Pages Menu
Categories Menu
لن أكون ملاكا

لن أكون ملاكا

المصدر – الحرة ابتهال الخطيب

تتوارد هذه الفترة أخبار عن مقتل نساء من مختلف أنحاء العالم العربي، نساء يواريهن التآمر العاداتي والتقاليدي، يختم قبورهن الصمت الذي “يستر الفضيحة”، وتضيع شواهد مدافنهن حماية لمرتكبي الجرائم، “الثائرين للشرف، المنقذين لاسم العائلة وسمعتها”.

كل يوم اسم جديد، قصة جديدة، وجسد منتهك جديد، جسد تركته الحياة حتى قبل أن تتوقف أعضاؤه، حين غلف بألف غلاف من العيب والحرام، وحين ختمت كل حواسه بأختام السمعة والشرف وحين تشمعت بالشمع الأحمر كل رغباته، شَمع جمَّد الرغبة الأنثوية في قالب الخلاعة والفجور.

لا يمكن “لذكر” أن يفهم هذا المعنى، معنى أن تحيا في سجن بيولوجي متنقل، معنى أن يثقلك جسدك، يؤخرك، يبطئ مسيرتك وزمنك وفرصك وحتى قدرتك على استنشاق هواء حر نظيف، جسد ثقيل ثقل الجثة الفاقدة للحياة، تحمله وكأنك تجر عربة ضخمة، مطلوب منك أن تحول لحمها وشحمها وعروقها ودماءها إلى معدن صلد لا يشعر ولا يرغب. 

لا يمكن “لذكر” أن يفهم هذا المعنى، معنى أن تحيا بجمجمة تسكنها نحلة، نحلة تطن طنينا مرتفعا مستمرا يخبرك شيء عن نفسك، يطالبك بشيء من نفسك، يسألك ألف سؤال في اللحظة، يحاسبك ألف حساب في اللحظة، يعاتبك ألف عتاب في اللحظة، يسائل مفاهيمك وإيمانياتك التي ولدت لتجد نفسك أسيرا لها، ثم يؤنبك على هذه المساءلة، يرعبك بتبعاتها، يذكرك بخروجك المارق عن العادات والتقاليد ولربما حتى عن الدين لمجرد السماح بها. 

لا يمكن “لذكر” أن يفهم هذا المعنى، معنى أن تحيا في سجن بيولوجي متنقل، معنى أن يثقلك جسدك، يؤخرك، يبطئ مسيرتك وزمنك وفرصك وحتى قدرتك على استنشاق هواء حر نظيف

تضيع أنت مع هذا الطنين المستمر المزعج الذي تكاد تشعره يخرق روحك، يقفز من بؤبؤ عينيك، يخترق طبلة أذنك، ينزلق حارقا على لسانك، يود الخروج كلمات، بل صرخات، خارج جسدك، يود أن يهتف في الناس، فيك أنت بحد ذاتك، يود أن يجد إجابة على كل الأسئلة التي يهددونك بحرمتها: لماذا أنا كائن أقل؟ ما ذنبي أن ولدت لجنس لم أختره ليحيدني، يعزلني، يقهرني، يضع كل شرف العائلة وسمعتها وثقل اسمها على أكتافي؟ لماذا صُنعت أنا بجسد يستوجب عليه الرضوخ والانصياع وفي ذات الوقت مُهرت بعقل يستصرخ الحرية والفهم الحقيقي لوجوده وقيمته؟ لماذا خُلقت أنا بهذا الطنين في جمجمتي لو كان مقدرا لجسدي أن يكون صامتا صمت القبور؟ لماذا تشكلت أنا بتطلعات وآمال وأحلام، برغبة في الحرية، بتحرر للرغبة، بالقدرة على الاختيار، على إتيان الآثام كما الحسنات، لو كان مقدرا لي، لو كان مطلوب مني أن أكون ملاكا ولا شيئا غير الملاك؟

الجميع يلاحق هذه النحلة الطنانة في رأسك، كل شخص في أسرتك، كل فرد في مجتمعك، كل رجل دين في محيطك، كل مشرع سياسي في برلمانك، كل صديق وعدو وقريب وبعيد بمن فيهم أنت بحد ذاتك، كلهم، كلنا، نلاحق هذه النحلة الطنانة، نرميها بالأحجار، نقذفها بالأحذية، نحاول ضربها بالجرائد الملفوفة أو دهسها بالأقدام المكشوفة، إلا أن هذه النحلة لا تموت، لا تتوقف عن الحركة، لا تصمت عن الطنين. قد تهدأ هي يوم أو بعض يوم، إلا أنها لا تفتأ تعود للطيران، للدوران، للطنين المستمر المرتفع المريب. 

فجأة تكتشف الواقع: ستعيش كل حياتك مع هذه النحلة الطنانة، ستعيش مع ضوضائها وإلحاحها وأسئلتها وعتابها وترهيبها وترغيبها، ستنام بها وتصحو بها، ستضغطك بطلباتها ورغباتها، ستؤنب ضعفك وستحتقر رضوخك، لتعود فتخزيك بذكرى واجبك تجاه أهلك ومجتمعك، ستطن وتطن وستدور معها أنت وتدور، فلا هي تتركك لحريتك “الآثمة” ولا هي تعتقك من أفكارك وثوراتك، لا مفر منها إلا ونحن، النساء، جثة هامدة.

نحن نستمر في الحياة، وهن يستمررن في غياهب الفقد، فقط لأنهن نساء لم يعرفن كيف يقتلن النحلة أو يتحايلن على وجودها

فتيات في عمر الزهور، نساء في عمر الأشجار الباسقة وأخريات في نضوج النخلات المعمرة، كلهن لهن قصص، منهن من فقدت طعم الحياة وهي تحياها، منهن من ماتت روحها في جسد حي، ومنهن من تحررت روحها أخيرا من جسد ميت. إلا أن قصص المتحررات بالموت تحديدا كلها قصص هزائم، قصص فقد، وهل أسوأ من خسارة الموت؟ وهل أبشع من فقد الحياة؟ لربما هن يمهدن الطريق للقادمات من بنات جنسنا، إلا أنهن يمهدن هذا الطريق بأجسادهن، بحيواتهن. لربما هن “يلضمن” القصص بعضها ببعض لتشكل بحرا تسبح فيه المغامرات، لتصنع جسرا تعبر فوقه العابرات، إلا أنهن يلضمن هذه القصص بدمائهن وقطع من أجسادهن. ربما هن يصنعن عمل عظيم للقادمات، لكن ما معنى وقيمة هذا العمل لأجسادهن المتوارية أسفل التراب، لأرواحهن المختفية في العدم، لحيواتهن الواحدة التي لن تعود ولن يعوضها شيء؟

يمكن أن نقول كلاما كثيرا حول جمال التضحية وعظمة التمهيد للقادم من الفتيات والنساء، لكن الحقيقة المُرة “الطنانة” هي أن هذه النساء المفقودات قد خرجن من الحياة ولن يعدن، قد فقدن أعظم فقد، وحرمن الفرصة الوحيدة الفريدة للوجود الغرائبي على هذا الكوكب العجيب، فرصة من بين بلايين الفرص أعطيت لهن في لحظة زمن وسلبت منهن في غمضة عين. 

نحن نستمر في الحياة، وهن يستمررن في غياهب الفقد، فقط لأنهن نساء لم يعرفن كيف يقتلن النحلة أو يتحايلن على وجودها. لماذا لم تمثلن كما نفعل جميعا؟ لماذا لم تبقين في الظلام؟ لماذا اخترتن الحياة في الشمس؟ ألم تعلمن أنكن أهداف واضحة في وضح النهار؟ أصغيتن للنحلة وطنينها أكثر مما يجب، وهذا هو الثمن. ارقدن بسلام..

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *