Pages Menu
Categories Menu
هل حقًا تساعد “النسوية” النساءَ في نيل حقوقهن في الشرق الأوسط؟

هل حقًا تساعد “النسوية” النساءَ في نيل حقوقهن في الشرق الأوسط؟

المصدر – مؤسسة وعي

لربما كان مصطلح “النسوية” من أكثر المصطلحات تداولًا في عام 2018. فخلال العامين الماضيين، ازداد الوعي العالمي بقضايا المرأة نتيجة لنشاط حركة “MeToo”، ومن بعدها حملة #HearMeToo التي أطلقتها الأمم المتحدة مؤخرًا للقضاء على العنف ضد المرأة في جميع أنحاء العالم.

كنت حتى وقت قريبٍ مؤمنة بمصطلح “النسوية” إيمانًا صارمًا مع نزعة تميل للتمرد. وكان منطق إيماني بالنسوية مبني على دفاع النسوية عن حقوق المرأة، ومن ثم كان رفضها يشبه الاعتراف بأن النساء ليس لهن حقوق. ومؤخرًا، خضت نقاشًا مثمرًا مع أكاديميٍ متخصصٍ في مجال السياسة والدين خرجت منه وقد انكشفت لي حقائق هامة وتملكتني رغبة بعدها بأن أطرح النسوية كإشكالية وأقوم بتأطيرها كمفهوم وأيديلوجية.    

تقول “تشيماماندا نغوزي أديتشي” في تصريح واضح لا لبس فيه “علينا جميعًا أن نكون نسويين”، وهي العبارة التي اتخذتها الأمم المتحدة لاحقًا شعارًا في العديد من الحملات التي أطلقتها دعمًا لحقوق المرأة. والسؤال هنا: هل علينا حقًا أن نكون نسويين؟ 

للإجابة على هذا السؤال، سأبدأ أولًا بتفكيك مصطلح “النسوية”.
النسوية ليست نظرية أو أيدلوجية أو اعتقاد فحسب، بل تختلف معانيها باختلاف الناس. فقد تشير النسوية إلى معنى واحد من المعاني التالية أو جميعها:

فكرة: “الفكرة الراديكالية القائلة بأن النساء هن الناس”.
مشروع سياسي: “حركة للقضاء على التمييز ضد المرأة واستغلالها وقمعها”.
إطار أكاديمي وفكري: “نموذج تحليل … طريقة لطرح الأسئلة والبحث عن إجابات”.

لو كان جوهر النسوية هو “المساواة بين الرجل والمرأة” والدفاع عن حقوق النساء باعتبارهن بشر لهن مثل ما للرجال من حقوق، فيجب على النساء إذا أن يتحدن على أساس كونهن “نساء” إن أردن ترجمة هذا المفهوم إلى حركة منظمة أو أيدولوجية منضبطة.  ولكن جماعة النساء جماعة واسعة وبينهن تنوع جوهري، فكيف نوحدهن أذا ببساطة على أساس كونهن “نساء”؟

يتجسّد هذا المفهوم للتنوع، الذي ينفي عن “النساء” صفة الجماعة المتجانسة، في النسوية التقاطعية “intersectional feminism”. تصف كيمبرلي كرينشو “التقاطعية” بأنها الاعتراف بأن النوعَ ليس المتحكم الوحيد في السياق الذي يشكل تجارب النساء، بل إلى جانب النوع توجد الطبقة الاجتماعية والسلالة والعرق. 

وبرغم أن النسوية التقاطعية بمفهومها هذا تنطبق على الوضع في الشرق الأوسط، إلا أن الطبقة الاجتماعية والسلالة والعرق تختلف تعريفاتها في الشرق الأوسط عن الغرب. ماذا يعني أن تكوني امرأة عربية أو فارسية أو تركية أو كردية؟ العرق والهويات مسائل معقدة ومتداخلة مع عوامل أخرى، ومن ثم فإن التقاطعية لا يمكن استيرادها من الخارج وجلبها إلى المنطقة دون وضعها في السياق المناسب. ولربما السؤال الأهم هنا يدور عن دور الدين في الشرق الأوسط – الذي يدين أغلبية سكانه بالإسلام – المختلط مع الثقافة والذي يُستخدَم لتبرير ممارسات أبوية. 

وبالنظر إلى سياق الشرق الأوسط، سنري قلة في الخطاب الرسمي حول النسوية، ومع هذا سنلاحظ تصاعدًا متواصلًا على مستوى الوعي والتنظيم والنشاط لدى المرأة. فقد انخرطت النساء في الشرق الأوسط بقوة في الحوار وحركات المقاومة المتعلقة بدعم المساواة بين الجنسين، ومن بين هؤلاء النساء العديد من الباحثات والناشطات البارزات مثل هدى شعراوي، ودينيز كانديوتي، وسحر خليفه، وأميرة سنبل، وزيبا مير حسني.

وقد كانت لمصر الريادة تاريخيًا على مستوى الحركات النسوية، ولكن مؤخرًا شهدت المملكة العربية السعودية مولدَ العديد من الحركات المطالبة بحقوق المرأة في قيادة السيارات والمشاركة السياسية والولاية. وهذا الحراك النسوي السعودي مستهدف من الدولة التي ترى في النساء أدوات للشرعية السياسية والدينية. ويأتي إلقاء القبض على ناشطات مثل لجين الهذلول وغيرها من الناشطات ليثبت أن التشريع الذي أقرته السعودية مؤخرًا للسماح للنساء بالقيادة لم يصدر إلا لتمجيد صورة الدولة الأبوية أمام العالم.

