Pages Menu
Categories Menu
إلى الواجهة من جديد .. قانون الأحوال الشخصية … بقلم : الأب عامر قصّار

إلى الواجهة من جديد .. قانون الأحوال الشخصية … بقلم : الأب عامر قصّار

مرّة أُخرى يَقفِز إلى الواجهة مشروع قانون الأحوال الشخصية في سوريا، وكأنّ اللجنة التي كتبت المشروع، ومن ثم أعادت صياغته، لم تلحظِ الحملةَ الشديدة التي شنّها الكثير من أبناء الوطن، ومن مختلف الفئات، ضد ذلك المشروع الذي أقل ما يُقال فيه أنّه متخلّف وغير حضاري.
     والسؤال المطروح هنا، من هم هؤلاء الأشخاص الذين أُوكِلَ إليهم تحديد مصير الوطن؟ وإذا كان الهدف فعلاً سنَّ قانونٍ عصري فلماذا يُغيّبُ المعنيون بذلك؟ أين هي المنظمات الأهلية والمدنية؟ أين هي الطوائف المختلفة؟ من الذي يُعطي الحق فقط لوزارة العدل، ومن خلفها وزارة الأوقاف، بتقرير مصير ملايين الناس؟ ثم أنّه أليس من المعيب أن نتكلّم عن لجنة سرية؟ أليس من الأجدى أن تكون كل المناقشات في النور؟ أم أن أعمال اللجنة من البشاعة بمكان حتى لا تستطيع أن تظهر إلى العلن فتُري العالم أجمع قُبحَها؟
     لندع هذه الأسئلة جانباً ولنحاول أن نفكّر إيجابياً، فماذا نريد نحن السوريين؟ إلى ماذا نطمح؟ طبعاً فيما يلي لن أدعي أنني أملك كل الجوانب، وبالتالي فإنّ رأيي ليس ملزماً لأحد، ولكن على الأقل أرى أنّه من حقي أن أعبّر كمواطن عمّا يجول في خاطري.
     أول ما يخطر في بالي هنا هو مفهوم المواطنة، والذي حققت فيه سوريا، عبر تاريخها، تطوراً ملحوظاً. فالسؤال المطروح من هو المواطن؟ ما هي حقوقه وما هي واجباته؟ هذا هو الأساس الذي يجب أن يُبنى عليه أي قانون، فاليوم ليس هناك من مكان لأكثرية وأقلية، فأنا لا أقبل أن يُقال عني أقلية مسيحية، أنا مواطن سوري أنتمي لهذا الوطن، وأخضع لقوانينه، بغض النظر عن انتمائي الديني الذي أمارس شعائره بشكل حر وطبيعي. من هنا أرى ضرورة الابتعاد عن المصادر الدينية في تشريع قانون يحكم البلد، فأنا لستُ مجبراً أن أخضعَ لقوانين لا أؤمن بها، ولكني مُجبَر أن أخضع لقانون مدني يحدد حقوقي وواجباتي انطلاقاً من مواطنتي.
     وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية، وهي استحالة سن قانون أحوال شخصية لكل الطوائف سويةً، لأنّ ذلك سيمس مباشرةً بجوهر العقائد لدى الطوائف المختلفة. فمثلاً أن تسمح بالتبني فهذا غير مقبول في الإسلام ومقبول في المسيحية! وأن تطرح تعدُّدَ الزوجات فهذا مقبول في الإسلام وغير مقبول في المسيحية! وهكذا دواليك، حتى أنه ليصعُبُ علينا الدخول في الكثير من التفاصيل الدقيقة التي نجد فيها اجتهادات بين أبناء المذهب الواحد.
     وعليه أسأل، ألا يمكن أن نصل إلى قانون شامل ينبع من كل تجاربنا وخبراتنا القانونية في سوريا؟ قانون مدني علماني لا يعتمد على المصادر الدينية، وإنّما المصادر القانونية، يكون فاعلاً لكل أبناء الوطن الواحد؟ مع ترك قانون الأحوال الشخصية لكل طائفة، بحيث أن المؤمن الذي يرغب في ممارسة إيمانه ضمن طائفته، أو ضمن الطائفة التي يختار أن يكون فيها (انطلاقاً من مبدأ حرية العقيدة) يخضع بشكل إرادي لقوانين هذه الطائفة.
     طبعاً القضية معقّدة ولا أدّعي حلّها بهذه الأسطر، لكن بإمكاننا أن نغني، كلٌّ في مكانه، هذا النقاش الدائر. ودعونا نستفيد من خبرة المجتمعات والدول الأخرى، فذلك ليس فيه عيب، مع الحفاظ على بعض الخصوصيات.
     ختاماً أدعو إلى نقاش حضاري وبنّاء بين مختلف أطياف الشعب للوصول إلى قانونٍ عصري حضاري يتماشى مع كل الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها سوريا وأصبحت جزءاً منها، وإلا سنكون جزءاً معزولاً في هذا العالم الكبير، وهذا ما لا يتمناه أحد.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *