Pages Menu
Categories Menu
مـــــا بين التســـول والتشــــــرد أطفال يتاجَر بأجسادهم ومستقبلهم ولا بديل

مـــــا بين التســـول والتشــــــرد أطفال يتاجَر بأجسادهم ومستقبلهم ولا بديل

بقلم : رهادة عبدوش

 

عندما عرض الإعلامي اللبناني طوني خليفة في برنامجه (للنشر) أسرة مؤلفة من أبوين وثلاث طفلات ورضيع يعيشون مشردين أمام أكوام القمامة، قامت الدنيا ولم تقعد. فكيف يمكن إنقاذ مثل هذه الأسرة التي يأبى ذلك الأب أن يغيّر طريقة حياتهم، أو يدعهم عند إحدى الأسر أو الجمعيات الخاصة..في ظل قانون يفتقر لنظام الرعاية البديلة في حال وجود أب وأم؟ إلى أن استطاع القضاء أن يتدخل لإنقاذ هؤلاء الأطفال.
وهنا نعود إلى سورية والى قصص أطفال يعيشون حياة مشابهة لهؤلاء المشردين في الشوارع بحالات متنوعة، منهم من هرب من بيت أهله، ومنهم من تركه والداه، ومنهم من باعه أبوه لعصابة تسترزق من أطفال الشوارع من تسول وبائعين في الطرقات..ومنهم الأطفال المعوقون الذين تزداد تسعيرتهم في عمليات التسول الرابحة.

ودور الأحداث أو مراكز التأهيل تحفل بهذه القصص، من أطفال يسترزق أهلهم من تشردهم وتسولهم وعملهم بالدعارة! يتم إيداعهم ريثما تنتهي فترة الحبس ليستلمهم الأهل. وهنا لا يمكن للإدارة أن تتدخل في ظل قانون لم يسن بعد نظام الرعاية البديلة.
فهذا محمد الذي لا يتجاوز السابعة ولم يجد مطرحاً ثابتاً كباقي الأطفال، فكان متعدد الأمكنة عند تمثال صلاح الدين أو عند قصر العدل، وجهان لمن يتمنى أن ينصفاه بعيداً عن المدرسة والبيت وحضن أمه. يجلس أمام علبة تحوي السمسمية وجوز الهند يبيع أو يتسول لا فرق فهو متشرد في الشارع. وعندما سألته عن عمله في الشارع قال منذ الصباح أذهب مع إخوتي ويجلس كل من منا في مكان، وأبي يراقبنا من بعيد والناس يعطوني المال، ومنهم من يجيبني ويريد مساعدتي لكنني أريد أن أجمع المال إذ سنموت من الجوع إذا لم أحصل عليه.
أما صلاح فقد تعرض أكثر من مرة للضرب من الأولاد في الشارع، وأيضاً للابتزاز. وهو يبكي كلما سأله أحد عن سبب جلوسه في الشارع يقول دائماً يضربني الأولاد ويأخذون مني العلكة التي أبيعها، وإني أخاف أيضاً من بعض الناس الذين يطلبون مني أن أذهب معهم إلى بيتهم، وبعضهم يعطيني مالاً كثيراً لأجل ذلك.
ومنذ فترة ذكرت الصحف أن طفلاً كان يمارس اللواطة مع شاب خلف قطعة كرتونية كبيرة، وهو واحد من أطفال يُستغَلون جنسياً واقتصادياً وتنتهك حقوقهم كل يوم، ولا أحد يأخذ موقفاً جدياً وصارماً بهذا الخصوص.
وتقول سناء كم أتمنى أن أعيش في بيت مع إخوتي، لكن أبي كان دائماً يطردنا كي نعود بآخر الليل أو بعد عدة أيام ببعض المال من الشارع. فمنهم من يعطينا مقابل أن يزينوا أنفسهم على الميزان الذي أحمله، ومنهم من يرمي لنا بالمال، ومنهم من يفعل حركات مقرفة. وعندما نُحتجز في دار الأحداث يأتي والدي ليستلمني. كم أتمنى لو أبقى في داخلها على الأقل أتعلم وألعب وأجلس في مكان لا أشعر فيه بالخطر، لكن دوماً يأتي والدي ويستلمني.
إنها حالة من الحالات الكثيرة التي يتم تحويلها إلى دور الأحداث والتي هي رغم بعض السلبيات أفضل وأكثر أمناً من ذلك البيت البارد الخالي من الحب والحنان والاهتمام. وبرأيي أن على الدولة أن تسن قوانين ناظمة للأسرة البديلة. علماً أنّ  الدستور والقانون والاتفاقيات الدولية كاتفاقية حقوق الطفل حمت ذلك الطفل. فقد  نص الدستور السوري في المادة 37 على إلزامية التعليم ومجانيته، وصادقت سورية على اتفاقية حقوق الطفل منذ أوائل التسعينيات وبدأت تنفذها بالفعل. وصدر عن الهيئة السورية لشؤون الأسرة الخطة الوطنية لحماية الأطفال من العنف وقد طالبت فيها  بفعاليات كثيرة منها
الفعالية رقم  8 تأسيس مأوى لحماية الطفل تهدف إلى  تأسيس مركز للأطفال الضحايا الذين لا يمكنهم العودة للمجتمع من دون الخضوع لتأهيل جسدي وعقلي وإعادة تقييم البيئة التي يعيشون فيها.
والفعالية رقم10 وضع خط هاتف لمساعدة الطفل تهدف إلى تأسيس نظام لتلقي شكاوى الأطفال وأسئلتهم، وإحالتهم إلى المؤسسة المسؤولة. (مثال الطوارئ، الشرطة، خبراء آخرون).
الفعالية 11 وضع تشريع سوري شامل لحماية الطفل بهدف وضع تشريع شامل لحماية الطفل في سورية.
أما اتفاقية حقوق الطفل فقد أمنت للطفل الرعاية الصحية والجسدية والنفسية وحقوقاً كثيرة منها اللعب والتعليم وتأمين مصالحه الفضلى وتأمين عائلة له في حال أن عائلته غير مؤهلة لذلك، فتقول المادة 20
1. للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية أو الذي لا يسمح له، حفاظاً على مصالحه الفضلى، بالبقاء في تلك البيئة، الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة.
2. تضمن الدول الأطراف، وفقاً لقوانينها الوطنية، رعاية بديلة لمثل هذا الطفل.
3. يمكن أن تشمل هذه الرعاية، في جملة أمور، الحضانة، أو الكفالة الواردة في القانون الإسلامي، أو التبني، أو عند الضرورة الإقامة في مؤسسات مناسبة لرعاية الأطفال. وعند النظر في الحلول، ينبغي إيلاء الاعتبار الواجب لاستصواب الاستمرارية في تربية الطفل ولخلفية الطفل الإثنية والدينية والثقافية واللغوية.
ورغم هذا نجد أن هنالك المئات في الأطفال في الشوارع ولا نظام حماية لهم، حتى إن الجمعيات الخيرية والتنموية لا تستطيع أن تحتفظ بهم في ظل قانون يعطي الحق الأول لرعاية الأب أو الولي، مهما كانت الظروف، أي في ظل قانون يفتقر لنظام الرعاية البديلة رغم أنه يعترف بها.
وتقول المادة 9 من الاتفاقية
1. تضمن الدول الأطراف عدم فصل الطفل عن والديه على كره منهما، إلا عندما تقرر السلطات المختصة، رهناً بإجراء إعادة نظر قضائية، وفقاً للقوانين والإجراءات المعمول بها، أن هذا الفصل ضروري لصون مصالح الطفل الفضلى. وقد يلزم مثل هذا القرار في حالة معينة مثل حالة إساءة الوالدين معاملة الطفل أو إهمالهما له، أو عندما يعيش الوالدان منفصلين، ويتعين اتخاذ قرار بشأن محل إقامة الطفل.
2. في أية دعاوى تقام عملاً بالفقرة 1 من هذه المادة، تتاح لجميع الأطراف المعنية الفرصة للاشتراك في الدعوى والإفصاح عن وجهات نظرها.
3. تحترم الدول الأطراف حق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة بكلا والديه، إلا إذا تعارض ذلك مع مصالح الطفل الفضلى.
4. في الحالات التي ينشأ فيها هذا الفصل عن أي إجراء اتخذته دولة من الدول الأطراف، مثل تعريض أحد الوالدين أو كليهما أو الطفل للاحتجاز أو الحبس أو النفي أو الترحيل أو الوفاة (وبضمن ذلك الوفاة التي تحدث لأي سبب أثناء احتجاز الدولة الشخص)، تقدم تلك الدولة الطرف عند الطلب، للوالدين أو الطفل، أو عند الاقتضاء، لعضو آخر من الأسرة، المعلومات الأساسية الخاصة بمحل وجود عضو الأسرة الغائب (أو أعضاء الأسرة الغائبين) إلا إذا كان تقديم هذه المعلومات ليس لصالح الطفل. وتضمن الدول الأطراف كذلك أن لا تترتب على تقديم مثل هذا الطلب، في حد ذاته، أي نتائج ضارة للشخص المعني (أو الأشخاص المعنيين).
إذاً من المفروض أن تلتزم الدولة بإيجاد صيغ لتنفيذ الاتفاقية التي هي أولاً لمصلحة ذلك الطفل. وقد قدم المجلس العربي للطفولة والتنمية عام2005 مشروعاً للحكومة السورية وتمويلاً لحماية أطفال الشوارع، إلا أن عدم اعتراف وزارة الشؤون الاجتماعية  بوجود هذه الظاهرة في سورية حرم هؤلاء الأطفال من هذه المنحة، وبالتالي لم توضع أية خطة لحمايتهم. وقد شهدت شوارع سورية وتشهد مئات الأطفال  ضمن سن التعليم الأساسي وهم يتسولون (فتيات وفتياناً). 
إذاً السبب الرئيس هو عدم الاعتراف الرسمي بهذه الظاهرة، برغم تزايد الأطفال الذين يعملون في الشارع. وهذا العمل هو تشرد، لأنه ليس في مكان محدد أو منشأة معينة بل هو في الشارع بزحمة السير وفي الليل والنهار والبرد القارس والحر الشديد. وهذا يؤدي إلى أمراض مزمنة يتعرض لها الطفل، ما عدا الخوف من أن يتعرض الأطفال إلى الاستغلال بكل ما في هذه الكلمة من معنى قد تصل إلى حد بيع أعضائهم وخطفهم وامتهان الدعارة.
المشكلة أيضاً ماثلة في قانون الطفل الذي لم تنته بعد الإجراءات التي تخرجه من الأدراج رغم المبالغ الهائلة التي رصدت له. فالقانون الحالي يمنع إيواء الأطفال الذين لديهم أهل في دور للأسر البديلة، ما يحرم الكثير من الأطفال في الشارع من حمايتهم من التشرد، لأنه يوجد لديهم أب أو أم. وهنا يجب التحرك بسرعة لحمايتهم من أسرهم التي تستغلهم أو لا تستطيع الاهتمام بهم ورعايتهم وتأهيل دور الأحداث لتتحول إلى مراكز تأهيل، وافتتاح مأوى للأطفال المشردين أو أطفال الشوارع كما الكثير من بلدان العالم.
إن نسبة الأطفال في سورية دون الخامسة عشرة يصل إلى 40% وقد تصل النسبة إلى 50% عام 2020. وجاء في بعض الدراسات أن عدد الأطفال العاملين في سورية من عمر (10-17) سنة يشكلون 621 ألف طفل. وهذا العدد مرشّح للتضاعف بسبب تردي الأوضاع المعيشية للأسرة السورية، وغياب معاهد الإصلاح والحماية للأطفال والجمعيات المساندة للطفل. وما هذا التسول والتشرد وبيع الأطفال واستغلالهم بالدعارة من قبل الأهل أو إهمالهم إلا صورة لتجارة الأطفال التي عملت سورية على محاربتها.
القصة طويلة لم تنتهِ بعد إنها سلسلة من حكايات أطفال ومجتمع ينحدر نحو الهاوية بإهمال أطفاله.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *