Pages Menu
Categories Menu
“أبكي وأرقص”… ذكور تمردوا على “الرجل الشرقي”

“أبكي وأرقص”… ذكور تمردوا على “الرجل الشرقي”

المصدر إيناس كمال – رصيف 22

حتى وقت قريب، كنت أظن أن المجتمع أعطى للرجل كامل الحرية ليكون ما يريده، حتى فاجأني صديق تخطى الثلاثين، أن عائلته تلحّ عليه في أمر الزواج، معللين تلهفهم أن فتيات العشرين لن يقبلوا به لكبر سنه.

المجتمع وضع صوراً نمطية للرجال يدفعون ثمنها، تحدث لـرصيف22 عن تجاربهم مع تلك الصور، رجال قرروا أن “دور الرجل الشرقي” بات لا يناسبهم.

“الرجولة عادية وليست فضيلة”

ربما يجيز المجتمع رقص النساء “على واحدة ونص”، لكنه لا يحترم رجلاً يرقصها، لأنه يرى أن مفهوم الرجولة يتعارض مع الرقص، هذا ما يظنه بعض الشباب الذين يرفضون القوالب المحددة سلفاً من المجتمع، ومنهم محمود جابر (30 عاماً)، الذي يؤكد أن نظرة المجتمع ظالمة، حينما أرادت تحديد حياته بعدم القيام بأفعال يصفها بأنها “إنسانية”، يحرمه منها المجتمع بتعليقات تنقص من رجولته.

جابر، والذي يدير مؤسسة مجتمعية تُعنى بالفن والثقافة في القاهرة، قال إنه كان رجلاً شرقياً وفقاً لرؤية المجتمع، لكن ثورة يناير 2011 غيرت وعيه، فبدأ يقرأ كثيراً، ويحضر العديد من التدريبات عن المساواة بين الرجل والمرأة، يقول لرصيف22: “اكتشفت كوني راجل مش ميزة كبيرة ولا حاجة قليلة، أنا إنسان عادي جداً”.

عبر عدة سنوات، كسر جابر “تابوهات” اجتماعية كثيرة “للرجل الشرقي”، ساعدته على فهم طبيعة المرأة والرجل في المجتمع، يقول: “عرفت قد إيه والدتي شخص عظيم وقوي، قدرت تربي 5 أطفال بدون رجل حتى تزوجوا، وكانت أكبر مثال حي أن الست زي الراجل”.

أما عن المحاذير التي وضعها المجتمع عليه كرجل؛ فكانت على سبيل المثال: “قيل لي إني راجل ما ينفعش أبكي، وأنا شايف إنه البكا عادي، أنا إنسان وسمة من سماتي إني أبكي وأعبر عن مشاعري بيه، أنا ببكي قدام إخواتي، وفي أي وقت ببقى قادر فيه إني أبكي”.

“اذبح فأنت رجل”

“لأنك رجل، اذبح”، يقول محمود، والذي ولد ونشأ في محافظة “كفر الشيخ”، في أواخر العقد الثاني من عمره، في طبيعة ريفية تقدس العادات والتقاليد، إنه تعرض لإساءات من المقربين عندما علموا أنه يكره الذبح ورؤية الدماء، وشككوا في رجولته، لكنه لم يكترث لما قالوه.

أما أشد لحظات الضغط من المجتمع عليه كانت وقت زواجه وحتى طلاقه، يقول: “اتقالي انت راجل ما ينفعش العصمة تكون مع زوجتك مشتركة لأنها كانت مشتركة بينا، وماينفعش مراتك تلبس اللي هي عايزاه وتتعامل براحتها، وكنت بشوف إنها هي حرة في لبسها وحياتها زي مانا حر في لبسي وحياتي”.

لم يكتف المجتمع بوضع قيود على تصرفات جابر، لكن ملابسه أيضاً، وبحسب محمود فإن بعض الألوان محروم من لبسها مثل اللون “البينك Pink” رغم حبه لهذا اللون، وكذلك ارتداء السلاسل والرقص، يقول لرصيف22: “رؤية الناس للرقص بشعة، عملوه احتكار للستات رغم إنه علاج، إنت بترقص فبتتعالج من الضغط اللي بيحصل عليك، وده صعب الناس تتقبله”.

“أنا لست سوبر مان”

ومن الريف شمالاً، إلى الريف جنوباً، يرى الكاتب رجائي موسى، أن المجتمع خلق مجموعة من الصور النمطية جعلت الرجال مسجونين فيها وعبيداً لها، فمطلوب من الرجل أن يكون مصدراً للحماية، العقل، الإنفاق والقوة، أي أن يكون “سوبرمان” يتحلى بقدرات خارقة، تجعله لا يتقبل نفسه حينما يخفق في أحدها، ويظل طوال الوقت يعمل وفقاً لهذه الصور.

يعود الكاتب، المولود في ريف محافظة المنيا ذات التقاليد الشديدة الانغلاق والأصولية، فيقول: “في صغرنا كنا نحمل مسؤولية كبيرة وكثيرة ومرهقة لأننا الذكور، كان بيتقالي ما ينفعش إخواتك البنات يخرجوا يجيبوا حاجة من السوق”، لكن كان لا يمانع أن يشركهن معه في لعب كرة القدم (تصنف كلعبة ذكورية)، وكانت ممارسة يومية، ما جعل شقيقاته معتزات بذلك حتى الآن، رغم مرور أكثر من 30 عاماً على تلك الواقعة، وهو ضد ما كان يقال له: “إنت راجل ما ينفعش تعمل كده”.

يعطي المجتمع الرجل السلطة والحرية، لكن ذلك له تكلفة، يقول موسى: “كانت تكلفة رهيبة في مقابل السلطة، لأنها تصعّب على الرجل القدرة على التحرر من هذا الإطار، كما تسلبك شيئاً أساسياً من تكوينك كإنسان، وهو أن تكون عاطفياً وحساساً أو ملمّاً بأمور مثل الطبخ والملابس، كل ده بيخليك مش إنت، بيخليك نمطي”، بحسب الكاتب الأربعيني.

“اللحظة الحاسمة” وهي لحظة التحرر من كل ذلك، يصفها رجائي بتحفظ، أنها تلك اللحظة التي تخلص فيها من سيطرة الدين عليه، فالنصوص جميعها، بحسب اعتقاده، تؤكد أن الله ذكر، وبالتالي تم صياغة كل المفاهيم المجتمعية وفقاً للتصور عن الله، ولم تعجب رؤيته أصحاب الفكر المتشدد من المنتمين للجماعات الدينية، فتعرّض للتهديد بالقتل منهم.

“الست بتنضرب والراجل لأ”

مي عامر، الباحثة في دراسات النوع الاجتماعي، تؤكد لرصيف22 أن المجتمع الأبوي الذي نعيش فيه لا يعطي الحرية المطلقة للرجال، لكنه يضع أدواراً له، ومن يخرج عنها يُنكّل به، ولأنه ذكوري فهو يعطي صلاحيات السلطة للرجل ويسمح له بتواجد أكبر في المجال العام.

وتضيف عامر: “ممكن راجل يمشي بشورت وتي شيرت في الشارع لكن ما يقدرش يمشي بفستان، بيتعاقب، وده اللى بيحصل للرجال المثليين، بيتعاقبوا زى الستات بالظبط”، مؤكدة أن الرجل الذي يخالف هذه الأدوار يُعاقب بعنف، بدءاً من التنمر، العنف اللفظي، سحب سلطته، سحب الثقة منه وحتى الضرب، والفارق بين الرجال والنساء، أن الرجال يخافون على ذكورية المجتمع الجمعية.

وتنهي عامر حديثها قائلة: “ماينفعش راجل يتحبس ولا يتضرب ضرب مبرح، في الآخر المجتمع بيعده عشان يكون راجل بيت، لكن البنت منتظر منها الطاعة طول الوقت”.

“الذكورية تجعلنا أنانيين”

أما تامر زكي (26 عاماً)، ويعمل في المحاماة، فيتفق مع نظرة مي، بشأن كسر الرجل للأدوار النمطية، مؤكداً أنه لا يرى أي غضاضة أن يظهر ضعفه أمام امرأته ويحب أن يمتثل لكلامها، يقول: “باسمع كلامها وأهتم برأيها وأقدملها الاحترام الكامل، وبساعدها في شغل البيت”.

يضيف زكي أن المجتمع ينهره لما يفعل، ويقول له: “ما ينفعش الست تمشي كلامها على الراجل”، لكنه يرى عكس ذلك، كما أنه لا يتحرج أن يبكي أمامها إذا كان بحاجة إليها.

ويتابع زكي لرصيف22: “الذكورية جعلت من الرجل في مجتمعنا شخصاً انتهازياً أنانياً أجوف، لقلة إحساسه وشعوره، ولا يفكر كيف يسعد امرأته بقدر ما يفكر في لذته ومزاجه فقط وده أخطر حاجة بالنسبة لي”.

ويشدد زكي على أن هذه الصور النمطية تؤثر على العلاقات الاجتماعية التي يكون الرجل طرفاً فيها، مثل الصداقة والزواج والحب، فتجعله غير مسؤول، ويقول بحسب عمله في المحاماة: “بنشوف ده كتير أوي آباء بعد الانفصال بيرموا ولادهم لأمهم وبيروحوا هما يتجوزوا تاني وبيدوروا على متعتهم بأي طريقة”.

بعض المتخصصين في علم الطاقة والوعي، مثل دكتور إيهاب حمارنة، الذي يتابع قناته أكثر من 180 ألف شخص عبر يوتيوب، يرى أن كل رجل بداخله طاقة أنثى، ويشدد على أهمية التواصل مع تلك الطاقة، يقول في مقطع فيديو له عن أسباب قمع المرأة: “حتى نصبح جنساً مزدهراً قادراً على الأخذ والعطاء بدون أحكام مسبقة، على الرجل أن يتواصل مع الطاقة الأنثوية الموجودة بداخله، ويوحدها مع الطاقة الذكرية، ليصبح هناك عملية تكامل نفسي كاملة، وعندما تعطي الإحساس بالأمان للأنثى أنت تعطيه للطاقة الأنثوية داخلك”.

أنا بشوف الراجل عشان ينمي الجزء العاطفي عنده، ويزود تحمله المسؤولية والتزامه الأخلاقي، لازم يتعلم من خلال حبه واتصاله العاطفي الشديد بالمرأة، ده هيخليه وهيخلي العلاقة أكثر تكاملاً بينهم الاثنين”.

المحامي العشريني، يرى أن أغلب الانتقادات الموجهة له تكون من فتيات، معللاً ذلك أن وضع المرأة في المجتمع جعلها “مُستقبِلة” فقط، لذلك الكثيرات منهن تشرّبن الفكر الذكوري أكثر من الرجل.

في هذا السياق، تؤكد الباحثة مي عامر، أن “سجن” الصور النمطية للرجل يؤثر على علاقاته الاجتماعية بخطورة تجعله فاشلاً في تكوين علاقة ناجحة مع المرأة، ففي البداية، يؤهله المجتمع ليكون مسؤولاً عن المرأة، وبالتالي عليه أن يربيها ويعاقبها، لذلك لا يصبح شريكاً في العلاقة وإنما مربٍ وراعٍ، وهذا يضرب المساواة في مقتل، مضيفة: “في لحظة بيكون الراجل بيعمل دور هو نفسه مش مقتنع بيه”.

وأكدت دراسة نشرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، حول معنى الرجولة في مصر، أن الرجال والنساء يقرنون “الرجولة” بالشجاعة والقوة والكرامة والجَلَد، ويميل الشباب لرؤية “الرجولة” أنها القدرة على فرض الإرادة والرأي، لكن الأكبر سناً يرونها تعنى الأخلاق والتسامح والقدرة على الصمود.

وتؤكد الدراسة أن الرجال يتعرضون لضغوط نفسية شديدة في حال عدم عثورهم على وظيفة، أو أن وظيفتهم لا تدرّ الدخل المناسب، وقال نصفهم إنهم يشعرون بالخجل بمواجهة الأسرة عندما “يعجزون” عن الحصول على دخل كاف.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *