Pages Menu
Categories Menu
“جرائم الشرف” خروج عن شرع الله

“جرائم الشرف” خروج عن شرع الله

دار الخليج    

أوهم المحاسب زوجته بالتأخر عن العودة لزيارة بعض الأصدقاء، وتربص لها بالقرب من المنزل وعندما رآها خارجة مسرعة تستعد لركوب “تاكسي” انهال عليها بسكين وسط ذهول المارة في الشارع، ولم يتركها إلا جثة هامدة .
أمام جهات التحقيق في الشرطة والنيابة قال المحاسب الذي يستعد للحصول على درجة الدكتوراه “لقد انتقمت لشرفي حيث كانت خارجة لمقابلة صديق لي تخونني معه”، وعندما أبلغته النيابة أن تحريات الشرطة أكدت أنها كانت في طريقها إلى مستشفى بالقرب من المنزل لزيارة شقيقتها التي أصيبت في حادث بكى وطالب بإعدامه، حيث ظلم زوجته التي يحبها وقتلها نتيجة سوء ظن!!
هذا مجرد نموذج من الجرائم التي ترتكب كل يوم تحت ستار الدفاع عن الشرف والانتقام للكرامة والتي تتزايد في بلادنا العربية والإسلامية بشكل مزعج ومعظمها – للأسف – يبنى على سوء الظن، والأوهام والشائعات الكاذبة . . والنتيجة ظلم وقتل وتشويه سمعة، وتثبيت تهم مسيئة للشرف والكرامة، والعقاب رادع حيث يساق كثير من القتلة إلى حبل المشنقة للقصاص منهم، فضلاً عن العقاب الإلهي الذي ينتظرهم بسبب ظلمهم ذوي القربى أحياء وأمواتاً .
نحاول من خلال السطور التالية إطلاق صيحة تحذير جديدة على لسان نخبة متميزة من علماء الإسلام والنفس والاجتماع، حتى لا نضيف ظلماً جديداً للمرأة في بلادنا العربية تحت ستار الدفاع عن الشرف والكرامة .
البداية مع أستاذ العلوم الاجتماعية والنائب السابق لرئيس جامعة الأزهر، د . نبيل السمالوطي، الذي يبدي أسفه وحزنه على زيادة معدلات جرائم قتل الشرف التي يقوم بها رجال عرب ومسلمون ضد بناتهم أو أخواتهم أو زوجاتهم أو أمهاتهم، تحت ستار الدفاع عن الشرف والكرامة .
يقول: المؤسف والمحزن أن الاستهانة بأرواح النساء في بلادنا العربية وصلت إلى حد ارتكاب جرائم قتل ضد زوجات وبنات وأمهات وشقيقات، استناداً إلى إشاعة كاذبة أو سوء ظن ووهم كاذب، أو كلمة سوء تسربت إلى رجل فيقوم بفعل حماقته – وليس رجولته- بارتكاب جريمة قتل ضد إنسانة قد تكون بريئة .

قصور تشريعي
ويرى أستاذ العلوم الاجتماعية أن الاستهانة بأرواح زوجاتنا وبناتنا وأمهاتنا وشقيقاتنا إلى هذه الدرجة المؤسفة، ساعد عليها قصور تشريعي يعفي القاتل أحيانا من القصاص، الأمر الذي دفع العديد من رجال القانون والباحثين الاجتماعيين والتربويين وعلماء الدين والجمعيات النسائية والحقوقية في بلادنا العربية إلى المطالبة بحذف المواد القانونية التي تمنح العذر للقاتل، مما يفقد قوانين العقوبات القوة الرادعة لمحاصرة هذه الجرائم التي تتزايد بشكل مزعج في ظل خلل ثقافي وفكري وضعف وازع ديني وسيطرة قيم ونعرات قبلية، تدفع في كثير من الأحيان إلى إزهاق أرواح بريئة استناداً لشبهات أو إشاعات كاذبة .
ويتساءل هنا د . السمالوطي عن سبب صمت علماء ودعاة الإسلام على هذه الجرائم المنكرة التي تنشر ثقافة ظلم النساء، وتهدد أمن المجتمع وسلامته الاجتماعية، ويقول: واجب علماء ودعاة الإسلام في خطبهم ودروسهم في المساجد، وبرامجهم المتعددة في الفضائيات توضيح الحكم الشرعي فيها خاصة أن بعض الذين يرتكبون هذه الجرائم يرتدون ثياب التدين والحرص على تعاليم ومبادئ الإسلام، والإسلام بريء منهم لأنه دين عدل ورحمة وعفو ولا يمكن أن يعطى الحق لإنسان لكي يقتل ابنته أو أخته أو زوجته لو شاهدها ترتكب فاحشة، فلكل جريمة عقوبة شرعية مقررة وتطبق بعد استيفاء أركانها منعاً للظلم، وحرصاً على حقوق الإنسان .

عدوان صارخ
أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الفقيه د .محمد الشحات الجندي، يؤكد أن قتل فتاة أو سيدة عقاباً لها على ارتكاب فاحشة هو عدوان صارخ على نفس بشرية وظلم بيّن ترفضه شريعة الإسلام، رغم تشددها في التنديد بالجرائم الأخلاقية حرصاً على قيم المجتمع وأخلاقياته .
ويقول: هناك فضائل أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتحلي بها، وعلى رأس هذه الفضائل فضيلة العفاف، وهناك رذائل نهانا عز وجل عن الاقتراب منها، وعلى رأس هذه الرذائل فاحشة الزنى، وهذه الفاحشة جاء النهي عن الاقتراب منها في آيات متعددة من كتاب الله، منها قوله تعالى: “ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا”، وهي محرمة في جميع الشرائع السماوية، ولذلك فإن واجب كل مسلم مقاومة هذه الجريمة بكل الوسائل المتاحة من دون أن يظلم أحداً بالشبهات، فالإسلام حرم الظلم وجرم سوء الظن بالآخرين، والشريعة الإسلامية وضعت عقوبات رادعة لكل من يقترف هذه الجريمة، وجعلت لولي الأمر وحده سلطة تنفيذ العقوبات، فجلد الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن (المتزوج) سواء أكان رجلاً أم امرأة لا يكون إلا للسلطات المختصة، هذا إذا كانت العقوبات الشرعية تطبق، أيضا توقيع عقوبات تعزيرية على كل من يتورط في هذه الجريمة النكراء هو من سلطة الدولة وليس أهل الزاني أو الزانية .

فهم خاطىء للقرآن
يخلص د . الجندي من توضيح هذه الحقيقة الشرعية والقانونية إلى تجريم سلوك هؤلاء الذين يزهقون أرواح بناتهم أو زوجاتهم أو أمهاتهم، استناداً لعلاقات محرمة مع رجال، سواء ثبتت هذه الاتهامات أو لم تثبت، فالإسلام أحاط النفس البشرية بسياج من الحماية والتكريم وليس من حق أحد أن يزهق روح أحد مهما كانت درجة صلته به، وإذا كانت هناك انحرافات سلوكية أو تجاوزات أخلاقية فهناك عقوبات لمن يفعل ذلك، فالعقوبة الشرعية للزاني والزانية هي الجلد مئة جلدة لغير المتزوج، والرجم حتى الموت للمتزوج أو المتزوجة .
ومن هنا يدين أستاذ الشريعة الإسلامية سلوك بعض المتدينين الذين يفهمون نصوص القرآن الكريم فهماً خاطئاً، ويأخذون من قول الحق سبحانه وتعالى في شأن الزاني والزانية: “ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر”، حق توقيع أي عقاب رادع عليهما، وبالتالي يستبيحون الدماء، ويقول: هذا فهم عقيم لكلام الله عز وجل وتمسح غير مقبول بالقرآن الكريم، يؤكد سوء فهم وقصد هؤلاء، فالقرآن لم يعط لأب أو لزوج أو لأخ أو لابن حق قتل إنسانة لمجرد اتهامها بالزنى أو حتى إذا ضبطت متلبسة بارتكاب هذه الجريمة النكراء، فجريمة الزنى لا تثبت في الشرع إلا بوسائل احترازية كثيرة تجعل من ثبوت هذه التهمة أمراً صعباً للغاية، وبالتالي فإن العقوبة الشرعية سواء أكانت الجلد أو الرجم لا تتم إلا بعد توافر وثبوت كل أركان الجريمة، حيث وضعت الشريعة الإسلامية شروطاً لتنفيذ عقوبة فاحشة الزنى، أولها أن يكون من ارتكب هذه الفاحشة بالغا عاقلاً، فلا حد على صغير أو مجنون، أيضا لابد أن يكون ارتكاب هذه الفاحشة على سبيل الاختيار والرضا من جانب الرجل والمرأة، فإذ تمت عن طريق الإكراه فإن العقوبة تكون على من ثبت بالدليل القاطع أنه أكره غيره على ذلك .
ومن الشروط التي أوجبتها شريعة الإسلام لتطبيق عقوبة ارتكاب فاحشة الزنى أن يكون هناك إقرار صريح، وقد أخذ النبي، صلى الله عليه وسلم، بإقرار “ماعز والغامدية” أنهما قد ارتكبا هذه الفاحشة وأقيم الحد عليهما بسبب هذا الإقرار وقالا: “طهرنا يا رسول الله” .
وهناك طريق آخر لثبوت جريمة الزنى- كما يقول علماء الشريعة – وهو شهادة أربعة من الرجال المسلمين البالغين العقلاء العدول أنهم شاهدوا الزاني والزانية يرتكبان هذه الفاحشة مشاهدة تامة لا لبس فيها ولا خفاء، وتكاد تكون هذه المشاهدة التامة من الشهود الأربعة للزانيين بهذه الطريقة من الأمور البالغة الصعوبة إن لم تكن من الأمور المستحيلة .

ظلم لا يجوز استمراره
الداعية الشهيرة أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، د .سعاد صالح، ترفض وتدين هي الأخرى الظلم الفادح الذي تتعرض له المرأة في بلادنا العربية والذي يصل إلى جريمة قتلها والتمثيل بجثتها، نتيجة شائعة كاذبة أو واقعة هتك عرض لا ذنب لها فيها أو حتى خطأ ارتكبته بعد أن أغواها شياطين الإنس والجن، وتقول: أولا لا يجوز تدنيس سمعة الطاهرات العفيفات نتيجة شائعة كاذبة أو خبر فاسق، فالله سبحانه وتعالى يقول محذراً من الشائعات المغرضة وأخبار الفساق: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، وقد جاءت الشريعة الإسلامية باحتياطات كثيرة قبل تنفيذ عقوبة الزنى في حق رجل أو امرأة، وهي تستهدف من وراء هذه الاحتياطات سد الباب أمام كل من يحاول اتهام الأبرياء بهذه التهمة المنكرة التي فيها خزي وعار على الإنسان وأهله وكل من لهم صلة به، خاصة المرأة التي يلحقها هي وأهلها عار ما بعده عار في حالة إشاعة هذه التهمة عنها .
وتستنكر الفقيهة الأزهرية المعروفة هذه الجرائم المنكرة التي شاعت في كثير من مجتمعاتنا العربية، وانتقلت إلى حيث يعيش العرب والمسلمون في أوروبا وأمريكا وغير ذلك من الدول، وتقول: قتل الإناث تحت مسمى قتل الشرف حلقة في سلسلة سلوك جاهلي يرفضه الإسلام، فكم من امرأة طاهرة وفتاة عفيفة ذهبت ضحية إشاعات كاذبة من حاقدين أو مغرضين، وكم ظلمت نساء نتيجة شبهات، وهذا الظلم يجب أن يتوقف، فليس في قتل الإناث شرف ولا كرامة، والمطلوب من الآباء والأمهات أن يحسنوا تربية أولادهم على الفضائل بدلاً من إلحاق الأذى بهم عندما ينحرفون، ولابد أن يدرك الجميع أن الخالق عز وجل الذي شرع العقوبات والحدود هو الذي فتح أبواب التوبة لكل إنسان مخطئ أو متجاوز لحدوده، والتي ترتكب خطيئة واجب أهلها أن يستروا عليها وأن يقوّموا سلوكاتها ويساعدوها على أن تسير في طريق الاستقامة، وهناك أسر كثيرة فعلت ذلك مع بناتها اللاتي أخطأن في لحظة ضعف أو طيش ولعب بهن الشيطان، فكسبوا بذلك الدنيا والآخرة .
وتنبه د . سعاد هنا إلى أهمية التربية الأخلاقية السليمة للأبناء من ذكور وإناث منذ الصغر، وتؤكد أن انحراف الفتيات يشيع في أوساط غابت عنها القيم الإسلامية، والآباء والأمهات الذين يقصّرون في تربية أولادهم على الفضائل منذ الصغر ليس من حقهم معاقبتهم عندما يخطئون، وإذا كان هناك عقاب وتقويم فلا ينبغي أن يكون بالقتل

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *