Pages Menu
Categories Menu
جريمة الشرف تعويض كرامة

جريمة الشرف تعويض كرامة

جريمة الشرف تعويض كرامة

بقلم : ميس نايف الكريدي

 

الاستبداد وجه المجتمع المتخلف
برز التعاطي مع قضية التخلف في المجتمعات النامية من خلال النظريات التي تربطه بالاقتصاد , والبنية السياسية والاجتماعية , وظل التعاطي قاصرا في حقيقة الأمر عن الوصول لآليات حقيقية علاجية تبعا لاختلاف التيارات التي ناقشت هذه المسألة أو حاولت استيراد نظريات خارجية لتطبيقها دون الإحاطة الفعلية بالواقع , وربطت مكافحة التخلف بعملية التنمية , والموارد الطبيعية والاقتصادية , ومتوسط دخل الفرد , رغم أن هذا الدخل لا يعبر عن الواقع الفعلي , وخاصة في التباين الشديد بين الدخول , حيث تعيش قلة في حالة رفاه عالية بينما الأغلبية الساحقة هم مادون خط الفقر , وبالنسبة للموارد , فبوجود الثروات الطبيعية أصبحت هناك دول غنية لكنها لم تعكس التطور الفعلي للتنمية , وإنما ظهرت المظاهر الكاذبة للتطور من خلال النهضة العمرانية لا أكثر, بينما تتراجع القطاعات الحقيقية في البلد , ويتحول المهاجرون داخلا إلى سكان في السكن العشوائي , حول المدن الكبرى ..
ومن هنا تأتي أهمية الدراسة النفسية لظاهرة التخلف , ومشكلاتها, والصفات العامة لهذه الشريحة .
فالرضوخ , وعلاقة السيطرة الناجمة عن القهر , تجعل الإنسان المقموع هو المثال الأوضح الذي يفصح عن صورة التخلف في بلد ما , فالإنسان المقهور يعيش في عالم من العنف المفروض , والمشكلات المزمنة التي لا يملك القدرة على ردها , أو التحكم بمصيره , لأنه عرضة للأوبئة , والأمراض , والحروب , والحرمان والفقر , وليس لديه درجة أمان من هذا التهديد , فيصبح القدر أكثر توحشا أمامه , نتيجة عجزه , ويعتبر الطبيعة قادرة على العطاء , والشقاء , والرزق , وبما أنه عرضة للمفاجآت , وغير مستعد لها , ينحاز للماورائيات , والتقرب من القوى التي تحكم هذا الكون ,والتعلق بالخرافة , والتمني , والاتكالية سلبا , ويعزو مشكلاته إلى العقاب على ذنب وهمي أو حقيقي , وقد تذهب به الحالة إلى العنف , وتشغله هواجس القلق منذ ما حفرته سنين الطفولة في اللاوعي , وتستمر إلى حاضره , ويضاف إلى عوامل الضغط هذه القمع , والخوف الممارس عليه إنسانيا من خلال من يمتلكون القدرة , سواء رجل السلطة , أو الشرطة , أو المدير في العمل , أو السيد , أو المالك , فيكون متأكدا تماما من عجزه التام اما م تلك القوى , ويشعر بانعدام إنسانيته وقيمته , ولايؤمن بحقوقه , ولا مكانته إلا بما يقدمه له الآخر الأقوى الذي يمارس تسلطه عليه , وفي ظل حالة التبعية , يشعر بالدونية , مما يجعله يبالغ في تعظيم السيد , خوفا او طمعا بمكاسب التقرب منه , وطبعا تستلزم علاقة القمع زيادة في تعظيم هذا السيد , وتضخم شخصيته لتزول أمامه احتمالات تطور الحس الإنساني , فيزداد العنف والتعسف , والاضطهاد , وفي ظل هذه الاستكانة , وانعدام شعور الأمان تبرز مرحلة من الرضوخ , تشكل قاعدة أساسية لاستمرار انحطاط المجتمعات , فتصبح حالة الذل ميزة عامة للجماهير , وتعزز القوى المتسلطة هذا الغرس منعا من أي حالة حراك أو تعبئة , وقد تنشأ هناك بعض المحاولات الفردية , لكنها لا تقدم أي فاعلية , وتسود اللغة المحبطة , وهذه هي الأفكار الشائعة عن التخلف , وحصره في الجمود , والخرافة , والسلبية , هذا يبدو جليا من خلال متابعة أسلوب المستعمر في تعميق هذه القناعة عند الجماهير ضمانا لعدم انتفاضتها أو محاولتها الإفلات من واقعها المفروض .وتعميق القناعة بعجزها عن إدارة مواردها , وقدراتها , وتعيش الجماهير ظلاما طويلا نابعا من تعميق , وتكريس حالة العجز لديها , وتزدري هذه الشعوب ذاتها , وتنقم على واقعها , وترى ما يحدث لها جزءا عقاب تستحقه أصلا , وبالتالي تتواطؤ مع مستغلها , وتتحالف معه باستكانتها لتعزز هذا الواقع .ومن ضمن هذه المنظومة المجتمعية هناك المرأة , التي ترضخ , وتتعرض لحالة التبعية في الجزء الأكبر , لتتحمل كافة مشاعر الضعف , والعجز والعار, وكل هذا ضمن المحصلة الطبيعية المنطقية لانعدام قيمة الذات , وبالتالي لابد من تفريغ ما يمارس في المجتمع على الحلقة الأضعف حكما سواء المراة أو الطفل .
وقد تبدو العلاقة ضمن منظور مختلف حيث نجد قبولا , وانهزامية أمام الواقع , مع تذمر , ورفض ضمني , أو انتقام بأساليب خفية , ومنها مثلا حالات التملق للمتسلط , وفي مقابلها تشنيعات أو نكات , وعدوانية من الداخل .
طبعا لايبدو عسيرا الربط بين جملة من العقد والأمراض المجتمعية , وهذا الواقع القائم على القهر , حيث ترى هذه الشعوب كارهة للديمقراطية أصلا , ورافضة لها , وتؤمن بالأبطال الأفراد رغبة منها في تعليق مشكلاتها على حامل معين يمنحها حلما بالخلاص ,وليس التعلق بالغيبيات بعيدا عن هذه المقاربة .
يعاني بالمقابل الإنسان في هذه البنية من عقد الدونية إزاء السلطة بكافة أنواعها , ويختار الابتعاد عن المجابهة , لأنه يعتبر نفسه مساقا بلا حول ولاقوة , وتباعا يفقد موقفه من الحياة , ويتوقع في حالة انتظار الفرج , ويبحث أو ينتظر المنقذ الذي يحلم فيه.
هذا الإنسان المقموع المكبوت , والذي تمارس عليه كافة أشكال الاستبداد , والذي يشعر أساسا بالنقص أمام واقعه , يصبح في حالة دفاع دائم , لأنه لا يريد الاعتراف بحالة العجز , وتصبح أهم مشكلاته مسألة السترة , أو التغطية , ويعمل جاهدا على محاربة افتضاح أمره , على كل الأصعدة , وبالمحصلة تكون مسألة الشرف جزءا من انتصاره المزعوم أمام هذا الواقع , ليقدم نموذجا يظن أنه يجعله أقوى في منظار الآخرين , لذلك فهذا النوع من الناس يشعر بالقهر المضاعف أمام النكتة أو التعليق , أو طريقة نظرة الآخرين له , وضمن جروحه العميقة يصبح المساس بكرامته المهدورة أصلا جزءا من تقديمه لذاته , في محاولة للتعويض عن مجمل القهر والظلم الاجتماعي عليه , وتحل نخوات الشرف , والكرامة , مكان الفراغ الكبير الذي ولدته في نفسه حالة انعدام الإنسانية , وقيمته كفرد على هذا الصعيد , ويسقط بالتالي عاره على المرأة , فهي العورة , وهي الكرامة , وهي التعويض الذي يقدمه أمام الآخرين إثباتا لكبريائه , ويغدو الفعل الجنسي الذي لا علاقة له أصلا بواقعه هاجسا ,وينتفض كليا حيث يحصر كل وجوده وكرامته بالحياة الجنسية للمرأة , وطبعا هذا يعود لوظيفة الحياة الجنسية للمراة, في الواقع الاجتماعي ,والمراة أساسا أكثر الفئات الاجتماعية اضطهادا و قهرا , وتمارس عليها عملية الانتقاص الدائم من مكانتها , سواء في الجنس أو الفكر أو الجسد أو الإبداع , وبكونها هي أصلا,ضمن هذه الشعوب, تميل أكثر من الرجل للجرافة , وتتمسك بها , وتغوص في العاطفة , وتسلوك سلوكا يسهل استحكام قبضة المجتمع المتخلف عليها , وتنحاز للانطواء على الذات والاستكانة , فهي أصلا فاقدة لأوليات الدفاع , وراضية بحالة العجز العامة لتكون في حالتها أكثر تمكنا وقدرة , وحيث أن المرأة مزيج من المتناقضات في نظر المجتمع , حيث تكون الأم والمضحية و رمز العطاء من جهة , ومن جهة أخرى الجنس المشتهى عند الرجل المحروم تحت مظلة واقعه الذي استبد به كليا , واعتبرها ملكا خاصا يعوض من خلاله ظلمه , والاضطهاد المطيق عليه , فيتماهى مع من تسلط عليه , ليمارس بدوره هذه القدرة على من هم دونه في السلم الاجتماعي , وبدل ان ترتبط كرامته بالمكانة الاجتماعية والمهنية , تصبح مرهونة بالمراة وجسدها , وهذا تحويل للمشكلة من الواقع القهري الذي يتحتم إصلاحه , ينصرف الشعور بالعار عن الاستغلال والتسلط , وانتهاك كرامة الإنسان , ويترك ثأرا حقيقيا ليحقق انتصارات وهمية , لتمنح الفئات المقهورة نفسها اوسمة وألقاب تزين حياتها ,ويبقى التسلط والقهر واقعا مفروضا لا يجابهه , ولا يعترض عليه فعليا أحد .

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *