Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
جرائم الشرف في سورية

جرائم الشرف في سورية

جرائم الشرف في سورية

بقلم : ضياء الصحناوي

 

جرائم درعا على «الشبهات»!
شكلت مجموعة العوامل الاقتصادية أولاً والتعليم ثانياً ووجود الاغتراب بين أبناء مجتمع محافظة درعا إضافة إلى مجموعة القوانين الصادرة مؤخراً عوامل أساسية في تدني نسب حضور جرائم الشرف بعد أن حضرت خلال العقود السابقة بصورة واضحة وعلى الرغم من غياب أي مؤشرات من القصر العدلي بدرعا بحجة الموافقة المسبقة لوزارة العدل إلا أن العديد من أبناء مهنة المحاماة اعتبروا أنها في الحدود الدنيا مقارنة مع غيرها من المحافظات الأخرى ورأى البعض أن مرد التراجع يعود إلى حضور المرأة المتعلمة في جميع القضايا ومشاركتها في تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية للعائلة نظرا لتغيرات اقتصادية شملت مختلف النواحي من ضمنها خروج الفتاة للعمل وهو ما شكل أول الهوامش لحركة بدت مقبولة ومبررة وتالياً إبعاد الحساب في «الشبهات» التي كانت تأخذ سابقاً صفة الاستعجال والندم لاحقاً من الجاني إضافة إلى أن العلاقة الاقتصادية الجديدة فرضت تحولاً في تراتبية الأسرة حسب المداخيل وقدرة «الصرف» على البقية من أفراد العائلة.
 بينما انحاز نقيب المحامين بدرعا فهد العدوي إلى مجموعة القوانين الصادرة مؤخراً والتي أسست لمفاهيم اجتماعية أكثر تطوراً لمفهوم العلاقة الإنسانية في إطار المنظومة المتكاملة للحياة الاجتماعية بمفاهيمها الأخلاقية والتي اعتبرها أبرز العوامل في تراجع جرائم الشرف مشيراً إلى أن المرسوم التشريعي رقم 37 لعام 2009 عدل أحكام المادة 548 عقوبات من خلال إلغاء العذر المحل واستبداله بعذر مخفف فشكل التعديل رادعاً واقياً للأمن الاجتماعي من ضعاف النفوس إضافة إلى استثناء المرسوم التشريعي 22 لعام 2010 بعض الجرائم التي لها علاقة بالأخلاق العامة وهو ما ترك مؤشراً على حرص المشرع على صيانة الحقوق وسيادة الفضيلة إضافة إلى العوامل الأخرى التي ساهمت في القيام بأدوار تثقيفية وتوعية أبناء المجتمع من خطورة هذه الجرائم سواء في النقابات المهنية والشعبية والمؤسسات الثقافية.
ويرى عبد اللـه العلي طالب جامعي أن خيارات التعليم المتسارعة والتي أتاحت للعنصر النسائي دخوله هو العامل الأبرز بمعنى أن الفتاة لم تعد تحتاج لوصاية ممن هو أدنى منها معرفيا وتعليميا بل برزت ككيان مستقل إضافة إلى أن مهارات التعلم أكسبتها مزيداً من الجرأة والعلاقة المباشرة مع زميل العمل أو الجامعة من دون عوامل الخوف السابقة التي سيطرت نتيجة للعلاقة الزراعية القائمة على المراقب والمتصرف بالشؤون الأسرية بكاملها.
لكن ما سبق لا ينفي بالجملة وقوع حوادث متفرقة هنا أو هناك نظراً لوجود تباينات واضحة في امتداد مساحة المحافظة وتضاعف عدد سكانها وتغيرات قد تطول هذه البلدة دون سواها وهو ما يفتح عامل الهجرة والاغتراب ومدى تأثيره على خصوصية كل بلدة ونوعية هجرة أبنائها فبينما تعيش بعض البلدات أو المناطق انفتاحاً يصل إلى حدود الاستقلالية في دور الفتاة وتركها على «الغارب» بفعل انتعاش هجرة أبنائها إلى دول أوروبا وأميركا يلحظ المراقب تبايناً في المناطق الأخرى يصل إلى حدود التضاد إذ عاد الآباء والأبناء من دول لا تزال ترسم للفتاة مسيرة لا ترغب في الحياد عنها وهو ما ترك مثل هذه المؤشرات تلعب دوراً محورياً وحدوث «اختراقات» بين الفترة والأخرى.
أرواح بريئة تُزهق…29 جريمة خلال عام واحد
غير مرة استيقظ مواطنو حماة على جرائم مروعة ارتكبت بدافع الشرف، زُهقت فيها أرواح بريئة، لشبان وصبايا، اتضح فيما بعد أنهم ضحايا رعونة وحمق وتهور، فالكشف الطبي كان يؤكد عذرية البنات القتيلات، وطهر الشبان المقتولين، والتحقيقات كانت تكشف أن ثمَّة زواجاً شرعياً جمع القتيلين، لكن عدم رضا الأهل جعلهما يفران في آفاق الأرض ويدخلان على عائلة أخرى يطلبان حمايتها.
 ويرى المحامي عبد المنعم حلاق، أن هذه الجرائم مستهجنة مجتمعيَّاً، وهي نوعٌ من القربان البشري، الذي تقدمه الأسرة للمجتمع المحيط، تلبيةً لرغبته بضبط سلوك النساء وفق ما قرره هذا المحيط ذاته، ويحمل رسالة واضحة من القاتل وأسرته للمجتمع مفادها: «لقد أزلنا أسباب رفضك لنا فاقبلنا مجدداً»، الأمر الذي يفسر المبالغة الشديدة في طقوس القتل، التي تكون عادةً علنية وفي مكان عام كنوع من التطهير لما قامت به الضحية.
ويرى المحامي حلاق، أن استغلال بعض نصوص القانون وخصوصاً ما يندرج تحت عنوان «الدافع الشريف»، وعدم تطبيق القانون بشكل دقيق، وعدم اتخاذ المجتمع موقفاً رافضاً لهذا النوع من الجرائم، من الأسباب المساهمة في ارتفاع نسبتها خلال الأعوام الأخيرة، حيث بلغ عددها 29 جريمة في عام 2008 على سبيل المثال لا الحصر.
لهذا صدر المرسوم التشريعي /37/ لعام 2009 م، الذي عدَّلَ مفعول الفقرة الأولى من المادة /548/ من قانون العقوبات السوري، التي كانت تنص على «منح العذر المحل من كل عقوبة سنداً للمادة 240 عقوبات» لمن فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته، في جرم الزنا المشهود، أو في صلات جنسية فحشاء، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو أحدهما بغير عمد، حيث جعله التعديل يستفيد من العذر المخفف فقط على ألا تقل عقوبته عن الحبس مدة سنتين في القتل، وألغى الفقرة الثانية من ذات المادة، والتي كانت تنص على أن يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ الموصوفين سابقاً في حالة مريبة، محيلاً حسب ما أعتقد – يقول المحامي حلاق – الحالة المنصوص عليها في الفقرة الملغاة لتندرج تحت مفعول المادة 129/م من قانون العقوبات التي تنص على أنه إذا تبيَّن للقاضي، أن الدافع لارتكاب الجرم كان شريفاً، أبدل عقوبة الإعدام بالاعتقال المؤبد، والأشغال الشاقة المؤبدة بالاعتقال المؤبد أو لخمس عشرة سنة، والأشغال الشاقة المؤقتة بالاعتقال المؤقت، والحبس مع الشغل بالحبس البسيط. وأرى هذا التعديل خطوة أولى على الطريق الصحيح، وأقترح للحد من هذه الجريمة ما أكد عليه الملتقى الوطني حول جرائم الشرف، الذي عُقِدَ في الشهر العاشر من عام 2008، وإلغاء المادة 548 من قانون العقوبات كلياً، وتشديد عقوبة الزنا للرجل والمرأة على قدم المساواة، المنصوص عليها بالمادة 473 من القانون المذكور، وتشديد عقوبة السفاح بين الأقارب.
