Pages Menu
Categories Menu
أنا مطلقة.. أرملة .. إذاً أنا غير موجودة!! »

أنا مطلقة.. أرملة .. إذاً أنا غير موجودة!! »

أنا مطلقة.. أرملة .. إذاً أنا غير موجودة!! »

بقلم : عتاب حسن

 

«لِمَ يتم حرماني من بدل دعم المازوت أنا وأطفالي الأربعة؟ لِمَ يغادرني الآخرون وأنا ضعيفة أحتاج إليهم.. وفي اللحظة التي أشعر فيها بالقهر، هل عليَّ أن أصرخ لأحصل على ما يسمُّونه الدعم.. هل عليَّ أن أبحث في مكان آخر عن وثيقة تُظهر عوزي وقلة حيلتي؟ أم أعود إلى رجل حطَّم كلَّ تلك القداسة التي لطالما نظرت إلى الزواج من خلالها»..
إذاً، تتساءل ندى: «هل من خلال سَنِّ هذا القرار، علي أن أعود إلى رجل لفظني وأولاده الأربعة كي أستحقَّ دعمها ؟، وهل تعالج مشاكل الطلاق بأن تزيد الضغط الاجتماعي على المرأة المطلقّة ضغطاً اقتصادياً لايقلُّ قسوة؟»..
قرار غير مفهوم!!
يبدو غريباً، لا بل مستهجناً، بعد كلِّ هذه المعاناة التي تحدَّثت عنها ندى والتي تشبه إلى حدٍّ كبير معاناة آلاف النساء الأخريات ممن وقعن تحت براثن الطلاق أو وفاة الزوج ومن ثم تحت جور القرار الجديد؛ ألا يعاد النظر في حال مَن تُقدَّر نسبتهن بـ70 % من النساء المطلقات والأرامل، ممن رفض تشميلهن بقرار دعم مادة المازوت.
فبين أخذ ورد، صدرت تعليمات منح الدعم ووقع المحظور, وبدل أن يخرج القرار إلى النور، دخل في ظلام التشكيك في أنَّ شروطاً تعجيزية, لغاية لا يعلمها إلا الله. وبحسب العادة، فإنَّ أيَّ قانون يصدر يكون في مصلحة المواطن، على ألا يتعارض مع المصلحة العامة, غير أنَّ قرار منح الدعم لمادة المازوت خالف كلَّ الأنظمة والقوانين, ونصَّ في بنوده على معاقبة الشريحة الأكثر تضرُّراً في المجتمع؛ ألا وهي شريحة المطلقات, والأرامل, والفتيات غير المتزوجات, والأيتام.
أنا مطلقة.. إذاً أنا غير موجودة
قبل أيام، أصدرت وزارة الإدارة المحلية قراراً بناءً على أحكام القانون 29 تاريخ 19/11/2009 وتعليماته التنفيذية, يقضي بعدم منح المطلقة التي ليس لها أب وأم وإخوة عازبون، وثيقة الدعم, لأنَّ الشيكات تُسلّم إلى ربِّ الأسرة الوارد اسمه في دفتر العائلة أو الزوجة في حال وفاة الزوج, أو مرضه, وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأرملة التي لا تحمل بطاقة عائلية، ولو كانت تقيم إقامة دائمة في سورية. وفي ما يخصُّ الأطفال القاصرين الذين لا يملكون بطاقة عائلية لوالديهما المتوفَّيين فإنهم أيضاً لايستحقُّون الدعم لعدم انطباق الشروط عليهم, مع التأكيد على عدم إمكانية منح الدعم الحكومي للعازب الأكبر الذي لا يملك دفتر العائلة بعد وفاة الأب والأم, أو في حال وجود دفتر العائلة مع زوجة أبيه.
«لا معلّقة ولا مطلّقة»
«غاب عن ذهن الجهات التي اختصَّت في إصدار قرار الدعم الحكومي للمازوت، وجود الكثير من دعاوى التفريق في المحاكم, لا سيما أنَّ الكثير من هذه الدعاوى تستمرُّ لمدة ثلاث سنوات» بحسب الدكتورة كندة شماط، الأستاذة في كلية الحقوق. وتضيف شماط: «إذا كان التوجُّه الحكومي في منح وثيقة الدعم إلى الفقراء والمحتاجين، فمن الضروري أن يشمل هذا الدعم النساء الأرامل والمطلقات وغير المتزوجات دون شرط أو مقابل، لأنَّ أوضاعهن صعبة جداً, وفي المجتمع السوري هناك ما لايقلُّ عن 70% من الأرامل والمطلقات وغير المتزوجات لا يمكن لهن الحصول على الدعم, ناهيك عن وجود نسبة من النساء لم يحصلن على الطلاق بسبب الإجراءات المعقَّدة في المحاكم, وبطبيعة الحال، لا يمكن للمرأة أن تنتظر صدور حكم التفريق حتى تحصل على الدعم, وحالها سيكون سيئاً جداً إذا كان الأطفال في حضانتها، لا في حضانة الزوج».
الصفة أرملة
قد لا نبتعد عن المنطق لو طالبنا بإنشاء محكمة مختصَّة بالنظر في قضية توزيع دعم المازوت على الورثة، شأن المحاكم التي تفصل في قضايا الوراثة، ذلك أنَّ الكثير من النسوة حرمن من الدعم الحكومي بسبب غياب والد الزوجة أو والدتها, وعدم حيازة الكثير منهن على دفتر العائلة.. تقول رندة: «لا أرغب في الحصول على الدعم بعد الآن، فانتظار أن يصدر القرار بين اللحظة والأخرى أمرُّ بكثير.. توفِّي زوجي منذ سنتين, ولا يمكنني اللجوء إلى والدي بسبب سوء العلاقة بيننا. وحتى هذه اللحظة مازلت أضرب الأخماس بالأسداس، ربما وجدت طريقة تمكِّنني من الحصول على وثيقة الدعم من أجل أطفالي، لا من أجلي»..
نحن.. المجتمع.. والقانون
بين الأرملة, والمطلّقة, والفتاة غير المتزوِّجة، حلقة مفرغة تدور حولها النقاشات والأحاديث بين معظم الشرائح في المجتمع السوري, لاسيما أنَّ شريحة النساء لا تزال هي الحلقة الأضعف اقتصادياً, وهي التي تستحقُّ الدعم في الدرجة الأولى, فالمرأة المطلّقة أو الأرملة تحتاج إلى دفتر العائلة للحصول على الدعم. كذلك الأمر بالنسبة إلى الفتاة غير المتزوجة, وممن تجاوزت أعمارهن سنّ الخمسين, وهنّ غير قادرات على الدخول إلى ميدان العمل, ومنهن من تخلَّى ذووهن عن رعايتهن أو الاهتمام بهن, وبالتالي لا تشكِّل أوضاعهن المأساوية في مجتمع عنوانه العريض المساواة بين كل المواطنين في الحقوق والواجبات, للحكومة شيئاً، فأين حطَّت رحال حقوق هؤلاء النسوة؟..
تقول شماط: «لم تلحظ الحكومة في قرارها الوضع السيِّي للنسوة, بل اكتفت بصياغة القانون دون البحث في موجباته, ونسبة المطلقات والأرامل في المجتمع السوري كبيرة, لاسيما في محافظة ريف دمشق والمحافظات الشمالية».
أعترض.. لكن أنا ممثل الحكومة
مصادر عدة، لم تخفِ استياءها من بنود القرار حول شروط دعم المازوت, غير أنَّ تمثيل هذه المصادر لجهات القطاع العام، منعها من الإفصاح عن أنَّ القرار غير منصف في حق المرأة. ولدى سؤال تلك المصادر عن وجهة نظر الحكومة في إصدار مثل هذه الشروط، رفضت حتى البوح عن الأسباب, أو موجبات القرار على اعتبارها من المعارضين له, ولكنها، في نفس الوقت تمثِّل جهات حكومية.
إهانة صريحة
الإعلامي بسام القاضي، مدير مرصد نساء سورية، اعتبر أنَّ تعليمات القرار جملة وتفصيلاً تشكِّل إهانة صريحة ضد النساء السوريات, فهي تؤكِّد- على حدِّ قوله «عدم اعتراف الحكومة بالمرأة، وفي أنها تابعة لرجل ما».
ويضيف القاضي: «بنود القرار تحرم مئات الآلاف من النساء السوريات، ومئات الآلاف من الأطفال، من الدعم، الذي لن يصل على هذه الحالة إلا إلى شديدي الفاقة فقط. فجميع النساء المطلقات منهن والأرامل، ونسبة كبيرة من الأطفال الأيتام ومجهولي النسب، لا يستحقُّون الدعم بموجب هذه التعليمات التنفيذية».
وبالعودة إلى حال هؤلاء النسوة، علينا أن نتساءل: مَن هنّ النساء المطلقات؟ إنهن جميع النساء السوريات اللواتي صادف أن وقعن تحت براثن الزواج المتعدِّد، وصادف حظهن أنهن لم يكن «الزوجة الأخيرة»! فالبطاقة العائلية سوف تبقى مع الزوجة الأخيرة للزوج الذي تزوَّج أكثر من امرأة، فيما «نساؤه» الأخريات سوف يحرمن كلياً من الدعم، لأنهن لا يملكن بطاقة عائلية, وإذا كان مبرّراً أن يتوجَّه الدعم إلى الأسرة، وليس إلى الأشخاص، فإنه يجب إقرار مبدأ حق كلّ امرأة لا تنضوي في أسرة، بأن تحصل على الدعم.
«مالئ الدنيا وشاغـل الناس»
كان المتنبي يصف نفسه بأنه “مالئ الدنيا وشاغـل الناس”، والأمر كذلك بالنسبة إلى مشكلة الدعم, والكثير من التساؤلات عمَن يستحقه؟, وماذا يستحق؟, ومتى يستحق؟, وكم يستحق؟. ويبدو أنَّ صناعة السؤال تحمل من الصعوبة أكثر بكثير مما تحمله الإجابة عنه. وتباينت الآراء حول أحقية الحصول على الدعم بين مسجّل لديه في دفتر العائلة تسعة أشخاص, وبين «عريس» جديد, ومن جهة أخرى ظهر التباين بين من يقطنون في المناطق الباردة, وبين من يقطنون في المناطق المعتدلة. وبحسب الدكتور سعد بساطة، الخبير الاقتصادي، فإنَّ التعليمات التنفيذية لتطبيق قانون ما في الحالة العامة، هي أن يصدر القانون بنصِّ عـام، ومن ثم يطرح موضوع البحث بعـمومياته، وهنا تأتي اللائحة التنفيذية، والاستثناءات والحالات الشاذة، والممارسات الخاصة، ليتمَّ أخذها في الاعـتبار ليكتمل التطبيق. ولا يمكن لأي مشرّع مهما كانت عـبقريته أن يلمّ بكل الحالات ويشملها. ويضيف بساطة البعـض يدعـو إلى أن يكون القانون ثابتاً، وهذا ضد مرونته وشموليته، ويدّعـي بأنَّ التعـديلات تجعـله كالثوب البالي المليء بالرقع، في حين أنّ استيعـاب جميع الحالات يتطلـّب منه أن يتَّسم بنوع من المرونة ليتَّسع لما غـفل عـنه في البداية، تحقيقاً لمبدأ العـدالة في تطبيق القانون ولحظ جميع الفئات دون استثناء.
خارج دائرة الضوء
قرار منح الدعم المشروط، يُشعر المرأة بالغربة عن مجتمعها، ذاك المجتمع المنحاز لصفِّ الرجل، والمُصرّ على وضعها تحت حمايته. بل ويتعامل مع المرأة المسؤولة عن أطفالها- بعد فقدان الزوج إما للوفاة أو للانفصال- وكأنها فتاة صغيرة تأخذ مصروفها الشهري من والدها.
الجمعيات النسائية تقول: «المرأة، لاسيما المطلقة والأرملة، لا تعرف الكثير عن حقوقها، والمجتمع لم يتعاون معها لتصل إلى كامل حقوقها، ولم يتعامل معها كامرأة برجلين، لأنها تؤدِّي دور الأب والأخ لأطفالها، بالإضافة إلى دورها كأم».
الأصوات المرتفعة المطالبة بمنح المرأة مبلغ الدعم غير المشروط، ما هي إلا تذكير للحكومة بأنَّ هناك فئة يجب أن تكون موضع اهتمام زائد، وهي فئة الأرامل والمطلقات، لأنَّ الأرملة أو المطلَّقة تقوم مقام الأم والأب في تحمُّل مسؤولية تأمين أسباب العيش لأسرتها، لذا تستحقُّ الدعم أكثر من باقي الأسر الطبيعية المكوَّنة من أب وأم.
مبلغ الدعم ما هو إلا تكريم وليس «لفتح البيوت» وستر العوائل. ورغم ذلك تصرُّ الحكومة على إخراج المرأة المطلقة والأرملة خارج دائرة الاهتمام والتكريم، بمنحها دعماً مشروطاً بوجود الأب، ومقيّداً بحالات اجتماعية باتت شبه نادرة، إن لم تكن مفقودة.
وإذا كانت ظروف الحياة الصعبة، دفعت بالمرأة إلى النهوض وحيدة بأطفالها، فظروف الحكومة الصعبة، ونيتها الصافية في إيصال الدعم إلى مستحقيه، لا يمكن أن تحرم المرأة حقها في الدعم، ومن تحمُّل تبعات ذلك اجتماعياً واقتصادياً.
الأرامل والمطلقات… «حظاً أوفر»
«من يربح الدعم؟؟»هذه المقولة باتت طرفة متداولة في الشارع السوري, فالجميع يردِّدون: من سيربح المازوت أو الدعم الحكومي, غير أنَّ الشروط التعجيزية منعت الكثيرين من الوصول إلى المرحلة النهائية والتوقف عند حاجز ما, ومن ثم فقدان الدعم. اليوم خسرت فئة الأرامل والمطلقات فرصتها، فقد قالت الحكومة كلمتها: «حظاً أوفر». وغداً ربما سيأتي دور فئة ثانية وثالثة، لا سيما أنَّ تعليمات القرار لم تكن نهائية, وفي كل يوم يسمع المواطن ما لا يسرُّ البال

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *