Pages Menu
Categories Menu
حجاب الصغيرات: لا تجعلوا الطفولة في خبر كان

حجاب الصغيرات: لا تجعلوا الطفولة في خبر كان

حجاب الصغيرات: لا تجعلوا الطفولة في خبر كان

بقلم : ميسلون هادي

 

لا أظن أن أحداً من عظماء الإسلام قد تخيل أن ندافع عن بديهية من بديهيات الحياة السوية.

كتبت ـ ميسلون هادي

بادئ ذي بدء أريد التأكيد على أن ارتضاء الإسلام ديناً لنا أو لغيرنا، هو غاية هذا الموضوع وهو منتهى منتهاه، ولذلك فإن التأكيد على ضرورة منع التشويه والتطرف عن الإسلام وإزالة ما علق به من شوائب صنعها الرجال من بعض الفقهاء هي دعوة نكررها لإحكام العقل والمنطق بالنظر فيما يمكن أن تسببه هذه الشوائب من تشويهات تجعل الإسلام يبدو للآخرين بعيداً كل البعد عن المدنية والمعاصرة بل العدالة أيضاً، مع الأسف الشديد.

لا أظن أن أحداً من عظماء الإسلام قد تخيل أن يأتي حينٌ من الزمان ندافع فيه عن بديهية من بديهيات الحياة السوية، وهي أن الطفولة يجب أن تُصان ولا تصادَر أو يساء إليها. وكما هو معروف فإن هذه المرحلة من حياة الإنسان هي الوحيدة التي يعيشها بلا هموم ولا منغصات حقيقية، بل في ملاعب اللهو وصفاء البال وخلو الحياة من المشاكل والمسؤوليات.

وبالنسبة للمرأة تحديداً فهي المرحلة التي كثيراً ما تسبق دخولها في حروب لا تنتهي مع نفسها والأهل والمجتمع، لتبدأ من مرحلة البلوغ عذابات الطبيعة وآلامها من متاعب الحيض ثم الحمل والولادة فالإرضاع. ولا تنتهي عند سن اليأس حيث أعراض الاكتئاب والضيق وترقّق العظام، ناهيك عن حربها مع المجتمع الذكوري الذي لا يريدها في الأغلب الأعم إلا راضخةً مستكنةً في أغلال عبوديةٍ وراضية بواقع ثانوي، مهما نوضل للارتقاء به فهو يبقى دون واقع الرجل الذي لو كانت يده مطلقة في الأمر لتمنى أن يحبسها داخل بيت مغلق وطبقات من أشكال الملابس الداكنة. وإليكم ما نقرأه على موقع شبكة الفتاوى الشرعية مثلاً عن مواصفات ملابس المرأة، عندما يُسأل فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الحجي الكردي عن جواز الألوان في شروط الحجاب الشرعي، إذ يجيب:

“فالأفضل للمرأة أن تحافظ خارج بيتها، بالنسبة للباس الخارجي، على اللباس الأسود اللون، أو الكامد مطلقاً الذي لا يُلفت الأنظار إليها، بعيداً عن الألوان الفاقعة التي تلفت الأنظار إليها، لأن الحجاب وُضع للمساعدة على غض البصر عنها، لا للفت النظر إليها، وليس هناك لون معين محبذ، ولا لون معين محرّم، سوى ما تقدم، وأما سائر الألوان غير ذلك، فلها لبسها تحت العباءة، ولها اختيار اللون الذي تحبه عند ذلك. والله تعالى أعلم”.

وعندما تسأله إحدى سائلات عن كعب القدم، يقول الدكتور مستشار الموقع:

“قدم المرأة ما دون الكعبين اختلف الفقهاء فيها، فذهب البعض إلى أنها عورة، والبعض إلى أنها ليست بعورة، والبعض قال ظَهْر القدم عورة دون الأسفل منها. والأفضل لبس الجوارب مع اللباس الطويل خروجاً من خلاف الفقهاء. أما ما فوق الكعبين فعورة، يجب سترهما عند جمهور الفقهاء”.

إذن للخروج من خلاف الفقهاء، من الأفضل اللجوء إلى الحل الأكثر ظلاماً وتشدداً، وليس الأكثر انفتاحاً وتسهيلاً. كما من الأفضل للمرأة أن تحافظ، خارج بيتها، على اللباس الخارجي الأسود اللون، أو الكامد مطلقاً بحجة أنه لا يلفت الأنظار إليها، بعيداً عن الألوان (الفاقعة) التي تلفت الأنظار إليها!

وتخيلوا مع مضي التاريخ وتواتر الحقب كم من الحلول التي أفتى بها (الرجال) قد تراكم على مر العصور، وتحول من مظلم فاتح اللون إلى مظلم غامق (وهو مما يسميه محمد أركون بالجهل المؤسَّس)، وما يعبّر عنه قاسم أمين، في كتابه “تحرير المرأة” حين يقول: “تجده دائما يختار من فكرين أقلهما صوابا، ومن طريقين أصعبهما، ومن عملين أضرهما.”، حتى انتهينا إلى اللون الأسود المظلم وإلى هذه الأشكال العجيبة من العمائم وطبقات اللفائف فوق الرؤوس، وأنواع الحجاب المحنك والمنقب والملثم التي يجافي بعضها المنطق ونعمة العقل السليم الذي يفترض بنا القول إن الوضع الاقتصادي في صدر الإسلام لم يكن يسمح للمرأة سوى باقتناء ثوب أو ثوبين، كما لم تكن هناك بدع ما نراه الآن من كثرة الأغطية.

فمن أين جاء بها وتبناها بعض المتشددين في قراءة الدين الإسلامي ليفرضوها على المرأة المسلمة؟

وليت تلك الأثواب حافظت على أشكالها العربية التقليدية الجميلة، ولكنها أصبحت هجيناً من السواتر والحُجُب، وانتهت إلى رؤوس البنات الصغيرات ممن لا وعي لديهن ولا حيلة، واللائي يُربَّيْن منذ الصغر على كبح تلقائية الذات وإخفاء الضحكة والابتسامة والقوة والرأي الجريء، بحجة أن هذه كلها فضائح يجب التستر عليها ووأدها منذ نعومة الأظافر.

ظاهرة حجاب الصغيرات في الوطن العربي تتخلق من جديد اليوم كشكل جديد ومعاصر من أشكال قمع الطفولة والإساءة اليها باسم الدين الإسلامي الذي كان من أوائل ما حققه للمرأة والطفولة أنه نهى عن وأد البنات حين حرم دفن الصغيرات وهن أحياء.

واليوم يأتي من يدفن طفولتهن بالحجاب باسم الدين، والدين من ذلك براء. فإن ثمة آراء كثيرة تقول، إن الحجاب لم يُفرض إلا على المرأة الراشدة عند بلوغها سن المحيض. وجاء في الحديث النبوي {‏يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه}. وهذا الحديث تقوّيه بعض المواقع الإسلامية وتستأنس به مواقع أخرى أو تعتبره ضعيفاً أو تطعن به على إنه مرسل، ونحن نعرف أنّ كل موقع منها يأخذ ما يريد ويترك ما يريد من التأويلات وحسب درجة التشدد أو الإنفتاح.

إن انتقاد هذه المظاهر لا يأتي من اعتدال الدين الإسلامي وسماحته وعنايته بالعدالة ورفع الظلم عن المظلومين فحسب، وإنما من إعمال العقل والحس السليم الذي يقول كيفما تنظر إلى الشيء يكون هذا الشيء، فإذا نظرت إليه ببراءة يكون بريئاً وإذا نظرت إليه بنجاسة يكون نجساً، وإن هذا الهوس العربي المَرَضي بموضوع الجنس هو الذي يريد أن يتعامل أيضا مع الطفولة من وجهة نظر جنسية فتُكبح براءتها تحت العباءة بجريرة رجل غير بريء لا يستطيع السيطرة على شهواته. فبدلاً من نشر الوعي بالقوانين الرادعة ضد التحرش والاعتداء ومعاقبة الرجل المعتدي على توحش أهوائه وغرائزه تتم معاقبة النساء بتفعيل ثقافة العيب التي تُكمِّم أفواه الفتيات والنساء حتى وإن تعرضن إلى أبشع اعتداءات التحرش الجنسي.

ليس هذا فحسب، بل يبدو أن رجل المخدع، الذي يمارس لحظاته الحميمية كيفما يشاء وبحرية تامة، هو نفسُه، في نظر بعض رجال الدين، رجل الشارع الذي يمشي وحشاً كاسراً بين الناس، وليس شخصاً ثانياً يمارس حياته العادية في العمل والكدح وتوفير لقمة العيش، وكأنهم يريدون تعميم صورة رجل المخدع على كل الرجال وفي كل مكان، فيفترضون أنه لا يزال مهووساً بالتحديق والملامسة. وبدلاً من تنويره أو تحجيب عينيه وتشجيعه على غض البصر، يلجأون إلى تحجيب الفتيات الصغيرات حتى وإن كن لا يزلن في سن اللهو والطفولة.

الفتنـة

عن هذا الرجل، الضعيف في حضرة الأنوثة، يقول الباحث إبراهيم أزروال، على موقع البديل الديمقراطي:

“فالإنسان المسلم المتشرّب للقيم والأخلاق الإيمانية، والمتفاني في أداء طقوسه والمتأهب للموت في سبيل رفعة عقيدته، غير قادر على الاستجابة الإسلامية المتعالية، لتحدّي الأنوثة، أي لاستقبال الجسد الأنثوي استقبالاً متعالياً. إن المسلم قادر على المجاهدة الفكرية في أرقى مراقيها وأحوالها، إلا إنه عاجز عن تجاوز احتواء بريق الجسد الأنثوي ونداءاته الشبقية المتأججة. فالمسلم يمكن، مبدئيا، أن يرتقي إلى مراتب العرفان والتقوى والإحسان، إلا إنه يبقى بعيداً عن تفعيل مبادئ التقوى في مواجهة الجسد الأنثوي.

إن بين الأنوثة والقداسة، في المنظور الإسلامي، هوّة أنطولوجية لا تملؤها حتى التشريعات العازلة والحدود القاسية، مثل الرجم. إن الإيمان يجُبّ ما قبله إلا الشهوة، فهي باقية عالقة بالنفس إلى الموت! فالمؤمن قادر على استئصال الأوثان من مخيلته، إلا أنه غير قادر على عصمة نفسه من لهيب الجسد ومن نيران التوله والوجد. فالإيمان فعلٌ جذريّ، إلا إنه محصور الفاعلية في مضمار الرغبة والغواية. الغواية قابعة في قعر النفس، لا تجدي الحياة الطقوسية في محوها، مهما كان المتعبد منصرفاً عن الدنيا وعن متعها”.

وهذا هو إلى حد بعيد ما أكده الإمام محمد عبدة (1849 ـ 1905) قبل عشرات السنين، عندما تساءل:

“عجباً! لم يؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم عن النساء إذا خافوا الفتنة عليهن. هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة، واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه. واعتبرت المرأة أقوى منه في ذلك حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء مهما كان لهم من الحسن والجمال؟!

كما قال:

“لكننا لا نجد في الشريعة نصاً يوجِب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين، والدين منها براء”.

ليس هذا فحسب، ولكننا ندفن رؤوسنا بالرمال عند القول بتكفين المرأة بالسواد ومنعها من الزينة والتزين، ونحن نعلم أن هذا يتعارض مع طبيعتها العاشقة للجمال والتجمل، فهي التي اكتشفت الكحل والحنة وأحمر الشفاه، وهي التي تُضفي الجمال على أي مكان توجد فيه. فإنك إذا دخلتَ غرفة ليس فيها سوى رجال ستجدها مظلمةً حتى لو كان الوقت نهاراً. فمع احترامي للرجال، إن هذه هي طبيعة الأمور. ولنتأمل ما تقوله مصممة الأزياء العراقية هناء صادق، المختصة تحديداً بجماليات الزي العربي، في لقاء أجرته معها جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 21/8 من هذا العام:

“المرأة مثل الطبيعة، تتغير مع الفصول، ودورة الشمس، وانقلاب الليل والنهار. فهي كالأزهار تغير اللون، وتحاول أن لا تركن إلى الثابت، وهذا سمة الإبداع الذي اتصفت به المرأة منذ بزوغ التاريخ، وكانت تسعى إلى أن تكون خلاّقة في القصة والموديل والتزويق والزركشة بالإفادة من الطبيعة ذاتها. ومن هنا بدأ الفن الذي يبعث الحركة والحياة. ولأن المرأة تمتلك إحساساً مرهفاً فهي، فضلاً عن استعارتها لمؤثثات الثوب من الطبيعة، فإنها تحاول مواءمة الزي مع الفراغ المحيط والكتلة والمناسبة والطقوس والمواسم التي تبعث الفرح في النفس الإنسانية، وهي توظف الزي شارةً لقول ما يختلج في وجدانها من فرح أو حزن، أو حب”.

ملك الغابة

أما ابن رشد، فيعلن عن أن النساء والرجال نوع واحد وأنّ لا فرقَ بين الرجل والمرأة في الغاية الإنسانية. والفرق الوحيد الذي يراه هو في احتمال الكد الجسدي الذي يَقدر الرجل عليه أكثر من المرأة، فيما أن النساء أكثر حذقاً في أعمال أخرى، كفن الموسيقى. وبما أنه لا فرق بين المرأة والرجل في الطبع الإنساني، وجب على النساء أن ينلن التربية نفسها التي يحظى بها الرجال وأن يشاركنهم سائر الأعمال، حتى الحرب والرئاسة. ويقول:

“تختلف النساء عن الرجال في الدرجة لا في الطبع. وهن أهل لفعل جميع ما يفعل الرجال من حرب وفلسفة ونحوهما، ولكن على درجة دون درجتهم، ويفقنهم في بعض الأحيان كما في الموسيقى، وذلك مع أن كمال هذه الصناعة هو التلحين من رجل والغناء من امرأة. ويدل مثال بعض الدول في إفريقيا على استعدادهن الشديد للحرب. وليس من الممتنع وصولهن إلى الحكم في الجمهورية [الإشارة إلى جمهورية أفلاطون] أوَلا يرى أن إناث الكلاب تحرس القطيع كما تحرسه الذكور؟”

ولو كان ابن رشد حياً يومنا هذا وشهد ما استجد من الاكتشافات في سلوك الحيوان التي رصدها العلم بدقة، لاكتشف أن مجتمع الحيوان برمته حريمي. فأنثى الفيل هي أحكم ما في القبيلة وهي التي تقودها إلى منابع الكلأ والماء، ومستعمرات النمل والنحل تقودها الإناث من الملكات ولن يبلغها الذكر إلا بقطع الأنفاس فيموت، وإن اللبوة هي التي تصيد وتقنص بينما الأسد (ملك الغابة) مستلقٍ لا يُسمع منه سوى الزئير.

نعم، لقد ربط ابن رشد بين رقي المجتمعات وتحسين الوضع الاجتماعي للمرأة فيها، وقبله أقرّ الفارابي المساواة بين المرأة والرجل في امتلاك العقل والحس والخيال، وهو قد حصر الاختلاف بينهما في الأعضاء الجنسية المتصلة بالذكورة والأنوثة، مخالفاً بذلك آراءً معروفة لأرسطو، تنتقص من قيمة المرأة باعتبارها لا تصلح للسياسة والرئاسة، ويرى أن العقل لديها عديم الفاعلية معرفياً، كما أنها أخلاقياً أقلّ شأناً من حيث العفة والشجاعة.

أما ابن عربي، في كتابه “فصوص الحكم”، فيستفيض في شرح الحديث النبوي الشريف {حُبّبت إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجُعلت قرّة عيني الصلاة}، مبيّنا أنّ حنين نبيّ الإسلام إلى النساء هو حنين إلى نفسه، وحبّه لهنّ حبّ لذاته. وكانت المرأة أيامَه، صلى الله عليه وسلم، تأتي إليه وهو جالس مع أصحابه، فتقول له زوّجني، أو تشكو له زوجها، أو تستشيره في أدق تفاصيل الحياة.

ومقابل هذا كله ثمة مواقف أخرى متشنجة بحق المرأة نجدها غريبة على الإسلام، هذا الدين الثائر الذي جاء ليمنح المرأة حقوقاً ما كانت لتخطر على بال الرجال، وليقول إن النساء شقائق الرجال، كونهما خُلقا من نفس واحدة، وإن للمرأة الأهلية للإرث والتملك والتصرف بأملاكها والتعليم واتخاذ القرار في شؤون حياتها من زواج وطلاق، بل إن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

وكانت نساء النبي من أمهات المؤمنين يشاركن في جميع مجالات الحياة ويتحدثن في أدقّ خصوصيات الحياة ويشرحن تفاصيلها. لكن من الرجال من ظلوا ولا يزالون يقاومون هذا الوضع الجديد ويمارسون قمعهم لهذا الكائن الرقيق ويغالون باعتباره فضيحة وعورة يجب التستر عليها وإخفاؤها عن الناس بأغرب الوسائل وأكثرها قسوة، كالبرقع أو النقاب الذي وصل إلى وجوه النساء حتى من الحجيج، في التفاف واضح على الدين والسُّنة النبوية الشريفة وعلى الملابس المخصصة للإحرام أثناء أداء مراسم الحج. ومعروف أن ضمن ما يُقصد من الحج أنْ يقف المسلم عارياً بين يدي ربه كما لو كان يوم القيامة، وما أجمله من معنى روحي لهذا الطقس الذي لا وجود له في كل الديانات الأخرى.

إن كل طقوس الإسلام مهيبة وباهرة وتثير الإعجاب، ولو تُرك الدين الإسلامي بلا شوائب لانتشر انتشار النار في الهشيم في الغرب المادي الذي يعاني من أزمة روحية طاحنة. ولكن هذه المظاهر المسيئة للإسلام، كحجاب الصغيرات والبرقع أو النقاب، تشوه هذا الدين وتُنزله، في أعين الآخرين، من مكانه الرفيع إلى مستوى هذه التفاصيل الغريبة.

وهنا أيضاً تتكرر الملاحظة حول بعض رجال الفتاوى، من الذين تطفو رجولتهم على السطح فيفتون بأنه لا ضير من حجاب الصغيرات أو ارتداء البرقع ويشجعون النساء على ارتدائه، حتى أصبح هذا التشدد بمرور الأيام ديناً، وليس فولكلوراً، في تبريرات لا تقنع ولا تنتهي، ولا يهمهم لو كان فيها تطاول على صورة الإسلام والمسلمين التي يجب أن ينقّيها المُفتون من الشوائب لا أن يسمحوا لتعصبهم الشخصي بتشويهها تحت شعار الدين والتقوى ودرء الفتنة التي نعرف أنها لا يمكن أن تكون لها حدود.

عقدة الرجل المقتضب

وحسب حصيلة دراسية ضخمة قام بها معهد جالوب بين عامي 2001 و2007 وتضمنت عشرات الآلاف من المقابلات في أكثر من 35 دولة أغلبها من المسلمين ونشرت في كتاب صدر حديثا بعنوان “كيف يفكر حقا مليار مسلم” نقرأ “وإذا كان الغربيون ما زالوا يعتبرون النقاب رمزاً لحالة النساء الدنيا في العالم الإسلامي، فإن المسلمين يرون أن تخلي النساء الغربيات عن الحشمة يشير إلى انحطاط مكانتهن الثقافية في الغرب. الافتراض في كلتا الحالتين أن النساء يغطين أو يكشفن عن أنفسهن لإرضاء الرجال وإطاعتهم. وتدل استفتاءات أخرى في الشرق الأوسط وآسيا على أن أغلبية المسلمين في مصر والأردن وباكستان لا يعتقدون أن النساء في المجتمعات الغربية محترمات”.

ولعل هذا هو خير ما يمكن الخلوص إليه من هذا الموضوع. (الافتراض في كلتا الحالتين أن النساء يغطين أو يكشفن عن أنفسهم لإرضاء الرجال وإطاعتهم). فالمبالغة في كشف الجسد والمبالغة في تحجيبه هما وجهان لعقدة واحدة أسميها (عقدة الرجل المقتضب). وفي الحالين، فإن الرجل المحّدق والمرأة موضوع التحديق طرفان في هذه المشكلة، وإحكام المنطق السليم يقول إن حجاب العقل هو الذي يحول الرجال من وحوش كاسرة، إن كانوا كذلك، إلى بشر، وإن ثقافة المرأة هي التي تحولها من حرمة إلى إنسانة محترمة في المجتمع.

لقد تصادفت كتابتي لهذا الموضوع مع تصريحات شيخ الأزهر الأخيرة بحظر دخول المنقبات إلى المعاهد الأزهرية في مصر. فهو كان قد انتقد إحدى الطالبات التي كانت ترتديه، ثم قرر منع النقاب في صفوف المعاهد الأزهرية. ولكن قراره ذلك أثار ضجة كبيرة في الشارع المصري وبين صفوف الإخوان المسلمين، الأمر الذي جعل المجلس الأعلى للأزهر يثنيه عن قراره، واقتصر القرار على منع الطالبات والمدرّسات من ارتداء النقاب داخل الفصول الدراسية الخاصة بالفتيات والتي تقوم بالتدريس فيها المدرسات من النساء فقط، سواء أكان ذلك في المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية.

وهنا أود التوقف عند ما أكده المجلس الأعلى للأزهر من أنه ليس ضد استعمال المرأة للنقاب في حياتها الشخصية التي تتعلق بسلوكها في الشارع وفي عملها وفي بيعها وشرائها. ولكنه “ضد استعمال هذا الحق في غير موضعه، لما يترتب عليه من غرس ذلك في عقول الصغار من الفتيات واتّباع رأي الأقلية المخالف لرأي جمهور الفقهاء الذي يقول إن وجه المرأة ليس بعورة”.

سأتوقف عند عبارة (عقول الصغار) في بيان المجلس الأعلى للأزهر، والذي تلاه الدكتور الطنطاوي شيخ الأزهر في مؤتمره الصحفي. (عقول الصغار) هي بيت القصيد من هذه المقالة، وهي هدفها الأول والأخير، فأين هم من (عقول الصغار) من طالبات المدارس الصغيرات اللواتي يحجبن باسم الدين والدين من ذلك براء؟ وكيف ننجو بهذه العقول من التعقد والتشاؤم والغلو إذا كنا نضعها في هذا القيد وهي مازالت في سن اللعب والمرح والانطلاق؟

ولا نحب هنا استعمال كلمة (منع) لوقف هذه الظاهرة، ولكننا نسأل وزارات التربية في الوطن العربي أجمعه: هل أجريتم البحوث والدراسات لتلمُّس أثر ما يمكن أن تؤدي إليه ظاهرة حجاب الصغيرات من عقد تربوية وأمراض نفسية قد تحول بينهن وبين الحياة السوية في المجتمع؟ وكيف يستقيم الأمر أن تكون تلك الوزارات ضالعة في تشويه وعي طفلة لم تبلغ سن الرشد بعد، فتربّيها على أن تكون عنصراً ثانوياً خانعاً شائها خائفاً ملغيَّ العقل، وهي تعلم أنه سيبقى خائفاً ملغيَّ العقل طوال حياته ما دام يُدرَّب ويُلقَّن على إلغائه منذ الصغر.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *