المطلوب منها أن تمتلك قدرات وصفات تؤهلها لهذا الدور ولتلك المسؤوليات المختلفة والمتعددة، لاسيما في ظل ظروف استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ فرضتها حالة حرب أيضاً استثنائية على مختلف الجبهات والجهات.
صحيح أن المرأة بشكل عام تتصف برقّة العاطفة ورهافة الإحساس والمشاعر بحكم غريزة الأمومة المتشبثة بعواطفها، وهذا ما يجعلها الحضن الدافئ والصدر الحنون لكل من حولها، حتى لو لم تكن أمّاً بالفعل، مما يُخفف على المحيطين بها قسوة الحياة وفجيعة الظروف التي نُعايشها جميعاً، غير أن عليها في المقابل أن تمتلك القوة الداخلية التي تؤهلها لتجاوز كل ما يعترضها من أزمات ومصائب أو فجائع، كي تكون بحق وبجدارة ربّاناً ماهراً يقود سفينته إلى شاطئ الأمان بأقل الخسائر والآلام.
فحالة الحرب التي نعيشها منذ سنوات، وما يتبعها من إشكاليات وخصوصيات لكل أسرة، قد كشفت في الواقع الوجه الحقيقي لجميع النساء، فكان المجتمع أمام نماذج متعددة في مواجهة ما أصابها:
* المرأة القوية التي فاجأها الحدث واستولت عليها حالة الانفعالات لفترة وجيزة وهذا طبيعي، لكنها نهضت كالمارد من بين ركام الحالة بعد أن التقطت أنفاسها لتنظر إلى القادم من الزمن من أجل تجاوز كل ما يُعيق مسيرتها الجديدة التي فرضتها الظروف، معتمدة على ما تحمله من ثقافة وفكر ووعي بأهمية دورها في محيطها، وبأن عليها أن تكون قارب النجاة لمن حولها كي يتجاوزوا آلامهم بأقل الخسائر، شاحذة فكرها وهمّتها من أجل التعامل مع المستجدات للوصول إلى وضع مقبول والتعايش معه بروح طيبة وتفكير مرنٍ جعل الأسرة بحالة شبه طبيعية إلى حدٍّ ما في ظروف غير طبيعية.
* المرأة الضعيفة التي انهارت مع أولى الأزمات أو المشاكل وأبسطها، فلم تستطع خُطاها تجاوز شبر واحد في مسيرة المشكلة، مما أقعدها عند مفترق طرق تاهت به عن الطريق السليم والصحيح لتفادي الانهيار والتشتت والضياع لها ولأسرتها، فكان أن تاه الأفراد في مسارات مؤذية وبعيدة عن واقع كان من المفترض أن يلوذ به الجميع، بدل أن يتجه الأطفال مثلاً للتشرد أو التسول أو امتهان أعمال مؤذية لطفولتهم، وأقسى ما يواجهنا صباح كل يوم في طريقنا إلى العمل تلك المظاهر المرعبة لأطفال وطفلات في عمر الزهور والندى، إمّا يمسحون زجاج نوافذ السيارات العابرة مقابل بضع ليرات لا تُغني ولا تُسمن في أفضل الأحوال، أو يحملون أكداساً كبيرة من علب المحارم ليبيعوها لراكبي الحافلات العابرة ليتلقوا في كثير من الأحيان عبارات التّهكّم أو الطرد، وربما يتعرضون لأخطار متعددة ومتنوعة في تلك الشوارع بعيداً عن الأنظار، وفي غفلة من الضمير والأخلاق. وقد تتجه هذه المرأة في اتجاهات تؤذي أنوثتها وأمومتها وإنسانيتها، فنجد اليوم في الشارع صوراً متعددة لنساء امتهنَّ التسوّل الذي هدر كرامتهن برفقة أطفال رضّع لا ذنب لهم كي يُقاسوا برد الشتاء وأمراضه، وحرَّ صيف لاهبٍ يذهب بدماء عروقهم بعد أن ابتلع الشارع براءتهم واغتال خصوصية مناغاتهم وشغبهم. كما تُفاجئك شابات صغيرات السن بهندام لا يشي أبداً بحالة تسول يُمارسنها في أماكن لا تليق ببراءة أو نقاء عمرهن بسبب ظروف فظيعة دفعتهنَّ إلى هذا، وربما أيضاً بسبب الرغبة في امتلاك ما تفرضه وسائل الدعاية والإعلان على ذائقة مراهقين لا يدركون بعد تحديد أولويات الحياة في زمن الحرب. وأكثر ما لفت انتباهي هو وجود عدد كبير من فتيات صغيرات السن يعملن نادلات في المقاهي والكافتريات بهندام ومكياج يوحي للناظر بخطورة ما يعترضهنَّ في تلك الأماكن التي تستغل وجودهن لغايات مشبوهة في كثير من الأحيان، كما لفت انتباهي في أحد المقاهي وجود الأم مع بناتها العاملات في ذلك المقهى ربما لحمايتهن، وربما لأنها لا تجد وبناتها مكاناً تأوي إليه غير هذا المكان الذي يستغل الجميع.
* بالمقابل نجد نساء فضّلن بيع بعض السلع على ضآلتها بدل التسوّل، رغم أن هذا العمل في هذه الظروف هو تسوّل غير مباشر، تسوّل قد يحفظ بقايا كرامة أهدرتها الظروف القاهرة والحرب المجنونة كي تُعيل أطفالاً تركهم لها أب مفقود أو معتقل أو مخطوف أو شهيد، بإصرار عنيد على متابعة تعليمهم في أيّ مكان وجدوا فيه، وهذا بحد ذاته انتصار على القهر والواقع المؤلم. وهناك نساء ذوات حظ جيد إلى حدٍّ ما وجدن في تنظيف أدراج البنايات عملاً مقبولاً من أجل الحصول على كفاف اليوم لهن ولأطفالهن بأقل قدر من هدر الكرامة، غير أنهنّ فضّلن خروج بناتهن من المدارس،لاسيما أولئك المهجّرات أو النازحات من الأماكن الساخنة، إمّا خوفاً عليهن من مجتمع غريب، أو لقناعتهن أن التعليم لن يُجدي نفعاً في مستقبل مجهول المعالم والملامح بالنسبة لهنّ، هذا ما صرّحت به إحدى أولئك النساء.
* لكن النموذج الأقسى من النساء هو الذي تخلّت فيه المرأة عن أمومتها طالبة الطلاق والنجاة وحيدة من واقع أليم، مُفضّلة العيش في كنف أهلها على مواجهة الظروف وحماية أطفالها، فقط لأنها ضعيفة القدرة لا تستطيع تحمّل تبعات تلك المواجهة، تاركة أطفالها لأب قد لا يستطيع تأمين الحماية ولقمة العيش معاً، وربما لأهل ينوؤن بهمومهم وهم في حالة نزوح أو تهجير لا يجدون مكاناً يأويهم، فكيف الحال مع أحفاد أكثر ما يحتاجون إليه هو وجود أم ترعاهم وتحميهم..؟
بعد كل ما استعرضنا، نجد أن المرأة، لاسيما في ظل غياب الرجل وفي حالة كالتي يعيشها السوريون منذ سنوات، هي العمود الفقري للأسرة، من حيث تعاملها مع الأحداث ومستجداتها، فإن كانت قوية وواعية تداركت وأسرتها مرارة الواقع بأقل الخسائر والهزائم، بينما حين تكون ضعيفة ولا تحمل ما يؤهلها لحماية أسرتها، تقع الأسرة جميعها في براثن الضياع والتشتت والحرمان من أبسط حقوق الحياة. وقد أثبتت معظم النساء السوريات قدرتهن على قيادة أسرهن وحمايتها، في زمن وواقع ينوء كثير من الرجال بثقل أحماله ومسؤولياته.


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273