وبالتحول إلى دول الخليج، نرى أن نساء معاصرات خليجيات يعملن في الحقل الأكاديمي مثل مضاوي الرشيد والعنود الشارخ وأمال المالكي ينتجن سرديات جديدة حول حقوق النساء يجمعن فيها بين المفاهيم الغربية مع نماذج محلية من الإنتاج المعرفي. ومن خلال هؤلاء الباحثات، ندرك مدى التباين بين الحركات النسوية في المنطقة، وتشمل الحركات النسوية السياسية والإسلامية.

إننا إن أردنا حوارًا مثمرًا حول قضايا المرأة وأدوارها في المجتمع الخليجي، فيلزمنا أن نناقش أيضًا قضايا الرجل في هذه المجتمعات التقليدية نوعًا ما. فثمة مفاهيم لم يطلها النقاش حتى الآن مثل “الشرف” و”الولاية” و”الطاعة”، وهي مفاهيم تفرض على الرجال والنساء الالتزام بأدوار محددة. أضف إلى ذلك أن المجتمع مستمر في تصالحه مع العنف ضد النساء بتعزيزه بعض المفاهيم الذكورية التي أحيانًا ما تتقبلها النساء من قبيل أنها سمات ذكورية طبيعية. وهذا التصالح سببه نقص السياسات التي تمنع العنف ضد المرأة، وهو عنف مرتبط بالسياسة وببعض الممارسات القبلية والعائلية. وبرغم ما يتمتع به الرجال من مزايا تفوق النساء، إلا أنهم يتعرضون لمعاناة شديدة بسبب الضغوطات المجتمعية الناجمة عن التزامهم بأدوار محددة تمنحهم صفة “الرجولة”. على سبيل المثال، إذا كانت النساء المتزوجات من غير مواطنيهم لا يُسمَح لأطفالهن بالحصول على جنسية أمهاتهن، فالرجال أيضًا يلزمهم الحصول على إذن من مؤسسات حكومية صارمة يسمح لهم بالزواج من غير المواطنات. إن نفس الثقافة التي تؤيد عمل المرأة في البيت كمربية، باعتباره دورها الرئيسي، تدعم أيضًا الدور الرئيسي للرجل وهو تحمل مسؤولية الإنفاق وحده على الأسرة، ومن ثم نجد الحرية الشخصية للرجل والمرأة مقيدة ولكن بدرجات مختلفة. 

تتناول النقاشات التي تدور في الآونة الأخيرة في الخليج حول قضايا حقوق المرأة مصطلح “النسوية” من زاوية ضيقة للغاية متجاهلة وضع المصطلح في سياقه الكامل. هل يمكننا حقًا أن نتحدث عن حقوق المرأة في مجتمع محافظ يسعى لإعلاء مبدأ الجماعية على الفردية؟. وأعني بـ “الفردية” حق كل فرد في اتخاذ خياراته الحياتية دون الإكراه المجتمعي الممنهج. في الشرق الأوسط، يُنظر للنساء والرجال باعتبارهم أعضاء فاعلين في مؤسسة الأسرة، ولا يحق لأي منهما أن يناقش أو يغير مجموعة محددة من التوقعات المنتظرة منهما. ومن ثم يجب إعادة النظر في الدور المؤسسي للأسرة في المنطقة بطريقة لا تتعدى معها القيم المجتمعية على الحريات الفردية.

وهذا ليس مبررًا أبدًا لانتقاص حقوق المرأة، ولكنه مؤشر لسؤال أهم: ما الذي نسعى إليه حقًا هنا؟

قبل أن نصب اهتمامنا على “النسوية”، علينا أن نشترك في نقاشات أكثر اتساعًا وتعقيدًا حول هيكل المجتمعات المحلية والأنظمة التي تشكل معتقداتها. الموضوع ليس افتقاد المرأة للتعبير أو دورها الفاعل في المجتمع، بل كيف تُترجم هذا الدور في السياق الأوسع للمجتمعي الخليجي، وهذا ما نريد دراسته.
كثير ممن يسمون أنفسهم “نسويين” في منطقة الخليج يطالبون في الواقع بحقوق المرأة من خلال إطار سياسي واجتماعي. “النسويات” يطالبن بالاستقلالية الذاتية الكاملة لحياتهن ويطالبن بحياة لا يحددها ولا يتحكم فيها الخطاب السائد الذي يضع “التقاليد” في مقابل “المعاصرة”. ومن ثم، فإن النساء يطالبن بمعاملتهن كبشر. ومع هذا فإن مصطلح “النسوية” و”النسويات” يثير ردود فعل سلبية ودفاعية من المجمتمع المحافظ الذي تفتقد فيه المرأة أهليتها وتكاد تأتي فيه أيضًا جهود دعم قضية حقوق المرأة بنتائج عكسية. مرة أخرى أكرر أننا نخسر الكثير عند الدفاع عن مصطلح النسوية بدلًا من التركيز على دلالاته.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *