Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
“دي برس” ترصد عمالة الأطفال في أربع محافطات سورية… والعائلية أكثرها انتشاراً

“دي برس” ترصد عمالة الأطفال في أربع محافطات سورية… والعائلية أكثرها انتشاراً

بقلم : جابر بكر

 

“ربما تكون روح أخي قريبة ولكني لا أستطيع اللعب معه أو رؤيته.. أخي زياد هو الأكبر.. توفي منذ زمن ولا أذكره جيداً” هذا ما يذكره إياد عن أخيه الذي توفي بحسب روايته أثناء العمل في أحد الأيام “خرج من حاوية النفايات قافزاً عندما فاجأته سيارة عابرة صدمته وتوفي على أثرها” والكلام لأياد بحسب ما يتذكر. 
والدة إياد تروي حادثة مختلفة عن وفاة ابنها البكر فزياد توفي وعمره أربع سنوات، “مات أثناء نزولنا من “سيرفيس” القطيفة يوم عودتنا من دير الزور في الصباح الباكر لأحد الأيام حيث نام على الأرض ورأسه تحت دولاب “السيرفيس” ولحظة سار الأخير مر فوق رأسه وتوفي فوراً” حملته والدته إلى الأب الذي لم يكن معهم في رحلة العودة إلى القطيفة حيث يقطنون ولا في رحلة الذهاب، بحسب رواية الأم التي تذكر ما سبق وكأنه أمر طبيعي. 
جدل حول بيع أطفال مصريين بالخارج وتورط مؤسسة أميركية 
تحت مسمى “عمالة”.. حوادث اغتصاب الأطفال تتكرر في معامل حلب 
أطفال حلب الفقراء خارج المدرسة.. للعمل ! 
سوريا: عمالة الأطفال تتفاقم بين العراقيين بسبب الفقر 
 ليس من الغريب على أبو إياد أن يكون قابعاً في منزله فهو لا يعمل ويفضل الجلوس لتناول الشاي طيلة النهار بحسب رواية أبنائه إياد وقتيبة الذين يعملا بجمع المواد البلاستيكية من حاويات القمامة وأكياسها المنتشرة على أرصفة مدينة القطيفة، هما طفلان عمر الأكبر بينهم أي إياد 13 سنة أو أكثر فلا هم ولا أمهم تعرف أعمارهم بشكل دقيق، وهذا حال باقي الأبناء فختام الفتاة الأكبر بين الأبناء الإناث تدرس الصف الخامس ولكنها يجب أن تكون صف سادس أو سابع بحسب ما تعتقد الأم ولكن الأخيرة تأخرت بتسجيلها كما روت. 
اولاد هذه العائلة اللذين يعطون الغلة لابيهم يعيشون بحسب شهود عيان يدخلون منزلهم بشكل يومي حياة قاسية ، أحد جيرانهم روى لـ “دي برس” تفاصيل يومياتهم ” يأكلون بقايا الطعام ويتقاسمون “بطانية قديمة” تفرش على الأرض والجميع ينام عليها من إياد وصولاً إلى الفتاة الصغيرة “شهد”. 
سيناريو متشابه 
قصة إياد وقتيبة واحدة من قصص عمالة الأطفال التي تطول حكاياتها وتتشابه في ظروفها وقسوتها، فغالبيتهم يعملون هنا في شوارع العاصمة دمشق وكذلك الحال في حلب وحمص، مع بعض التعديل في نوعية العمل فهناك تجد باعة الدخان وورق اليانصيب وبسطات البويا، لذا تدخل شرطة المحافظة ودورياتها ضمن العوامل المؤثرة في حياتهم، فالدوريات تنفذ قانون يمنع إشغال الطريق. 
جميع ما سبق من أساليب عمل وظروف وأطراف لاعبة من أهل وشرطة ووسط اجتماعي تلعب دوراً مهما في ثقافة الطفل العامل ونفسيته وهنا ترى الأخصائية النفسية الدكتورة رندا رزق الله: ” تؤثر العمالة على نفسية الطفل كحالات العدوانية للمجتمع والإنغماس في مجتمع الكبار بما يتضمن من ضغوطات وصعوبات اجتماعية ونفسية ومادية تضع الطفل في قلق نفسي غير مهيأ له مسبقاً ويضاف إلى القلق الذي يرافق مراحل النمو التي يمر بها الطفل كمرحلة المراهقة أو مرحلة ما قبل البلوغ “الكمون”. 
الظروف النفسية تلك والمواجهات المبكرة مع الكبار في عالم لا يحكمه الكثير من الأخلاق جزء مما توصل إليه استطلاع لدي برس حول عمالة الأطفال شمل المحافظات الثلاث دمشق وحمص وحلب، ومن بين النتائج المبدئية الموصفة لواقع عمالة الأطفال في البلاد “أنه يشترك بمجموعة قواسم أساسية، مع الإبقاء على اختلافات طفيفة تتعلق بالحالات الفردية، ولكن أهم قاسم مشترك يتمثل بأشكال العمالة في سائر المحافظات وهي ثلاثة أشكال، الأول عبارة عن عصابات عمالة تتألف من معلم وأطفال يعملون تحت إمرته وتربطهم ببعض المصلحة المادية فقط، والشكل الثاني فردي، والثالث عائلي يرتبط أفراده بالمصلحة وصلة القرابة”. 
عصابات 
الشكل الأول من العمالة المتمثل بالعصابة أو الشلة أكثر الأشكال صعوبة من حيث الاختراق لكنه واقع ملموس باعتراف الأطفال العاملين الذين سردوا قصصهم، فمثلاً (عمر) طفل عمره 15 عاماً كان يعمل بائع بسطة تبغ على الرصيف المجاور لوكالة الأنباء السورية، براتب يومي حوالي ثلاثمائة ليرة سورية يعطيهم لقريبه الذي يقطن معه في دمشق ويستردهم في نهاية الشهر ليأخذهم إلى أسرته المكونة من ستة أولاد وأب وأم وهم قاطنون جميعاً في قرية في إحدى المحافظات البعيدة، وبالطبع يعمل عمر بحسب كلامه لدى شخص لم يسمه إلا بالمعلم: (يأتي في بداية اليوم يعطيني علب التبغ المراد بيعها ويأتي في نهاية اليوم ليأخذ «الغلة» التي تتراوح بين أربعة ألاف وستة ألاف ليرة سورية). 
عمر ليس الطفل الوحيد على رصيف وكالة الأنباء السورية، فتلك المنطقة جد مكتظة بعمالة الأطفال، فبالقرب منه يعلو صوت (محمد) الطفل الصغير، البسيط، شديد الفقر، منادياً كبائع (للمعروك) عمره 12 عاماً يعمل لدى ذات المعلم مع صديقه بائع الدخان، ولكنه بالأصل من سكان محافظة إدلب ولديه ثلاثة إخوة وأم وأب يعيشون جميعاً في حي تشرين بدمشق، ويروي بائع المعروك قصته: (أنا أعمل على هذه البسطة منذ ثلاث سنوات تقريباً، وأخي الأصغر يعمل في منشرة قص حجر وأبي يعمل أيضاً، وكل ما نحصل عليه من عملنا بالكاد يكفينا لدفع أجرة منزلنا وثمن طعامنا) يتقاضى محمد 200 ليرة سورية يومياً يعطيها لوالده، ورغم متاعب عمله ومصادرة المحافظة لعربته وقلة أجرته إلا أنه يقول وعلى طريقة الرجال الكبار: (سأبقى أعمل بهذه المهنة حتى يفرجها الله). 
حالة “محمد” بائع المعروك تدخل ضمن مفهوم نفسي بحسب الدكتورة رزق الله وهو “تحمل مسؤوليات الأسرة والاستقلالية المبكرة التي تقحم الطفل في المشاركة أو السيطرة على مكانة الأب في الأسرة مما يجعله يمتلك صلاحيات تفوق صلاحياته كطفل وكابن في هذه العائلة وفي أغلب الأحيان يستخدم هذه السلطة للتحكم بباقي أفراد الأسرة بشكل نرجسي عدواني وعنيف فيحق له كل ما لا يحق للأخرين من محرمات وممنوعات”، وهذا ينطبق على طرق تصرف الكثير من الأطفال العاملين في جميع المحافظات فهم يدخنون السجائر ويتحدثون بطرق تختلف عن أقرانهم من ذات العمر فطريقتهم بالتعاطي مع الآخرين أقرب لطرق الكبار منها للأطفال. 
وهنا يدخلنا علم النفس بالأثر المترتب على حياة الطفل النفسية من حيث معاشرته لمن هم أكبر سناً ما يدفعهم بحسب الدكتورة رزق الله “إلى تكوين مفاهيم مستقاة من المحيط الاجتماعي الذي يعمل به والذي في أغلب الأحيان تنقصه الثقافة والحكمة والأفكار المنطقية والأخلاقية فيُكون الطفل مفاهيم عن الزواج والأسرة والعلاقات الجنسية تنأى به عن الصحة والسواء وقد تدفعه إلى الشذوذ ناهيك عن تكوين عادات غذائية وصحية سيئة كالتدخين ونقص النظافة وسوء التغذية فالطرق غالباً تكون غير مثالية لحياة ونمو طفل أو مراهق ينقصها العناية والرعاية من كبار يتمتعون بوعي كاف وإشراف صحي ونفسي واجتماعي وتقديم القدوة التي يبحث عنها الطفل والمراهق والتي تكون مرجعيته التي سيبني استناداً إليها منظومته المنطقية والنفسية. 
حال الطفلين (محمد) و(عمر) تشبه حال عدد كبير من المجموعات العاملة بهذه الطريقة أي ضمن شبكة تخضع لتاجر صغير إن صحت تسميته بذلك، ولكن هناك أيضاً حالات عمالة أطفال فردية في بيع ورق اليانصيب، وحالات عمالة مهنية تنتشر في حزام الفقر المحيط بالمدينة، فـ(علي) عمره ثلاثة عشر عاماً، ترك المدرسة تلبية لرغبة والده وتعلم مهنة ميكانيك السيارات وهما من قاطني منطقة التضامن، أما (وسيم) فعمره خمسة عشر عاماً، بدأ العمل في سن مبكرة بمهنة الحدادة، و(عباس) ابن التسع سنوات ترك المدرسة في الصف الثاني، وبدأ يلحق بالمارة حاملاً صندوقه مسرعاً لملاقاة أي شخص يدخل الحديقة وسط حمص ليمسح له حذاءه بخمس ليرات، وليس (عباس) و(مازن) شريكه في المهنة الوحيدين المنتشرين في حدائق حمص المدينة وبالقرب من مقاهيها يتوسلون المارة ورواد المقاهي كي يمسحوا لهم أحذيتهم، وجميعهم إما قد تركوا المدرسة أو يأتون إلى العمل بعد نهاية الدوام. 
فقر أسود 
الدافع الوحيد لكل من مازن وعباس وعمر وغيرهم من الأطفال العاملين هو الفقر الذي أبقاهم بلا ثياب تقيهم برد الشتاء أو مطره ودفعهم إلى سوق العمل حيث يقظون ساعات طويلة أقصرها من الساعة الثانية بعد الظهر حتى التاسعة مساء في العمل، وبعضهم من الصباح، فتصل ساعات عملهم أحياناً كثيرة لحوالي الـ12 ساعة وبمبلغ زهيد لا يتجاوز المائة والخمسين ليرة سورية في بعض الحالات، (فمازن) عمره 12 عاماً يعمل في البويا منذ حوالي العامين يسكن في وادي الذهب وهي منطقة في ضواحي مدينة حمص، ينتمي لعائلة فقيرة مؤلفة من سبعة صبية وفتاة واحدة وأم وأب ولا أحد من إخوته يعمل فكلهم أصغر منه، ولديه أخت تكبره ولكنها (مجنونة) على حد قوله، ويشرح مازن حكايته: (أعمل من حوالي الساعة التاسعة لحوالي الساعة السابعة مساء وبالعادة تأتي الشرطة وتأخذنا لتضعنا في السجن يوماً واحداً ومن ثم تتركنا، أحصل من عملي على حوالي مائة وخمسين ليرة في اليوم وهدفي إعالة أهلي). 
أما في حلب فتكثر عمالة الأطفال العائلية ومنها قصة الأخوين اللذين فقدا والدهما ويعملان تحت سلطة عمهما ببيع الفاكهة والتبغ أصغرهما عمره 9 سنوات والثاني 14 عاماً، يعملان طيلة النهار مقابل مائة ليرة سورية، وبالطبع كلاهما لم يكملا تعليمهما الابتدائي، فهذا لا يهم برأي عمهم الذي قال: (لماذا أتركهم في البيت أو في المدرسة؟ ماذا أفعل بهم؟ هل أنا مجبر على أن أعلفهم!؟. نحن فقراء، وأنا لا أقدر على مصروف عائلة أخي فهم ستة وأنا متزوج ولدي أولاد صغار أيضاً) ويتابع العم: (ماذا أفعل والدهم توفي وهو غير موظف وصاحب المحل الذي كان يعمل به والدهما أعطاهما راتباً للشهر الأول بعد وفاته، ولكنه لم يعد يدفع لهما شيئاً). 
بالطبع حلب كحمص لا تخلو من أطفال البويا، ففي الحديقة العامة بحلب وساحاتها كثيراً ما تسمع عبارة فوق عبارة (بويا أستاذ)…. كانوا كثراً ولمجرد أن تجلس على مقعد الحديقة يبدأ العرض وبالتسلسل واحداً بعد آخر، والجميع لا يعرف سوى تلك الكلمة وتتبعها سيول من الرجاء والتوسل والتذلل لتقبل بعرضهم الفقير: (بخمس ليرات، أحلى بويا أستاذ، وخلينا نزبطلك صباطك أستاذ) وتتميز مهنة البويا الحلبية بالعائلية أيضاً. 
في الحالات السالفة كانت الدراسة أخر اهتمامات الأطفال وأهلهم على مبدأ الفائدة المفقودة والرجاء المعدوم من الدراسة والشهادات التي تعلق على الجدران دون جدوى وهنا ترى الدكتورة رزق الله أن العمل بحد ذاته “يؤدي إلى التخلي عن الدراسة نهائياً وإلى توقف أو تأخر النمو الفكري والمعرفي لدى الطفل العامل وتلك المعارف التي كان من الممكن أن تساعده على تنمية قدراته الاجتماعية والعملية وتمكنه من النجاح في إقامة علاقات اجتماعية صحيحة تساعده على تطوير عمله” 
وتستمر الحكايا
في إحدى الدراسات القليلة التي رصدت واقع عمالة الأطفال في سوريا قدرت عدد الأطفال العاملين بالنسبة لمشاركتهم بالنشاط الاقتصادي إلى 17.8%. 
ومنهم شهد الأخت الصغرى لإياد وقتيبة وختام والتي تعاني من مشاكل صحية واضحة فهي لا تنمو مقارنة بأنباء جيلها وتعاني من الجرب والحكة بشكل دائم بحسب والدتها حيث ينتفخ بطنها كثيراً على حساب ساقيها النحيلتين وأذرعها الهزيلة.

 

 

July 13th, 2010 – 10:10 AM


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273