 محمد أحمد خبازي 
الأب لا يلبس عقاله 
تتميز محافظة الحسكة بطابعها الاجتماعي المحافظ وحفاظها على الأعراف والعادات والتقاليد التي قد يحدّ بعضها من حريات المرأة رغم الوعي الكبير والتطور الحاصل وتمكين المرأة وتنظيم الأسرة والصحة الإنجابية ودخولها معترك الحياة جنباً إلى جنب مع الرجل في العمل والتعليم ومختلف جوانب الحياة، إلا أن هناك من لا يزال يعتقد بأن كل ما تقوم به المرأة في أغلب الأحيان يعتبر معيباً وحراماً من وجهة نظره، ما يستدعيها أن تكون في جو مغلق لأبعد الحدود، وما يزيد الطين بلة هو طابع المحافظة العشائري والقبلي، وأن أصغر مشكلة أو قضية اجتماعية ومهما كانت بسيطة تنتشر بغضون ساعات ولا يلزمها إلا نصف يوم على الأكثر لتكون منتشرة في أغلب أرجاء المحافظة مع قليل من التوابل والمنكهات.
هروب الفتاة دون علم أهلها «خطيفة» الذي يعتبر من المحرمات والكبائر لأنها بهذه الحالة قد نكست رأس الأهل ومرغته بالتراب وعلى أثرها يبدأ البحث والتحري عن الفتاة في أصقاع الأرض ومنهم من يعمل كبائع متجول بين القرى كما كانوا يفعلون قديماً، ولا يرفع الرجل رأسه ولا يجلس في مجالس الرجال ولا يلبس عقاله إلا بعد قتل الفتاة وغسل العار.
وأغلب الجرائم التي تقوم على تسمية جرائم الشرف تكون بالسكين ليشفي غليله ويبرد قلبه مباركاً هذا الفعل بجمعة من الأهل والمعنيين والجيران ليكونوا شاهدين على غسل العار والانتقام للشرف كما يسمونه، وكثيراً ما يتم كشف الملابسات ببراءة البنت من التهمة حتى إن تقرير الطبيب الشرعي يثبت عذرية الفتاة في وقت لا ينفع فيه الندم يعضّ خلالها الفاعل أصابعه ندماً.
عامر أحمد
ثماني جرائم في حمص
ما زالت ذاكرة أفراد المجتمع المحلي تحتفظ بالكثير من حوادث جرائم الشرف الواقعة في أنحاء محافظة حمص وخاصة تلك الفتاة التي وجدت في حقيبة سفر ورميت في العراء ولدى الكشف عن ملابسات الجريمة توصلت الجهات المختصة إلى عدم ارتكابها عملاً لا أخلاقياً.
أما الجريمة التي لفتت الأنظار فهي ارتكاب فعل القتل بداعي الشرف بينما تبين أثناء التحقيقات حرمانها من الإرث وتركت جريمة العام الماضي أثراً كبيراً في نفوس أفراد المجتمع المحلي في منطقة جوسية التابعة لمدينة القصير 30 كم غرب حمص بسبب لجوء ابن الأخ البالغ من العمر 19 عاماً (د.ع) إلى قتل عمته (ع.ع) في العقد الثالث من العمر وإطلاق الرصاص عليها ببارودة روسية لدى معرفته بأنها على علاقة مع أحد الشباب
وسجلت السجلات الرسمية حوالي ثماني جرائم شرف في المحافظة.
 رفاه الدروبي
جرائم إدلب بين الضحية والجلاد
جرائم القتل بداعي الشرف لم تعد اليوم في إدلب مجرد ردة فعل على خبر لعلاقة غرامية تربط شاب بفتاة.. بل باتت تلك الجريمة بنظر القانون والقضاء والمجتمع جريمة الجرائم التي تلحق العار والعقاب بمرتكبيها أكثر مما تلحق بالضحية.. لأن أغلب حالات هذه الجريمة يرتكبها أناسٌ غالبا ما تسيطر عليهم ردة الفعل أكثر من الحكمة في معالجة تلك القضية بمعالجة أسبابه
وإذا كان من المحرم والمرفوض حدوث علاقات غير شرعية بين الشاب والفتاة أو حتى الرجل والمرأة عموماً، وإن كان الدين والمجتمع لا يبرر مثل هذه العلاقات فإن الحل الوحيد بنظر العديد من أولياء الأمور في معالجة تلك القضية مازال يقتصر على قتل البنت غسلاً للعار (كما يقال) في الوقت الذي يغيب عن أذهان هؤلاء أو أن الحدث أعمى بصيرتهم تماماً عن الأسباب التي غالباً ما يكونون هم أنفسهم الذين دفعوا هذه البنت إلى ارتكاب المحرم إن حصل ذلك. فمن خلال متابعتنا لهذه المسألة مع بعض رجال القضاء وملفاتهم تبين أن معظم ضحايا جرائم الشرف من البنات القاصرات اللواتي وقعن ضحية إغراء وابتزاز ووعود طالما حرمن منها من قبل الأهل.. وتتعدد الأسباب هنا بين زوج تزوج بامرأة أخرى فيهتم بواحدة وبأبنائها وبناتها وترك الأخرى مع بناتها وأبنائها دون رعاية أبوية أو رقابة، ما جعل البنات والشبان يتعرضون للخطأ حيث أجواء الإغراء بالمال واللباس والطعام وغير ذلك، وهناك حالات بنات أرغمن على الزواج ممن لا يرغبن وخاصة في السن المبكرة وهذا ما دفع بعضهن إلى الهروب من بيت الزوجية إلى الشارع أو أحضان الحبيب الأول أو شباب السوء.. لهذا فقد باتت مسألة تعدد الزوجات والطلاق وتسيب الأسر وغياب الاهتمام والرقابة من الأهل في مقدمة الأسباب التي أدت إلى انحراف بنات وشبان.. بعض الجهات القضائية المعنية اقترحت التشدد في عقوبات مرتكبي جرائم الشرف التي ما زالت منحازة إلى طرف الرجل ومتشددة بطرف المرأة، وخاصة أنه لا يتوافر دائماً الدليل القاطع على وقوع الفعل، بل كثيراً من تلك الجرائم وقعت على الشبهات أو الأخبار الكاذبة والمبالغ فيها، ويبينون بأن الاجتهاد القضائي قد استقر أخيراً على أن قتل الأصل للفرع يستحق عقوبة الإعدام ولو كان بداعي الشرف، وأن المادة 535 من قانون العقوبات العام قضت بالحكم بإعدام من قتل قصداً أحد أصول المجرم أو فروعه.
محمد الخطيب   
جريمة واحدة في القنيطرة
تتميز القنيطرة بالطابع القبلي «البدوي» وتنوع سكاني فريد من نوعه وبالرغم من ذلك فلم تسجل خلال عام 2009 سوى جريمة قتل واحدة بدافع الشرف وكانت القصة مأساوية جداً، أخ يقتل أخته لأنها لطخت سمعة الأسرة. وقد لاقت هذه الفتاة مصرعها بعد معاناة طويلة وفي نفس اليوم الذي رجعت فيه الفتاة إلى أسرتها تم قتلها. وربما هذا الرقم الذي لا يكاد يذكر رغم الواقعة المؤسفة مؤشر على الوعي الكبير لأبناء القنيطرة ووصول المرأة إلى مكانة جيدة مقارنة بباقي المحافظات حيث من حق المرأة اختيار شريك حياتها بكل حرية ودون إكراه أو إجبار من قبل الأهل ويرى أبو محمد أن من أسباب جرائم الشرف التي يقوم من خلالها الذكور بقتل الإناث لأسباب تتعلق بخياراتهن في الحياة، ومن ثم يدعون أن هذا القتل تم لـ«الحفاظ على الشرف» أو لـ«غسل العار».
وتكون أسباب هذا القتل عادة مبنية على خيار المرأة بالزواج من رجل من دين آخر، أو طائفة أخرى، أو عشيرة أخرى، أو من رجل لا يرضى به الأهل زوجاً لها.
وتختلف حساسية الأسباب حسب مناطق مختلفة من المحافظة حيث تعتبر «جرائم الشرف» نوعاً من «القربان» البشري الذي تقدمه الأسرة للمجتمع المحيط تلبية لرغباته بضبط سلوك النساء وفق ما قرره هذا المحيط، ويحمل رسالة واضحة من القاتل وأسرته، وهذا ما يفسر المبالغة الشديدة في «طقوس» القتل، حيث عادة يكون قتلاً علنياً في مكان عام واحتفالياً.
وفي المقابل هناك من يرى في جرائم الشرف رادعاً للمرأة في ارتكاب أي خطيئة وقد سمعت تعليقات كثيرة بعد واقعة القتل التي حدثت العام الماضي حيث كان لها عدد من المؤيدين ومعظمهم من الشباب المتميزين بالحماسة و«فورة الدم» ولعل أبو رائد في العقد الثالث من العمر عندما أعلنها بصوت عال أنها تستحق الموت لأنها لوثت سمعة العائلة ودنستها.
لكن حمدة تخالفه الرأي عندما أكدت أنه يجب علينا أن نفعل شيئاً، لكي نوقظ ضمير المجتمع تجاه جرائم الشرف ولكي نضع نهاية للجرائم غير الإنسانية والشيء الحسن في بلدنا سورية أن لدينا مجتمعاً منفتحاً، بحيث إننا نستطيع على الأقل التحدث عن المشكلة.
 خالد خالد   
في دير الزور.. مشروع لجريمة مع وقف التنفيذ..!
لم نستغرب الحقيقة الأكيدة الخاصة بجرائم الشرف في محافظة دير الزور، وهي أنها معدومة تماماً، رغم أن الانطباع الأولي عن تقاليد المحافظة وقسوتها في التعامل مع الجانب الأخلاقي يوحي بعكس هذه الحقيقة، إلا أننا نؤكد انعدامها فعلاً، وذلك بالعودة إلى سجلات بعض المحامين، أو إلى مخاتير قرى الريف، وحتى كبار السن في المدينة والريف.. ولكن ما سر هذه الحقيقة..!؟
بداية ركزنا على نسبة هذا النوع من الجرائم في الريف، معتقدين أننا سنكون أمام أرقام مرتفعة خاصة بهذه الجرائم، غير أننا فوجئنا بعكس هذا الاعتقاد، حيث تبين لنا أن كافة قرى المحافظة لم تشهد أي جريمة شرف على الأقل ضمن الأعوام الثلاثة الفائتة، وما قبل هذه السنين كان هذا النوع من الجرائم معدوداً على الأصابع خلال عشرات السنين المنصرمة، حيث بقيت لغاية اليوم حكاية الجريمة التي وقعت عام كذا متداولة بين الناس ما يدل فعلاً على قلة هذا النوع من الجرائم.
غير أن هذه الحقيقة لا تعكس عفة البنت بالصفة المطلقة، ويمكن القول إن المحافظة عموماً شهدت كثيراً (مشروع جريمة)، ولولا حكمة التعامل مع موضوع الشرف لكانت دير الزور أمام نسبة عالية منها، حيث أكد لنا بعض كبار السن في القرى أن قراهم تشهد بين الحين والآخر اكتشاف حمل لبنت من بنات القرية، غير أن الجريمة لا تقع أبداً إلا في حالات نادرة وتعود لسنوات بعيدة، ويعول كبار السن هذه الحقيقة أمام حكمة تعامل كل من عائلة البنت والفتى مع قصتي الحمل والولادة، إذ يؤكد كبار السن أن أهل البنت يسعون بكل جهدهم لـ(لملمة) الفضيحة، فتراهم يقصدون أهل الشاب، ويضعون طرفي الفضيحة أمام ضرورة الزواج، مع التأكيد هنا، أن انطباع العار لا ينسب لأهل الفتاة فقط، بل وحتى لأهل الشاب، وبالتالي تصبح العائلتان أمام ضرورة تغطية الفضيحة، ما يحدو بهما إلى تزويج طرفي (العار) على الفور، ومن هذه الحقيقة وجدنا أن محافظة دير الزور أمام نسبة معدومة تقريباً من جرائم الشرف.
أخيراً لا بد من القول إن حكمة كبار السن في تعزيز ثقافة حسن التعامل مع جرائم الشرف كان لها الدور الأكبر في التخفيض منها، ويؤكد بعض الشباب ممن التقيناهم، أن الحكمة في أمور كهذه أكثر جدوى من الانفعال فيها، لأننا في المحصلة أمام قصة حمل غير شرعي، لذا من الأفضل تطويق المشكلة بجمع والد ووالدة الطفل تحت إطار شرعي يسترون فيه فعلتهم.
وائل حميدي
تراجع جرائم الشرف في السويداء
قد يكون الحديث عن جرائم الشرف في محافظة السويداء من أكثر الأحاديث صعوبة وحساسية، ونكئاً للجراح، وخاصة في مجتمع مغلق وضيق.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة لهذا الملف الشائك، إلا أن الكثير من الجرائم التي ارتكبت ويعرفها الجميع هنا أنها تمت بدافع الشرف قد طمست معالمها بشكل كامل، ولفلفت للأسباب التي ذكرناها على الرغم من أخذ القضية حقها في القضاء المختص.
وكانت المظاهر التي ترافق القتل مؤلمة في بعضها وخاصة عندما تتحول الجريمة إلى عرس حقيقي بطله القاتل بالتعاون مع العائلة بكل تشعباتها، وهو ناتج عن العادات والتقاليد القديمة التي من خلالها لا يستطيع الأهل الخروج من المنزل أو حضور أي مناسبة أو حتى شرب القهوة المرة في أي مكان إلا عندما يتم إيجاد الفتاة إن كانت هاربة، أو عندما يقوم كبير البيت بذبح ابنته أو إعدامها، دون معرفة السبب الحقيقي الذي من خلاله يمكن أن تكون الضحية بريئة، فالمهم في الموضوع غسل الشرف الذي تمرغ على يد فتاة قد تكون قاصراً. وخلال السنة الماضية إلى الآن لم نسمع عن جريمة ارتكبت بهذا الخصوص، ويبدو لتعديل القانون المختص جانب بهذا الأمر، وخاصة بعد التشدد في حصر الجرائم.
يقول المحامي عادل الهادي لـ«الوطن»: كانت المحاكم المختصة تتوسع كثيراً بمفهوم القتل دفاعاً عن الشرف، بحيث يشمل حالات واسعة تخرج عن إرادة المشرع بهذا النص، وهو في الأصل قانون فرنسي نعمل به منذ أكثر من خمسين عاماً حتى أسيء استخدامه، «مثل قتل الزوجة من أجل الورثة مثلاً أو الزواج من أخرى تحت مظلة الدفاع عن الشرف»، وبعد صدور القانون الأخير تم تحديد الحالات وتقييد استعمال هذا الإعفاء بحيث يشمل حالات أقل، وبرأيي أن القانون لغاية الآن ما زال قاصراً ويفترض العمل عليه بحيث يتم توسيع بعض بنوده فيما يخص المرأة بالذات ومساواتها مع الرجل في الدفاع عن شرفها وكرامة بيتها في حال التلبس للرجل.
وأثار الهادي مسألة بغاية الأهمية تتمثل في قتل الأخت أو البنت وهي أن القتل في هذه الحالة يجب أن يكون المقتول الأب وليس العكس، ويجب على المشرع إلغاء الإعفاء من العقوبة فيما يخص الفتاة «أختاً أو بنتاً» لأن السبب فيما آلت إليه الحالة يعود بالمقام الأول لرب البيت «أب أو أم».

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *