Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
الاستنتاجات الختامية من الوباء المزعوم لإنفلونزا الخنازير

الاستنتاجات الختامية من الوباء المزعوم لإنفلونزا الخنازير

قبل عدة أيام صدر تقرير للمجلس الأوربي أشبه بتحقيق جنائي عن الوباء المزعوم لإنفلونزا الخنازير . اعتبر التقرير ، الذي نشرت  مضمونه وكالات الأنباء،أن الأمر برمته ليس سوى عملية نصب و احتيال جنت منها شركات الدواء الكبرى حوالي سبع مليارات من الدولارات،واتهم التقرير مجموعة من الخبراء يعملون في منظمة الصحة العالمية ،التي لم تنجو من الإتهام أيضاً ، بما يسمى بتضارب المصالح . حيث نُشرت أسماء لأشخاص كانوا أصحاب قرار،أو يقدمون المشورة الفنية لكل من منظمة الصحة العالمية أو للحكومات في حين أنهم ، و في نفس الوقت أيضاً ، يتقاضون مرتبات كبيرة من شركات الدواء . على سبيل المثال سمت مجلة دير شبيغل الألمانية في تحقيقها المطول عن الموضوع و المنشور على الموقع الإنكليزي للمجلة على النت بتاريخ 12 -3 – 2010 تحت عنوان “هستريا الإنفلونز “. سمت المستشار العلمي الأول للحكومة البريطانية البروفيسور روي أندرسون بأنه كان يتقاضى راتباً سنوياً قدره اكثر من 177ألف دولار من شركة غلاسكو سميث إحدى الشركات المنتجة للقاح انفلونزا الخنازير .
لم تجد مديرة منظمة الصحة العالمية تشان ما ترد به على تقرير المجلس الأوربي سوى بالقول إنه لا يوجد أي تضارب مصالح عند أي من خبرائها . ( وكالات ) 
ما يهمنا من العودة للكتابة عن هذا الأمر هو تلخيص الدروس المستفادة من هذه التجربة ، و إستغلال لحظة الأزمة الوهمية التي مر بها العالم للكشف عن بنية النظام الذي يحكم العالم ، فما يجري في المجال الطبي العالمي مشابه لما يجري في المجالات الأخرى ، و تبقى الأزمة سواء كانت حقيقية أم وهمية أفضل كاشف للبنية الحقيقية للأفراد و الجماعات و الأنظمة ، فكما أن الرجال يمتحنون بالذهب ، و الذهب بالنار ، فإن المجتمعات تمتحن بالأزمات ، فتظهر بناها الحقيقية عارية . 
1-    رأسمالية الكوارث الوهمية : 
يعني تعبير ” رأسمالية الكوارث ” ، الذي نحتته الكاتبة الكندية نعومي كلاين ، استغلال كارثة ما : طبيعية مثل التسونامي أو الزلازل ، أو من صنع البشر مثل الحروب من أجل تحقيق الأرباح و تمرير برامج سياسية كان من الصعب أن تمر في الأوقات العادية ، فقد رأينا أثناء زلزال هايتي مسارعة القوات الأمريكية لاحتلال هذا البلد بحجة مساعدته ، كما صرح أحد المستثمرين الغربيين في العراق للكاتبة بالقول  “الوقت الأفضل للاستثمار هو حين يكون الدم لا يزال على الأرض” و سبب ذلك يعود إلى أن البنى الإجتماعية ، التي تقاوم مثل هذه التحولات، تكون مدمرة بفعل الكارثة و الناس مذهولة لا تبدي حراكاً تحت تأثير الصدمة . 
طرأ تطوير جديد على مفهوم “رأسمالية الكوارث” فنشأ ما يسمى ” رأسمالية الكوارث الوهمية ” ، و يقوم هذا المفهوم على ايهام الناس عبر وسائل الإعلام أن هناك كارثة كبيرة قادمة ، ثم استغلال حالة الخوف و الصدمة لدى الناس من أجل تحقيق الأرباح ، أوتمرير سياسات اقتصادية و اجتماعية يرفضها الناس في الحالات الطبيعية . تشرح الكاتبة الكندية نعومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة” نشأة رأسمالية الكوارث الوهمية . فتقول إن قواعد هذه اللعبة عرضها الخبير الإقتصادي صاحب النفوذ في صندوق النقد و البنك الدوليين جون وليامسون ، و ذلك في مؤتمر صغير عقد في واشنطن في 13 كانون الثاني 1993. حيث ألقى وليامسون محاضرة في هذا المؤتمر قال فيها ما يلي : 
(( على المرء أن يتساءل إن كان من المنطقي افتعال أزمة لتحريك الجماد نحو الإصلاح ، ففي البرازيل ، على سبيل المثال ، اقترحت زيادة التضخم لإثارة الخوف و التحفيز لقبول التغيير ….ما كان يفترض بشخص ذي بصيرة تاريخية أن يدعو ألمانيا و اليابان في منتصف الثلاثينيات إلى خوض الحرب من أجل الحصول على مكاسب النمو الهائل الذي تلا الهزيمة ، هل كانت أزمة أقل وطاة خدمت الوظيفة نفسها ؟ هل من الممكن اختلاق أزمة وهمية تخدم الوظيفة الإيجابية بدون تكبد كلفة الأزمة الحقيقية ))
إن الوباء المزعوم لانفلونزا الخنازير ، و قبله الطيور ، تطبيق عملي لمفهوم  “رأسمالية الكوارث الوهمية” ،فقد تم تحويل انفلونزا بسيطة إلى مرض مميت قاتل يهدد بإبادة الحياة على وجه الأرض،و ذلك عبر الضخ المكثف للأخبار المرعبة من قبل وسائل الإعلام و مساندة حشد هائل من الأطباء ، و من الإختصاصين مدعومين بتقارير منظمة الصحة العالمية.  لقد قصف “الخبراء” المشاهدين على مدار الليل و النهار بنبؤات قيامية عن فناء ملايين البشر ، و تحدثوا عن احتمالات تصلح كسيناريوهات لأفلام رعب هوليودية مثل إمكانية اندماج الفيروس مع غيره و تشكل مزيج قاتل ، أو احتمال حدوث طفرة قاتلة على بنية الفيروس . و تدريجياً كانت منظمة الصحة العالمية تلعب دور ضابط الإيقاع عبر رفع درجة الإنذار من الفيروس وصولاً للدرجة السادسة القصوى. و هدف كل ذلك بيع الدواء ثم اللقاح .
يقول تحقيق مجلة دير شبيغل الألمانية ، الذي أشرنا له سابقاً ، أنه قبل ثلاثة أسابيع من إعلان منظمة الصحة العالمية درجة الإنذار القصوى من الوباء اجتمع ثلاثون من كبار ممثلي الإحتكارت الدوائية في العالم ( يطلق عليها Big Pharma  ) مع الأمين العام للأمم المتحدة و مديرة منظمة الصحة العالمية ، و كان سبب الإجتماع المعلن مناقشة كيفية تأمين لقاحات الأطفال للدول الفقيرة ، لكن الصحيفة تقول إن كل ما دار في الإجتماع كان منصباً على طلب ممثلي الشركات الدوائية اعلان انفلونزا الخنازير وباء من الدرجة السادسة . فقد كان كل شيء بالنسبة لهذه الصناعات متوقفاً على هذا الاعلان ، و ذلك لأن عدداً كبيراً من دول العالم قد وقعت ،سابقاً، اتفاقيات مع شركات الدواء تنص على توريد الأدوية أو اللقاحات اللازمة بالسرعة القصوى في حال حدوث وباء من الدرجة السادسة . و تضرب الصحيفة مثالاً على ذلك بالعقد الموقع بين الحومة الألمانية و شركة غلاسكو سميث .
غيّرت منظمة الصحة العالمية تعريف الوباء من التعريف القديم ، و هو “حدوث مرض جديد عابر للحدود مع  امراضية عالية ووفيات كبيرة ” إلى “حدوث مرض جديد عابر للحدود ” فانطبقت المعايير الجديدة المختزلة على انفلونزا الخنازير ، و بناء على التعريف الجديد أعلنت المنظمة أن انفلونزا الخنازير باتت وباء من الدرجة السادسة ،و ذلك في الحادي عشر من حزيران 2009. 
2-    التخويف بالإنفلونزا الإسبانية 
تشكل إثارة الخوف سلاحاً مفضلاً في جعبة منفذي و مخططي  رأسمالية الكوارث بشقيها الحقيقي و الوهمي . فالخوف يعطل ملكة التفكير السليم و يجعل الإنسان مشلولاً غير قادر على المبادرة ، تماماً كما يتجمد الفأر أمام الأفعى ، و كلما كان الخوف شديداً تحول الإنسان إلى عجينة سهلة التشكيل . 
و قد استُخدم التخويف استخداماً كثيفاً من قبل “الخبراء” ، و في وسائل الإعلام أثناء ما يسمى بأزمة  انفلونزا الخنازير . فتحدثوا عن ملايين الوفيات،و عن تعطل الحياة،و بثوا نبؤات قيامية.لكن حجر الزاوية في سياسة التخويف كان ما يسمى بالإنفلونزا الإسبانية ، و هي انفلونزا انتشرت في العالم عند نهاية الحرب العالمية الأولى ، و يُقال ، استناداً إلى الدراسة التي أجرتها عام 2002 مدرسة الصحة العامة في جامعة هارفارد و نشرتها مجلة لانست الطبية الشهيرة،  أنها أدت إلى وفاة  خمسين مليوناً من البشر . لكن الإستشهاد بدراسة جامعة هارفرد كان منقوصا على طريقة “لا تقربوا الصلاة ” ثم السكوت عن ” و أنتم سكارى “. 
اتبعت تلك الدراسة أسلوباً علمياً معقولاً يعتمد على دراسة سجلات الوفيات بين عامي انتشار الوباء 1918 و 1920 في منطقة محددة ، ثم قارنته مع سجلات الوفيات خلال ثلاثة أعوام سابقة و أخرى لاحقة.و اعتبر الفرق بين أرقام الوفيات بين السنوات السابقة و اللاحقة و سنوات الانفلونز  كوفيات بسبب الانفلونزا . وجدت هذه الدراسة أن نسبة الوفيات بسبب هذا المرض كانت في الهند أكثر بأربعين ضعفاً عنها في الدانمارك ، حيث كانت 7.8 % في ولاية بيهار و المقاطعات الوسطى من الهند مقابل 0.25 % في الدانمارك  .و لتفسير هذا الفارق الاحصائي الهام جداً في نسب الوفيات قام الفريق الطبي بدراسات عديدة ، و في النهاية فسر الأمر بالفقر السائد في الهند. تقول الدراسة ” لكل 10 % زيادة في الدخل، كان هنالك انخفاض بنسبة 10% في معدل الوفيات ” . فالقاتل هو الفقر الذي يؤدي إلى سوء التغذية ، التي تؤدي بدورها إلى نقص المناعة ، و تستنتج هذه الدراسة أنه في حال حدوث وباء مماثل اليوم فإن 96% من الوفيات ستكون في العالم الثالث بسبب سوء التغذية و الفقر .
كما أن الإنفلونزا الاسبانية حدثت في ظروف الحرب و ما يعنيه ذلك من معسكرات اعتقال ،و تجميع الجنود،و هجرة شعوب مشياً على الأقدام لمسافات طويلة ، و أخيراً فإنها حدثت في عصر لم تكن المضادات الحيوية موجودة بعد .
ثالثاً -خصخصة الصحة و المؤسسات الصحية 
تلقت سياسات الخصخصة الفريدمانية دفعة قوية بانهيار الإتحاد السوفيتي في التسعينيات من القرن الماضي ، و بدا الأمر كتسونامي هائل غمر كل الحكومات و المنظمات فأغرق كل منطق غير منطق الربح . و منظمة الصحة العالمية مثلها مثل غيرها تعرضت لهذا التسونامي .
في التسعينيات من القرن الماضي أعلنت النرويجية براندتلاند ، التي كانت مديرة للمنظمة . أعلنت ما يسمى بسياسة الشراكة مع القطاع الخاص، و هي وصفة فريدمانية تؤدي لزوال الحدود بين القطاع الخاص و العام ، ثم تسخير القطاع العام من أجل خدمة المصالح الخاصة ، و نشوء ما يسمى بتضارب المصالح الذي لاحظه تقرير المجلس الأوربي . و قبل أزمة الإنفلونزا هذه كانت هناك مواقف مخزية للمنظمة ، فعندما انفجرت الأزمة بين جنوب افريقيا و الاحتكارات الدوائية على خلفية قيام جنوب أفريقيا بتصنيع أدوية الإيدز محلياً من أجل ايصالها إلى العدد الكبير من مواطنيها المصابين بهذا المرض ( 10% من السكان )  غير القادرين على شراء الدواء الأصلي الباهظ الثمن و المصنع في الغرب من قبل الشركات الدوائية . انحازت المنظمة إلى صف الإحتكارات الدوائية ، و هذا أمر متوقع في ظل اعتماد نسبة كبيرة من ميزانيتها على أموال الإحتكارات الدوائية ، و في ظل تداخل المصالح الذي أشارت له السيدة دافني فريشليفي في رسالة استقالتها من المنظمة ، و هي  تشكل اتهاماً صريحاً للمنظمة وللسيدة براندتلاند المديرة السابقة . فقد شكت صاحبة الرسالة من “النقص في حماس الادارة الحالية في الدفاع علناً عن المصالح الحيوية للبلدان النامية وهو ما يجب أن يكون موضوع الاهتمام الرئيس للمنظمة”. وهي ترى أن منظمة الصحة العالمية قد تخلت عن هدفها التقليدي وهو تأمين الصحة للجميع، وذلك لمصلحة الدول الأكثر نفوذاً، وبنوع خاص لواحدة من هذه الدول، ولمصلحة شركات الأدوية ( راجع لوموند ديبلوماتيك الطبعة العربية يوليو/تموز 002 20جان- لو موشان عندما تنحاز منظمة الصحة العالمية الى جانب الشركات المتعددة الجنسية في مسألة الدواء) .
و بمناسبة قضية جنوب افريقيا مع أدوية الإيدز وجه السيد رالف نادر رسالة للمنظمة قال فيها أن “الكثير من الناس قلقون لكون منظمة الصحة العالمية قد قبلت أن تمارس حفنة من كبريات شركات الأدوية نفوذاً غير مناسب على برامجها(…). فالمنظمة(…) قد قلصت من دورها التقليدي في تطوير استخدام الأدوية النوعية في الدول الفقيرة”.
إن الوباء الذي اجتاح العالم و ما زال ويهدد بفنائه هو الفيروس الليبرالي،الذي أزال الحدود بين القطاعين العام و الخاص ،فحوّل المؤسسات العامة و الموظفين العموميين إلى خدمة القطاع الخاص .
3 – تواطؤ الأخصائيين 
هناك مقولة شهيرة تقول ” إن الحروب أهم من أن يترك أمرها للجنرالات ”  تنطبق هذه المقولة على كل مجالات الحياة ، فالإقتصاد يجب أن لا يترك للإقتصاديين وحدهم. و كذلك فإن تقرير السياسات الصحية يجب أن لا يترك للأطباء وحدهم . 
من المفترض أن الإختصاصيين هم أكثر قدرة على تقييم الأمور ، كل في مجاله، لأنهم قضوا حياتهم يدرسون مادتهم و يبحرون في تفاصيلها . لكن الجانب الآخر السلبي هو أنهم و هم يغرقون في التفاصيل الصغيرة للإختصاص يفقدون ميزة النظرة الشاملة التي توجد عادة عند غير أهل الإختصاص ، فالإختصاصيون يتوقفون عن رؤية الأمور ضمن ارتباطاتها السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية المعقدة ، فيكتبون و يحللون و كأنهم يدرسون موضوعاً معزولاً عن أي ارتباط . في حين أن كل أمور الحياة مترابطة و تحتاج منظوراً مجسماً. كما أن الإختصاصيين يدرسون في معاهد و جامعات هي بالأصل جزء من بناء اجتماعي و ثقافي مهمتهما تخريج كادرات للدولة القائمة ، فالجامعات بشكل أو بآخر هي مؤسسات صناعة ايديولوجية مهمتها دعم النظام القائم . يضاف إلى ذلك أن المعاهد العلمية و الجامعات تخضع في ظروف الخصخصة الحالية إلى تنازع المصالح. ففي المجال الطبي أصبح كثير من مراكز و المعاهد البحثية يعتمد في استمراره على تبرعات الشركات الدوائية فكيف نتوقع من عامليها و المرتبطين بها أن يعطوا رأياً يضر بمصالح هذه الشركات! 
أما أزمة الأخصائيين في العالم الثالث ،و منه أمتنا العربية، فمضاعفة لأنهم تابعون للمركز الغربي و يتم التحكم بهم من هناك من الجامعات التي درسوا بها ، أو بواسطة الدوريات العلمية التي يتابعونها ، أو المؤتمرات التي يحضرونها ، فيتبنون آراء ليست بآرائهم ، و أفكاراً لم ينتجوها ، و يوهمون أنفسهم برؤية أمور لا يرونها ، فيصبح نتاج اختصاصهم و سلوكهم المهني نهر جار يصب في بحر الغرب و لا تنال مجتمعاتهم منهم سوى التقريع و اللوم . 
4- ضوء في نهاية النفق
 إن نقطة الضوء الوحيدة و الباعثة على الأمل في هذا السواد هو الوعي الشعبي الذي لم يروضه لا الخوف ، و لا آراء الإختصاصيين ، و لا خبراء رأسمالية الكوارث ، فبقي مصراً على أن الملك عار و أنه لا وباء و لا هم يحزنون ، فرفض التلقيح و أوقع الحكومات في أزمة التخلص من اللقاحات التي اشترتها ، يضاف إلى ذلك بعض الأصوات الإختصاصية الشجاعة التي لم يفسدها لا المال و لا الترهيب ، و على سبيل المثال لا الحصر وزيرة الصحة البولندية ، التي وقفت بكل شجاعة في البرلمان البولندي لتقول إنها قضت عمرها المهني الطبي ، و هي تحمل رسالة واحدة ، هي أن لا يصيب الضرر أي إنسان ، و أنها لهذا السبب لن تشتري اللقاح،و عندما لمحت تذمراً من السياسيين ، قالت إن المستفيد الوحيد من اللقاح هي شركات الدواء .

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *