Pages Menu
Categories Menu
مفهوم ” الجندر ” ودوره في نشاط المنظمات الدولية

مفهوم ” الجندر ” ودوره في نشاط المنظمات الدولية

مفهوم ” الجندر ” ودوره في نشاط المنظمات الدولية

بقلم : محمد شريح

 

تتنامى في منطقتنا العربية، يوماً بعد يوم الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية العاملة في مجال التنمية المجتمعية ، هذه المنظمات و إن كانت تنأى بنفسها عن أي نشاط سياسي معلن، فهي تمثل عاملاً من عوامل التأثير الثقافي القوي و المبرمج. و يتبدى هذا التأثير عبر مجموعة من المفاهيم ” التنموية ” التي من أهمها مفهوم “الجندر”. 
مع بداية التسعينات من القرن العشرين، بدأ مفهوم ” الجندر” يدخل حيز التداول في البيئة الثقافية العربية عبر أدبيات المنظمات الدولية و المؤسسات الأهلية غير الحكومية، و على الرغم من غموض المصطلح و غياب التعريف الواضح لمضمونه و دلالاته حتى لدى الكثير من نشطاء هذه المنظمات أنفسهم، لكنهم جميعاً يعلمون أن كلمة ” الجندر” هي المفتاح السري للحصول على الدعم و التمويل من منظمات الأمم المتحدة و الدول المانحة التي تدعم ما يسمى ” بالعمل التنموي”. 
و الحقيقة إن عدم معرفة هذه المنظمات بالمعنى الدقيق لكلمة “الجندر” لا يعود فقط إلى عدم دراية العاملين فيها فقط، بل هو نتيجة لغياب تعريفات واضحة لمعنى المصطلح و حقيقة مضامينه، حيث تسعى منظمات الأمم المتحدة ذات الصلة و المنظمات الأهلية و النسوية للزج في المصطلح في ميدان التدوال مع شروحات سطحية و مراوغة لمعناه و مضمونه. 
في عام 1994 عقد مؤتمر القاهرة للسكان و الذي أثار اعتراضات كبيرة في حينها، و قد تكرر مصطلح الجندر في بيانه الختامي 51 مره، و أمام عدم وضوح معنى هذا المصطلح الجديد فقد تمت ترجمته و تعريفه بأنه ” نوع الجنس” من حيث الذكورة و الأنوثة و تم تمريره على هذا الأساس، و في إعلان بكين الصادر عن مؤتمر بكين للمرأة عام 1995 تكررت كلمة الجندر 245 مرة مما دفع وفود الكثير من الدول للمطالبة بتعريف دقيق للمصطلح، و تم تشكيل فريق عمل لوضع ترجمة دقيقة له، لكن إصرار الدول الغربية على تمريره بمضامينه الحقيقية دون تعريفه و تعريته، أصرت على عدم تعريفه وعلى استخدامه كما هو فخرجت لجنة التعريف بإقرار عدم تعريفه (Genger The non definition of the term) و كان ذلك يعنى أن يتم استخدام المصطلح بمعناه الذي يرد في استخدامات الأمم المتحدة. 
تعريف الجندر 
تعرفه منظمة “الصحة العالمية” على أنه “المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية ، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية ” ..و قد عرفته وثيقة صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن ” مصطلح النوع الاجتماعي يشير إلى الخواص لاجتماعية و المشاركة في النشاطات الاجتماعية كفرد في جماعة محددة. و لأن هذه الخواص هي سلوك و تصرفات يتم تعلمها ، فهي قابلة للتغير و هي تتغير بالفعل عبر الزمن و تختلف باختلاف الثقافات “(1) و هذا تعريف في غاية الخطورة لأنة يفيد أن الأنوثة و الذكورة بالمعنى العضوي منفصلة عن البنية النفسية و الأدوار الاجتماعية للأفراد ،و أن هذه الأدوار هي مفاهيم اجتماعية مكتسبة و ليس لها علاقة بالطبيعة العضوية و الفسيولوجية لكلا الجنسين، فالتربية الاجتماعية هي التي تحدد الأدوار الاجتماعية و بالتالي فالمجتمع و التربية هما العاملان الحاسمان في تكوين النفسية الأنثوية أو الذكورية بغض النظر عن الطبيعة العضوية، و بناء عليه فإن اختلاف التربية و المفاهيم المجتمعية كفيل بإزالة الفروق كمقدمة لإعادة توزيع الأدوار الاجتماعية في كافة الميادين بما فيها الأسرة، بما يكفل المساواة الحقيقية. 
و يوضح تعريف الموسوعة البريطانية لهذا المصطلح المعاني السابقة حيث يُعرف الجندر بكونه : شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى وفي الأعم الأغلب فإن الهوية الجندرية والخصائص العضوية تكون على اتفاق “أو تكون واحدة ” ولكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية ( أي شعوره الشخصي بالذكورة أوالأنوثة) ….. و تضيف : “إن الهوية الجندرية ليست ثابتة بالولادة – ذكر أو أنثى- بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وهي تتغير وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كلما نما الطفل”(2) . 
وتواصل الموسوعة البريطانية تعريفها للجندر “كما أنه من الممكن أن تتكوّن هوية جندرية لاحقة أو ثانوية، لتتطور وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية – الذكورة أو الأنوثة- حيث يتم اكتساب أنماط من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة ، إذ أن أنماط السلوك الجنسي والغير نمطية منها أيضاً تتطور لاحقاً حتى بين الجنسين …!!” 
إن مفاد هذه التعريفات هو ما يلي: 
1- إن الذكورة و الأنوثة ليست قضية عضوية بل هي قضية اجتماعية. 
2- قد تتطابق الهوية العضوية للفرد ( إي إحساسه بذاته كذكر أو أنثى ) مع طبيعته النفسية و دوره الاجتماعي و قد لا تتطابق. 
3- إن الهوية الجندرية ( إدراك الذات كذكر أو أنثى) ليست ثابتة بالولادة و قد تتغير مع النمو و بتأثير العوامل الاجتماعية. 
4- إن أنماط السلوك الجنسي كذلك ليست ثابتة بثبات الطبيعة العضوية، بل هي متغيره بتغير الهوية الجندرية. 
هذه هي النقاط الأساسية التي يحاول التعريف أن يبرزها، أما مترتبات هذه القضايا و التي يمكن لأي عاقل أن يدركها، فهي ليست أقل من نسف لكل الأسس التي قام عليها بنيان المجتمعات الإنسانية و القيم و الحضارة و ذلك من خلال التلاعب بأهم و أعمق و أخطر الخصائص النفسية للفرد الإنساني سواء كان ذكراً أم أنثى. 
و يرتبط كذلك مفهوم الجندر في وثائق و أدبيات المنظمات الدولية بشكل دائم بمفاهيم أخرى تبقى مبهمة و غير واضحة بدون تقديم شروح لها، مثل مفهوم التوجه الجنسي (Sexual Orientation) الذي يقر بحرية التوجهات الجنسية غير النمطية، و كذلك مفهوم الصحة الإنجابية و ربطها بالخيارات الإنجابية التي تعنى الحق في الإجهاض كخيار إنجابي تتمتع به المرأة بغض النظر عن كونها متزوجة أم لا، بل إن كلمة زوج و زوجة و مفهوم الأسرة ” التقليدية” كانت كلمات مرفوضة من قبل ممثلي بعض الدول الغربية كبريطانيا و كندا و إسرائيل و الولايات المتحدة في مؤتمر بكين، فكلمة زوج و زوجة يجب استبدالها بكلمة Couple)) التي تعني الثنائي أو المتعايشين، و أما مفهوم الأسرة التقليدية فقد تجاوزه مؤتمر بكين عندما أقر بوجود 6 أنماط مختلفة للأسرة، و قد ذهب أحد منشورات الأمم المتحدة و هو كتاب “الأسرة وتحديات المستقبل” إلى أن هناك 12 شكلاً ونمطاً للأسرة منها أسر الشواذ ” الجنس الواحد ” من النساء و الرجال. 
“الجندر” كمرحلة متقدمة للحركة النسوية ” فيمينزم Feminism ” 
مما يلفت الانتباه أن مفهوم الجندر لا يستند إلى أية مقدمات علمية أو حتى نظريات علمية أو فلسفية، أنه لا يتعدى كونه مقولة أنتجتها الليبرالية المتطرفة و الحركة النسوية ” الأنثوية، فيمينزم” في موقفها من المرأة، و يعود تاريخ الحركة النسوية إلى القرن التاسع عشر حيث برزت في إطار الثقافة البرجوازية الليبرالية في فرنسا وبريطانيا و أمريكا. و تقوم الحركة النسوية منذ بدايتها على فكرة خاطئة مفادها أن العدالة بين الرجال و النساء تتحقق بالمساواة، و هذه الفكرة ،أي فكرة أن العدالة تعني و تحقق المساواة ، هي من أكثر الأفكار سطحية و انتشاراً في ثقافة القرن التاسع عشر و العشرين و قد أثبتت التجربة الشيوعية في روسيا خطأ هذه المقولة على المستوى الاجتماعي ككل ،ذلك أن المساواة لا تعني و لا تحقق العدالة ،كما أن المساواة بحد ذاتها ليست خيراً محضاً و ليست الفوارق شراً محضاً. و إن العلاقات بين الرجل و المرأة هي خير دليل على ذلك ، إذ إن هذه العلاقة تسعى لتحقيق التكامل و من ضرورات التكامل وجود التمايز ، لأن التكامل لا يتحقق بين المتشابهين . إن القيمة الإنسانية لكل البشر هي قيمة واحدة لكن تختلف أدوارهم و مكانتهم فلا يمكن أن يكون هناك مجتمع كله أغنياء أو كله فقراء و لا يمكن أن يكون هناك مجتمع يقوم الرجال و النساء فيه بأدوار واحدة. 
الحركة النسوية و المنظمة الدولية 
إن فكرة المساواة هذه هي التي قامت على أساسها كل الحركة النسوية و قد دخلت الحركة النسوية مرحلة هامة في تاريخها مع ولادة المنظمة الدولية التي تبنت مقولاتها و أرائها و عملت على تحقيقا. فمع بداية السبعينات من القرن العشرين قامت المنظمة الدولية بتطوير منظور” المرأة في التنمية ًWomen in Development” الذي يسعى للخروج بالنساء من دورهم الإنجابي الذي تم تأطيرهم فيه إلى الدور الإنتاجي و ذلك عبر برامج الرعاية : (Welfare) و مكافحة الفقر (Poverty Elevation) و التمكين الاقتصادي و الاجتماعي (Empowerment) و غيرها من البرامج التي كانت تدعم المشروعات الصغيرة الخاصة بالنساء و تقدم لهم القروض الإنتاجية و غيرها بهدف تعزيز المكانة الاقتصادية للمرأة كمقدمة لتمكينها الاجتماعي و تعزيز دورها في الأسرة والمجتمع، لكن النتائج الضئيلة لهذه البرامج في تحقيق أهداف الحركة النسوية دفعت نحو تطوير مدخل جديد تم تسميته ( المرأة و التنمية Women and development) الذي يحتل فيه مفهوم (الجندر و التنمية Gendar and development) مكانة مركزية . و قد جاءت هذه التغيرات في الاستراتيجية نتيجة المناظرات القائمة بين رواد التيارات المختلفة في حركة الفيمنيزم، وازدياد الانتقادات الموجهة لتطبيقات مفهوم “المرأة في التنمية” و ضعف النتائج الفعلية التي أفرزتها هذه الممارسة في مجتمعات العالم من خلال الدراسات التقييمية التي أظهرت أن التيار الليبرالي من الحركة النسوية” لم يفلح في القضاء على تبعية النساء من خلال دفعهن للانخراط وبقوة في الأدوار الإنتاجية داخل المجتمع وخاصة داخل مجتمعات العالم الثالث”. 
لذلك بدأت التيارات الراديكالية في الحركة بتقديم مقاربة جديدة تمزج بين التأثير الاقتصادي و التغير الثقافي ، وتوصف بأنها: ” تنقل مقاربة الجندر والتنمية (GAD ) من التركيز على النساء إلى التفكير في إعادة إنتاج شكل العلاقات بين النساء والرجال، وفي الطرق التي اعتمدت في بناء مفهوم الذكورة والأنوثة”(3) 
و حتى يومنا هذا تبقى كل سياسات الأمم المتحدة و برامجها المرتبطة بالمرأة مرتبطة بلجنة خاصة داخل الأمم المتحدة تعرف باسم ( لجنة مركز المرأة) و هي لجنة يتكون جميع أعضائها من الاتجاه النسائي اللبرالي المتطرف و هي التي تتخذ القرار و لها نفوذ واسع في داخل المنظمة الدولية. 
إن مفهوم الجندر من أخطر المفاهيم التي تسعى المنظمات الدولية و الأهلية لتسويقها في مجتمعاتنا ، و هذه المنظمات و إن كانت لا تطرح المضمون الحقيقي لمفهوم الجندر لكنها تكتفي بترويج المصطلح كمرحلة أولى في حين تعمل أطراف أخرى على إعطائه قوة قانونية من خلال زجه و إدخاله في نصوص قانونية دولية كاتفاقية سيداو ( اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد النساء) و التعديلات التي تجرى على معاهدة حقوق الإنسان بما يتناسب و ضمان الحقوق القانونية لكافة أشكال الشذوذ كما حصل على إثر القضية التي أثارها أحد الشواذ الأستراليين ” نيكولاس تونون” عام 1996 الذي أدعى ادعى أمام لجنة حقوق الإنسان أن المعاهدة الدولية لا يوجد فيها أي إشارة إلى الحقوق الجنسية، و أن القانون الأسترالي ينص على عقاب من يمارس السلوك الجنسي الشاذ، فما كان من هذه اللجنة الدولية سوى أنها قامت بتوسيع نص الاتفاقية الموقع عليها من دول العالم بما يخالف إرادة كثير من هذه الدول ، لتشمل حرية الحياة الجنسية غير النمطية ، وعدم جواز تدخل الدولة – أي دولة من الدول الموقعة على المعاهدة الأساسية – في الحياة الخاصة للأفراد تحت أي باب من الأبواب سواء المصلحة العامة أو حماية الأخلاق أو منع انتشار الأمراض..؟!
http://www.lahaonline.com/index.php?option=content&task=view&id=12109

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *