Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
الـ (جندر) وانتهاك حقوق الإنسان (2/2)

الـ (جندر) وانتهاك حقوق الإنسان (2/2)

الـ (جندر) وانتهاك حقوق الإنسان (2/2)

في الواقع الاجتماعي

 

في مجتمعاتنا البطريريكية (الأبوية) – بمقابل المجتمعات المتريريكية (الأمومية) – ينشّأ الطفل منذ أشهره الأولى على كونه ذكراً أو أنثى، وذلك بوضع أطر محددة للأدوار الاجتماعية اللاحقة التي سيؤديها، وتشمل عملية التنشئة الاجتماعية Socialization Process بهذا البعد التهيئة البدنية والذهنية والقيمية فضلاً عن التهيئة السلوكية، وتصل هذه العملية في حدودها القصوى المعتادة إلى تكريس الاختلاف في أنواع الألعاب المصنوعة التي يتم توفيرها لكل جنس على حدة، واختلاف الألعاب الفردية والجماعية التي يمارسها الأطفال الذكور عن تلك التي تمارسها الإناث، وتأتي المؤسسات التعليمية منذ مرحلة الطفولة المبكرة فصاعداً لتؤكد هذه الاتجاهات التربوية التمييزية بين الذكر والأنثى من خلال أهداف ومحتوى المنهج التعليمي وأساليب وآليات تدريسه، وبنهاية المطاف تكون قد تحددت – في ثقافة المجتمع وعرفه – الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة بشكل تمييزي يحصر الأنثى في زاوية ضيقة، ويؤطرها في أدوار محدودة لا تتلاءم مع إمكانياتها العقلية والجسدية.

على حين أثبتت شواهد تعيشها مجتمعات يقل فيها التمييز في الأدوار الاجتماعية بين الرجل والمرأة، أنه بإمكان المرأة لو هيئت مجتمعياً، ذهنياً، ثقافياً وتدريبياً أن تتصدى لأدوار عديدة بالمهارة والحنكة اللازمين.

إن الذكورة والأنوثة تُشكل وتصقل اجتماعياً تشجع مؤسسات المجتمع المختلفة على تقمصها من خلال عادات وطقوس حاولنا تسليط الضوء عليها، إن صياغة الهوية الذكورية من خلال الممارسات الاجتماعية أمرٌ ليس محصوراً بالشرق الأوسط بأي حال، بل إن هذا الأمر ينطبق على سائر المجتمعات الأخرى، والأمر الملفت هنا أنه في حين وجود الكثير من الكتب التي تناولت الرجولة والذكورة في المجتمعات المختلفة خاصة في أميركا الجنوبية وبينها تلك التي تدور حول مفهوم (الماشو) أو (الفتوة)، نجد أن هذا الموضوع ظل مهملاً تماماً فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

إذ إن عدداً من الرموز والصور والأشياء التي قد تبدو بسيطة في الحياة العادية تسهم في تشكيل الـ (جندر Gender). إذ أن النظر إلى الأشياء البسيطة يساعدنا على فهم ثقافة المجتمع وتشكيل صورة النوع الاجتماعي أو الجندر (الرجال والنساء) فيه. فنحن إذا أخذنا (الشارب) مثلاً كرمز مهم للرجولة وحاولنا تحليل أثره ومساهمته في بناء صورة الرجولة. فضلاً عن موضوعات مثل الختان، وأيضاً قص الشعر بطريقة معينة أحياناً، وأخيراً الخدمة العسكرية.

والأطفال في الطفولة لمبكرة عادة ما يقلدون سلوك الجنس المماثل في الأسرة, والأولاد الذين يشاهدون آباءهم أو الرجال الآخرين بدونية أو بعنف تجاه النساء قد يعتقدون أنه السلوك الطبيعي للرجال. ومنذ الأعمار المبكرة فإنه بشكل عام تبقى الفتيات مع الأمهات في البيوت بينما عادة ما يشجع الأولاد على قضاء أوقات طويلة خارج المنزل وفي فترة المراهقة فإن الصبية عادة ما يقضون أوقاتاً كثيرة مع أقربائهم من الرجال أو الصبية. والصور النمطية للخصائص والأدوار الخاصة بكل من الرجال والنساء يمكن أن تدعم من المدرسة أو الهيئات الدينية أو الثقافية أو أجهزة الإعلام أو الأقارب والأصدقاء والقصص وحكايات الأطفال والتاريخ المسموع وأغاني الأطفال والألعاب التي عادة تدعم الصور النمطية عن الجندر (gender stereotypes) وألعاب الأطفال في معظم الثقافات نمطية من حيث الجنس (sex stereotyped) وفي كثير من المحيطات المدرسية يشاهد الأطفال في الأدوات المدرسية والكتب والقصص رسائل تدعم الصور النمطية عن الجندر.

كما أن التعليم عادة ما يكون سببًا في نشوء عدم مساواة الجندر، فمن المعزز لثقافة عدم مساواة الجندر أن الكتب الدراسية للمجتمعات الأبوية في المراحل الابتدائية تعلم وترسخ في النشء أصول الجندر. (بابا يكتب ماما تطبخ…. باسم يلعب رباب تساعد أمها… وما إلى ذلك). الأسئلة الموجودة في نهاية كل درس تحتوي على مفردات مثل: (أجب..) و(اختر..) و(ناقش..). وتلك المفردات نفسها موجودة على أوراق أسئلة الامتحانات، علماً أن الطلبة هم من الجنسين.

ولا ننسَ أن هناك مدارس وكتباً مخصصة للإناث فقط، متناسين أن معظم مصممي الأزياء وأصحاب الماركات العالمية هم من الرجال الذين أثبتوا تفوقهم في هذا المجال، ومثلهم في مجال فن الطبخ. وهنا المفارقة لأن كثيراً من التوجهات والتعليمات لا تتطابق مع سلوك الفرد الذي يفضل أن يحدد مستقبله وعمله حسبما تدفعه موهبته وتقتضي حاجته([1]). ربما يمكن لمؤلفي تلك الكتب تدارك تلك الأخطاء فيما لو أقروا بأنها أخطاء. ولكن من المؤسف أن في لغتنا العربية ومفرداتها اليومية توجهاً، وإن كان في مجمله يؤدي الغرض نفسه إلى الجنسين معاً، إلا أنه يطوي بين حروفه توجهاً للمجتمع الذكوري فقط.

فمثلاً: جميع الإعلانات التجارية موجهة إلى الذكور باستثناء تلك التي تتعلق بالطبخ والمطبخ وأدوات التنظيف، فهي موجهة إلى الإناث. علماً أن كثيرين من شبابنا يعملون في المطاعم والفنادق داخل بلدنا وخارجها في مجال الطبخ والتنظيف.

إشارات المرور وتعليماتها موجهة إلى الذكور مثل: (انتبه…) و(احذر…) و(خفف السرعة) وغيرها من الأمثلة، مع أنه لا يوجد قانون في معظم مجتمعاتنا يمنع المرأة من قيادة المركبات (ما عدا السعودية). كما أن الإعلانات والتعليمات التي تأتي عبر الهاتف الأرضي والنقال توجَّه إلى جنس الذكور مثل: (عزيزي المشترك…) و(بادر…) و(لديكَ…) و(اضغط) وغيرها من الأمثلة. وحتى في أكثر وسائل الاتصالات تقنية وحضارة تظهر التعليمات والرسائل عبر شاشة الكومبيوتر موجهة إلى الذكور فقط في لغتنا مثل: (انقر…) و(ماذا تريد؟) وغيرها من الأمثلة.

وهناك مفارقات تندرج في خانة الانحياز، كأن تقوم امرأة بعمل بطولي، فيقولون عنه إنه موقف رجولي.. وكأن المواقف الشجاعة هي حكر على الرجال فقط. ويقولون إن فلانة أصبحت (ضابطاً) مع أن كلمة (ضابط) على وزن (فاعل)، و(فاعل) يمكن أن يصبح (فاعلة)، وفلانة أصبحت (نائباً). ولا أدري ما الذي كان يمنع سيبويه من إدراج كلمة (نائبة) في قواعد النحو والصرف. طبعاً لا نعرف ما إذا كانت لغتنا العربية متفردة في توجهها المنحاز أم أن هناك لغات أخرى تشاركنا في هذا الانحياز. وهل من الصعب التوجه للمخاطبة بأسلوب الجمع حين يكون المقصود الجنسين معاً.

ومفهوم الجندر وفقاً لمنظمة العمل الدولي يشير إلى الفروقات والعلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء التي يتم تعلمها والتي تختلف اختلافاً كبيراً بين المجتمعات والثقافات وتتغير مع الزمن. ولا يحل مفهوم الجندر محل مفهوم (الجنس) الذي يشير حصرياً إلى الفروقات البايولوجية بين الرجال والنساء. فالبيانات الإحصائية على سبيل المثال توضع حسب الجنس. ويستخدم مصطلح الجندر لتحليل ادوار الرجال والنساء ومسؤولياتهم والقيود المفروضة عليهم واحتياجاتهم في كل المجالات وفي سياق اجتماعي معين.

إن تشكيل الرجل في العالم كله له علاقة بالعمل، ففي مجتمعات تكاد تخضع على الإطلاق لهيمنة الرجال تبقى مشاركة المرأة في الحياة العامة – بصورة فعالة – مشاركة محدودة، تحجيم دور المرأة إلى منظومات العادات والتقاليد السائدة، فيما يرى آخرون أن الموروثات الثقافية والدينية لا تسمح بالخروج إلى الحياة العامة إلا في حدود ضيقة. إذ تشدد الأبحاث الأخيرة على أن الجندر قد تخطى إطار (دور الجنس في المجتمع) فتقر بأن الجندر يشمل هيكليات السلطة وعلاقات اقتصادية إضافة إلى ذلك فإن الهويات الجندرية متعددة، ومقسمة وقد تكون غير ثابتة: فالجندر يتضمن دائماً ديناميكيات الانتماء الأنثى والطبقة الاجتماعية.

إن أماكن العمل هي مكان أساسي لعدم المساواة بين الرجال والنساء ولذلك فإنها تمثل منطقة كبيرة للرجال للمشاركة في دعم مساواة الجندر وعلى الرغم من ذلك فان كثيرا من الرجال يستفيدون من عدم المساواة في الجندر في أماكن العمل مما يدفعهم للدفاع عنها, أماكن العمل هي المناطق التي تبنى فيها الذكورة وتعزز وفي أماكن عديدة, تقسيم العمل بناءا على الجندر تبقى بسبب التعريفات الثقافية للذكورة. فالعمل يتميز بتنظيمات خاصة تعكس وتحدد شكل أو سعة التسلسل الاجتماعي.

ويكمن احد العناصر الأساسية لفهم طبيعة المشكلة المعقدة هذه، في التمييز بين الجنس والجندر، وهما مفهومان يتعين فهمهما فهماً تاماً قبل القيام بأي عمل فعال لمصلحة المساواة بين الجنسين. ?? الجنس مصطلح يستخدم للإشارة إلى الفروقات البايولوجية بين الذكور والإناث. أما الجندر فيشير إلى التنظيم الاجتماعي للفروقات بين الجنسين. وهو تحديد اجتماعي للنساء والرجال ولتفاعلهم في المجتمع، ويؤثر الوضع الإثني، والسياسي والسلطة الاقتصادية والطبقة الاجتماعية على الجندر. ?? ويتطور دور الجندر على مر الزمن ويختلف بين بيئة اجتماعية اقتصادية وأخرى، وقد تكون الهوية الجندرية غير ثابتة في الأفراد وقد تتعرض للتعديل من خلال التعليم والخبرة.

وتكمن المهمة في التحليل وفي التعامل بشكل فعال مع التراتبية المخفية وغير الصريحة لادوار السلطة (الثانية) والأولى التي غالباً ما تحكم على النساء بأن يكن مواطنات من الدرجة الثانية وتوكل للرجال أدواراً تميل إلى الاستبداد. ويكمن التحدي في بناء مجتمعات تسمح للنساء والرجال أن يحققوا طاقاتهم البشرية كاملة ويشاركوا بالتساوي، في تنمية مجتمعاتهم وتشاطر ثروتها ومنافعها على أساس التكافؤ.

كما إن مناطق العمل عامة هي مساحة لامتيازات الرجال, والمجموعات المختلفة من الرجال من الأجناس المختلفة والأعراق المختلفة والطبقات المختلفة يمارسون كلا من الامتيازات وعدم المساواة والتعرض للخطر في أماكن العمل بأشكالٍ مختلفة.

فالأب وباقي الذكور عموماً يتحولون إلى راعين وحاملين المسؤولية عن أمور المعيشة الخارجية وتبقى الأنثى قعيدة البيت حيث مهمتها الرئيسية هي تدبير شؤون المنزل فزوجة الفلاح هي عادة (فلاحة) مثله ولكن زوجة العامل أو الموظف ليست بالضرورة عاملة أو موظفة مادامت الحال ماشية والمعيشة مستورة. نتحدث عموماً وقد يتغير الحال في المدن الكبيرة وارتفاع مستوى التعليم والوعي الذي يسمح للإناث بإتقان مهن مختلفة كالتعليم والطب والهندسة واغلب تفرعات الوظائف العامة.

إن المرأة في الثقافة الاجتماعية للمجتمعات الشرقية والإسلامية عموماً، والمجتمع في العراق على وجه التحديد، هي إنسان من الدرجة الثانية، سواء كان ذلك في العائلة أو في الحياة عموماً. فجماعة العائلة في مجتمع العراق (وهو مجتمع شرقي ذو غالبية إسلامية،)، كما هو شائع عنها، ثقافة قامعة لحقوق المرأة، فالرجل هو سيد العائلة (سواء كان ذلك الرجل زوجها أو أخوها، أو ابنها أو والدها، كما هو شائع)، وتكون المرأة بمثابة العبد، فهي تحتل المرأة المرتبة الأدنى بعده في التراتب الاجتماعي في الأسرة. وقد عانت المرأة مشكلة عدم التكافؤ الاجتماعي خصوصاً عندما لا يكون من حقها اختيار زوجها. فالأهل عادةً ما يجبرونها على الزواج سواءً كانت تريد ذلك الزواج أو لا تريده. لكنها تطارد عشائرياً حتى تقتل إذا ما تزوجت من دون موافقتهم !

وفي الزواج، فإنَّ المرأة تدخل في أملاك الرجل (عندما تكون زوجةً، أو بنتاً)، وإذا ما كان هذا شائعاً في معظم الثقافات الشرقية فإن هذه القضية تأخذ طابعاً لغوياً في الثقافة العراقية فحسب. إذ كثيراً ما نسمع في الحياةِ الاجتماعية التقليدية مَن٧ يطلق على الزواج (ملتشة، أو هكذا تُلفَظ Milchah كمـا يُلفظ هـذان الحرفان Ch بالإنجليزية) بمعنى امتلاك الرجل لها وكأنَّها بسلعةً تباع من الأب إلى الزوج وفي هذا نجد الصداق والمهر يأخذ أحياناً صيغة البيع والشراء، والبنت لا يحق لها التصرف سواء كانت قاصراً أم بلغت سنّ الرشد، بل لا يوجد سنّ رشد للبنات في التقاليد والعادات فهي تابعة مسؤولة من أهلها من أب أو أخ، فإن٧ لم يوجد في العائلة ذكر ولد أو رجل صار أمرها لعمها فخالها، أو بحثت عن رجل يكون ولياً عليها، فلا ولاية لها حتى على نفسها وقرارها، وإن٧ كانت عالمة مفكرة وذات شأن ومكانة بَلَغَت٧ها بعمرها وعقلها وفكرها، وذلك لأن الأعراف العشائرية والقبلية التقليدية لا زالت مسيطرة.

هذين مثالين على انتهاك حقوق المرأة العراقية والعربية أو المسلمة عموماً، وفقاً لأطروحات سابقة على مفهوم الجندر، فكيف يمكن حل تناقض الثقافة الاجتماعية وفقاً لمنظور الجندر؟

الخلاصة:

إن الجندر كأدوار ووظائف وعلاقات تتشكل اجتماعياً بعيداً عن أي أثر للبعد البايولوجي، وبالتالي فإنه قابل للتغيير باختلاف الزمان والمكان والثقافة. فهو لا يعني المرأة ولا الرجل، ولا يمكن أن ينسب إلى ما هو طبيعي وفطري وثابت. كما أن التغيير الحاصل في إطار الجندر مرتبط باختلاف الثقافة.


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273