Pages Menu
Categories Menu
حركات النضال النسوية العالمية بين الأنوثة ووحدة النوع

حركات النضال النسوية العالمية بين الأنوثة ووحدة النوع

حركات النضال النسوية العالمية بين الأنوثة ووحدة النوع

بقلم : د. رضا الموسوي

 

يخلط الكثير من القراء بين مصطلح النسوية (Femenism) ومصطلح حركات تحرير المرأة (Woman  s Leberation  Movment) لكن الحقيقة تحمل في طياتها اختلافا لغويا وفكريا يعطي هذا المصطلح تمييزه ومطالبه وخصوصياته. 
فمصطلح النسوية كما ظ سارة كامبل في كتابها النسوية وما بعد النسوية حركة سعت الى تغيير المواقف من المرأة كامرأة قبل تغيير الظروف القائمة وما تتعرض اليه النساء من اجحاف كمواطنات على المستويات القانونية والحقوقية في العمل والعلم والمشاركة في السلطة السياسية والمدنية، ولهذا فقد تصدت النسوية في فكرها الى ما توارثته الذاكرة الجمعية والفردية من افكار سلبية عن المرأة من خلال الكتابات القديمة ـ اليهودية ـ والمسيحية ـ لها وقد اثبتت هذه الحركات بان النظرة الدونية للمرأة ما هي الا نتاج ترسبات القت باعبائها عليها عن طريق الثقافات السائدة وهي قطعا لا تمتلك اية جذور حقيقية او مصادر طبيعية تستند عليها. ومن هنا فان الطروحات النسوية قد جاءت بعد مراجعات نقدية سابرة للاطر المعرفية والمناهج العامة للفكر الغربي.
ان الاطار الحضاري والمعرفي بمفاهيمه المختلفة يرى ان المرأة تشكل العمود الفقري لمؤسسة الاسرة الانسانية ولهذا فان من المستحيل الانزلاق في التجريب اللا نهائي المنزلق التي لا تسنده نقطة بدء انسانية مشتركة ولا تحده اية حدود او قيود انسانية او تاريخية او اخلاقية.
وهذا المنظور التاريخي والحضاري كان ايضا الاطار الاساسي للحركات النسوية في الغرب في منتصف الستينيات.
ففي اشكال متعددة ومتغيرات معقدة طرحت الكثير من المفكرات النسويات امثال فرجينيا وولف وغيرها مفاهيم متعددة عن النسوية والنقد النسوي والكتابات النسوية بمحتوياتها المعرفية والثقافية بحيث شكل مفهوم النسوية مناخا للرأسمالية السياسية والاقتصادية الليبرالية وتطور المذاهب الفلسفية من الوضعية الى التجريبية والتفكيكية اضافة الى تطور العلوم البايولوجية التي ارست تصورا جديدا عن المرأة.
ولهذا فقد اختلفت مصطلح الـ(النسوية) عن مفهوم حركة تحرير المرأة.
ولكن الحضارة الاوروبية رشدت العلمنة والمادية في المجتمع فادخلت الكثير من التطورات التي غيرت من توجهات وبنية مصطلح النسوية صاغت من خلالها الانسان (ذكر ـ انثى) في ضوء معايير ومقاييس المنفعة المادية والجدوى الاقتصادية مما ادى الى هيمنة قيم مادية مظهرية مثل كفاءة العمل وقيم الحياة العامة الظاهرية في حين اهملت دور المرأة الام وهو المظهر الجوهري التحتي لها فصار انتاجها واستهلاكه يحظى باهمية تفوق كونها الاساس في تحقيق الطمأنينة النفسية والاجتماعية الاساس في تطور ونمو المجتمع.
وبهذا صارت مثلها مثل السلعة في الدول الرأسمالية خاضعة لقوانين العرض والطلب.
لقد استخدمت النسوية المعاصرة ستراتيجيات تفكيكية ارادت بها زعزعة استقرار النظام الثنائي الكامن في ثنائية المذكر/ المؤنث وتخلخل الهياكل الاساسية التي تقوم عليها هذه الثنائية منعا للتمييز بينهما قاصدة بذلك اتاحة الفرصة للرجال والنساء المشاركة للتوصل الى طرق جديدة لصياغة الذات المعاصرة،/ لذا يجب دراسة النسوية وكما تقول افيلين ريد في كتابها liberation of women  من داخل اطارها التاريخي الانساني فندرك ان مشكلة المرأة مشكلة انسانية لها سماتها الخاصة.
واذا كانت هذه الحركة تتحرك على وفق هذا المنظور فسترى ان اشكالية فهم هذه الحركات تنبع من حقيقة تناولها لدور المرأة في الحياة وفهم المشاركات في هذه الحركات فهما ضبابيا بحيث انهن خلطن بين المطالبة بحقوق المرأة وبين فقدها لانوثتها فمصطلح النسوية ولد من رحم مصطلحات تعود بجذورها الى الانثوية وصفاتها وهو مفهوم منحوت يربك القارئ ويشوش مفهومه ولكن اخذنا له بمثل هذه النظرة يجعلنا قاصرين عن رؤية تقلبات الحياة من الناحية التاريخية وينحو بنا نحو التجوهر وهو نوع من التقوقع وعدم التفاعل مع المتغيرات المتنوعة اجتماعيا واقتصاديا.
يرى علم النفس ان الانسان يخضع لمكونين انوثة/ ذكورة كما تحدث عنها فرويد ومن ثم فان هذه الانوثة والذكورة تشترك في بعض الصفات وبعض المواقف وكما قالت: مارغريت ميد ان احد الجنسين اذا ما تألم فان الجنس الاخر يتألم بدوره، والقضية بهذا المفهوم تكون تناغما روحيا على وفق ايكولوجيا خاصة به. ولكن تغلغل المرجعية المادية وتركيزها على الكم مقابل تراجع المرجعية الانسانية عن الكيف جعل البعد الانساني الاجتماعي يتراجع بحيث تم ادراك الانسان خارج اي سياق اجتماعي انساني، واصبح الانسان كائنا طبيعيا ماديا كميا باتجاهه نحو مركزية الكون ولا يمتلك مكانة خاصة به فصار يسري عليه ما يسري على الاشياء الطبيعية الاخرى.
وبهذا تم تفكيكه تماما وتحويله من انسان منفصل عن هذه الطبيعة الى انسان مادي يتحدى ويذوب فيها ويستمد معاييره منها. هكذا نرى كيف ان العلوم حاولت ان ترسم خريطة المؤنت والمذكر وان هذا الرسم تعرض للنقد والتجاوز بفضل اكتساب ادوات معرفية جديدة تساعد في تجديد المقاربات والرؤى.
وقد مرت الحركات النسوية كما ترى جين فريدمن في كتابها (النسوية بتداعيات احدها كسر البنى الثنائية للمرجعيات العامة والخاصة وقد علمت هذه الحركات ان القوة في كل العلاقات والبنى مشهودة وهي واحدة من جملة الموارد المهمة جدا التي جعلت النسوية تؤثر في النظريات الاجتماعية والسياسية الحاضرة.
لقد مرت النسوية الغربية كما اشارت غامبل في كتابها ـ النسوية وما بعد النسوية ـ بثلاث موجات مهمة، ترى ان اولاها رفضت تفسيرات البيلوجيا والتحليل النفسي والفرويدي والاطروحة الماركسية معيدة قمع المرأة الى الشكل الثقافي لها كاخر، وتورد الكاتبة هنا مقولة المفكرة الفرنسية سيمون دو فوار (ان المراة لم تولد امراة بل تصبح امراة) بينما دعت الموجة الثانية ـ والرأي هنا  تامبي فريدام الى اعادة تشكيل الصور الثقافية للانوثة بما يسمح بان يصل الى النضوج واكتمال الذات ـ تحقيق الذات ـ كونها غامضة وغريزية وقريبة من خلق المرأة واصلها الى درجة ان العلم الذي صنعه الرجل قد لا يتمكن من فهمها.
لقد نوقش مفهوم الانوثة والعلاقة بالابوة والايدلوجيا من قبل ثلاثة تيارات للنسوية اضافة الى نسوية التحليل النفسي وهذه التيارات هي:
 تيارات ليبرالية
 تيارات راديكالية
 تيارات اشتراكية
وكان الهدف من هذه المنافسة استنهاض الوعي والنظر الى الثقافة على انها من الامور السياسية باعتبار ان الصور والمعاني والرؤى الثقافية تعمل على تعريف معنى المرأة وفرض السيطرة عليها، وان المطلوب هو ثورة في اللغة والثقافة الى جانب الهياكل المادية والسعي لتغيير العالم الداخلي للخبرة الجسدية والاستعمار والاسكات الثقافي فضلا عن تغيير الظروف المادية والاجتماعية للعالم الخارجي.
ان القراءة المتأنية تبين لنا ان المشكلة تنبع من ان الرجل قد تم تحديثه بشكل متطرف وتم استيعابه في هذه الحركة الاستهلاكية العمياء بحيث اصبحت البدائل المطروحة امامه تفوق بكثير البدائل المطروحة امام المرأة.
النوع الاجتماعي
لقد اكتسبت الموجة الثانية للنسوية طابعا اكاديميا سواء داخل مجال الدراسات النسوية او في غيرها من المجالات، ولكن هويتها السياسية قد شهدت تصدعا بسبب الخلاف المتعدد على تعريفها من قبل النساء انفسهن.
اذ دخل في منتصف الثمانينيات مصطلح ليس له معنى محدد المعاني الا وهو مصطلح ما بعد النسوية postfemnism.
واثير الجدل حول مكوناته وحول ما هيته كما هو الحال مع ما اثاره مصطلح ما بعد الحداثة postmodernism .
ولكن هذه المرة مال الجدل لصالح النزعة الانسانية الليبرالية التي تتميز بالتكيف المرن مع الاحتياجات والرغبات الفردية وحاول وضع مجموعة من الاولويات التي تمثل الرجل، الا ان بعض المفكرات في المجال النسوي اعتبرن ان ما بعد النسوية بمثابة رفض لمكاسب النسوية ونضالاتها السياسية اذ انه يبعدها عن العمل السياسي والاجتماعي وعرفها بانها ظاهرة يساعد في تحريكها السوق والاعلام الذي يرى ان المرأة هي مجال اختصاصه كما اشارت جرماين جرير.
ان ما بعد النسوية جاء ليوجه انظار النساء الى ما يسمى بظاهرة فقر التأنيث التي صارت ظاهرة اجتماعية معروفة في الولايات المتحدة فبدت المرأة في اطار ما ممنوح لها من حرية الرجل في ظل النسوية صار بامكان الرجل التعايش معها لفترة معينة وقد تنجب منه طفلا او طفلين من دون رباط زوجي شرعي ثم يعمد هذا الرجل الى تحقيق ذاته في ما يسمى التمركز حول الذكورة وترك هذه المرأة وحدها ـ وبدافع من الملل او المشاجرات  ـ ترعى اطفالها الامر الذي يزيد من اعبائها النفسية والاجتماعية والاقتصادية مهما دفع الرجل من نفقة (ازداد الرجال متعة وحركة استهلاكية.
ومما يلفت النظر ان معظم النساء اللواتي يرتبطن بما بعد النسوية لا ينسبن وصف انفسهن بانهن ما بعد نسويات وانما الاخرون وصفوهن بهذه الصفة، وعلى اية حال فان الاعلام هو المتهم الاول في الترويج لما بعد النسوية التي تعد حركة نظرية اكثر مما هي واقعية بل وتمثل تفكيكا معرفيا تعدديا كرس لتحجيم الانماط التفكيرية التي ترمي الى العمومية.
واذا ما قرأنا نظريات كريستيفيا وسيكسو التي بنيت على التفكيك والاختلاف بتان نرى انها وصلت الى طريق مسدود مما تطلب ان يتم التحدث عن موجة ثالثة من موجات النسوية من خلالها لا تجد النسويات حالة التناقض والتعدد.
ان الموجة الثالثة من الحركات النسوية اخذت افكارها من تجارب نسويات العالم الثالث اللواتي قدمن نقدا للحركة النسوية البيضاء في الغرب.
واعيد الربط مع العمل السياسي وضرورة التصدي للظلم الاجتماعي مع الموازنة بين المرونة والاتزان ونقد التبعية وحاولت هذه الموجة تفكيك الافتراض الذي يعد الفروق بين الجنسين فروقا اصلية في طبيعتها ـ في ما يتعلق بالعنصر والنوع ـ وبذلك حاولت عبور الهوة بين النظرية والتطبيق.
لقد درست هذه النظرية قضية المرأة داخل الاطار التاريخي والانساني فادركت انها قضية انسانية ذات سمات خاصة بها نافضة عن نفسها غبار التبعية الادراكية وهي تبحث عن حلول لمشاكلها التي ولدت من نماذجها المعرفية ومنظوماتها القيمية والاخلاقية وانسانيتها المشتركة.
في المؤتمر الدولي الرابع حول المرأة الذي عقد في بكين عام 1995 ظهر للوجود مصطلح جديد اريد له ان يكون حلا سحريا لهذه القضية التي تمتاز بالضبابية في فلسفتها المطلبية الا وهو مصطلح Gender الذي عرفه بانه نوع الجنس من حيث الذكورة والانوثة وقد عرفته منظمة الصحة العالمية على انه المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية لا علاقة لها بالاختلافات العضوية.
ولعل من المفيد القول ان قضية المرأة في البلاد العربية والعراق اخذت منحى اخر غير النظرة الدونية للمرأة بعين الرجل وانما التناسي والاغفال والانصياع لاجزاء من تشكيلات الذاكرة الجمعية لديه يركزه حول كونها قاصرة وفقا للفهم الخاطئ لفلسفة هذا القصور وكذلك ما تحتفظ به ذاكرته الفردية كونها جزءا من الذاكرة الجمعية عن المرأة وهي تباع وتشترى كجارية في الازمنة الغابرة، لذا فان حركة النضال في هذه المجتمعات يجب ان تنطلق من هذا الاتجاه باطراف تصحيحية لايكولوجيا التناول ومع كل هذا الطرح الذي قد نجد له صورا سلبية في بعض البلدان العربية الا ان تجربتنا الجديدة ابرزت وجه المرأة العربية التي لا تلهث وراء فقدان الانوثة ولا تعير اهتماما لمعاني الجندر بقدر ما تعير اهتماما لعملها في تنشئة الاطفال او العمل في الخارج وهمها الوحيد ان تثبت جدارة في ذلك وتنال اعجاب الرجل واحترامه.
ومع تعدد ثقافاتها وتدرجها في المناصب الاجتماعية والادارية الا ان الكثير من النساء يبدين اعتزازا بهذا الامتياز الذي يميزهن بين نساء العالم اجمع.
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=19424

 

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *