Pages Menu
Categories Menu
النسوية.. حين تتحول من نضال إلى أيديولوجيا

النسوية.. حين تتحول من نضال إلى أيديولوجيا

المصدر الأيام السورية؛ عمار عكاش

ماذا يعني على الصعيد الفردي أن تكون المرأة نسويّةً؟ وهل يعني الأمر أن تكون المرأة (وحتى الرجل) نسويّةً على صعيد النشاط السياسي والمدني؟ وعلى الصعيد الشخصي؟ هل يعني ذلك مثلاً أن المرأة تؤمن بتوجهٍ معيّن في الحركة النسوية؟

شهد العقدان الأخيران انتشاراً عالمياً واسعاً للحركة النسويّة بطريقة متسارعة، وباتت شرائح ضخمة من النساء تعتبر نفسها جزءً من الحركة النسوية العالميّة.

ولعلّ أكثر ما يجمع المنطوين تحت لواء هذه الحركة الكونية هو الجانب الحقوقي الذي يتحدث عن فتح الفضاء العام أكثر أمام المرأة، وإزالة التمييز في المجتمع بقطاعاته التعليمية والسياسية والاقتصادية.

وربما إن بذلنا جهداً للاطلاع على الكتابات النسويّة بتوجّهاتها المختلفة سنتمكن من التقاط ما يشبه المبادئ العامة التي تجمع الكثير من الحركات النسويّة في العالم. ولكن يبدو هذا الأمر غير مفهوم وشديد الغموض حين نسأل ماذا يعني على الصعيد الفردي أن تكون المرأة نسويّةً؟ ففي حالات الأحزاب التقليدية سادت في شرقنا الأوسط صيغة متعارف عليها، يوجد معها أعضاء في الحزب، ومؤيدون له، وفي دول أخرى أكثر تقدماً هناك أعضاء وهناك كتلة ناخبة تصوّت للحزب، لكن في الحالة النسوية هل يعني الأمر أن تكون المرأة (وحتى الرجل) نسويّةً على صعيد النشاط السياسي والمدني؟ وعلى الصعيد الشخصي؟.

هل يعني ذلك مثلاً أن المرأة تؤمن بتوجهٍ معيّن في الحركة النسوية؟ وأن المرأة تمارس نشاطاتٍ محدّدة؟ حقيقةً في كثير من الأحيان يبدو أنه يكفي أن تصف أيّ سيدة أو فتاة نفسها بالنسويّة كي تصبح نسويّة: “أنا نسوية” وانقضى الأمر. وهو ما تعلّق عليه الكاتبة الأمريكيّة النسويّة جيسّا كريسبين Jessa Crispin – في كتابها المعنون بـ : لماذا لست نسويةً – بقولها: “أعرّفُ نفسي كنسوية، فيكون كل ما أقوم به فعلاً نسوياً، لا يهمّ مقدار تفاهته أو رجعيته، أيّاً كان الفعل الذي أقوم ، فأنا بطلة”.

يعني هذا الكلام أن كل ما تفعله امرأة سمّتْ نفسها نسويةً على الصعيد الشخصي يصبح فعلاً نسويّاً، ولا يهمّ مدى خدمته لقضايا المرأة، فيمكن أن يعاد سرد أي فعل بطريقة يظهر معها كفعل يصبّ في حركة النضال النسويّة.

ألاحظ هذا الأمر في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي العربية، ففي مثل هذا الفضاء المفتوح يمكن لأي شخص أن ينشر ما يشاء، لا يتعلق الأمر فقط بنشر آراء، بل نجد الكثيرات تنشرن تفاصيل يوميّة مثل تغيير في زيهن، أو مكياجهم وفي طريقة تصفيف شعرهنّ وهو أمر طبيعي، لكن الجديد هنا لدى البعض هو طرح الأمر على أنه فعل نسوي، ويمكن أن يكون الأمر مقبولاً خاصة حين نكون إزاء حالة لامرأة تتخذ قراراً بخلع الحجاب أو تتخذ قراراً حياتيّاً ما رغم معارضة الأهل والمحيط، ولكن الغريب أن الكثير من النساء ممنّ تفضلن نمطاً معيناً من الماكياج والزي المساير للموضة، ترفقن صورهن بهجومٍ على نسويّاتٍ أخريات بعبارات مثل: “أنا نسوية، ولست معقّدة ، فالنسوية لا تعني أن أهمل شكلي”، أو “لا تعني النسوية أن أهمل شكلي وألّا أحبّ الموضة”، الطريف في الأمر أن هذا الكلام لو فكرنا فيه سيشمل مناضلاتٍ نسويات لامعات، دخل بعضهن السجن أمثال أنجيلا ديفيس أندريا دوركين وكاثرين ماكنون Andrea Dworkin,Catherine MacKinnon and Angela Davis، وانتزعن الكثير من حقوق المرأة بنضالهن في ظروف أصعب من وقتنا الحالي، كما أن هذا الكلام يشمل هجوماً على نساءٍ أخريات لا تتفقن معهن بوسمهم بسماتٍ يعشق عادة إطلاقها عليهن الذكوريون الذين تهاجمهن النسويات.

في مثل هذا النوع من المنشورات النسوية للنسويات المحبات للموضة تتوقف النساء اللاتي لا تتماثلن معهن في الموقف من الزي والماكياج عن كونهم أخواتٍ لهن في النضال!. ألا يمكن أن ترتدي المرأة ما تشاء كفعل شخصي، وخيار، ولا حاجة لهذا التسييس لفعل شخصي وإضفاء طابع نسوي تحديثي عليه، ولا حاجة لتبريره بالصواب والخطأ من حيث مدى نسويّته، فليس كل تفصيل شخصي شأناً عاماً.

أضيف أنني بحكم معرفتي بالأوساط التي تُعتبر أكثر انفتاحاً وليبرالية من سواها في سوريا، عادة ما يجري في هذه الأوساط الحكم على أي علاقة بين رجل وامرأة من مبدأ التضامن الفوري مع المرأة، أو وفقاً لمبدأ معاكس يفترض أن الرجل أكثر تحرراً ومن الصعب على شريكته ذات الرواسب المجتمعية التقليديّة أن تجاريه.

المشكلة أن كل علاقة لها خصوصيتها وليس لنا أن نعرف تفاصيلها، ولا يعني وجود بنية بطريركية أن الرجل هو الطرف المسيء دوماً، عدا عن أنه ثمة تفاصيل لها علاقة بشخصية المرأة والرجل كأفراد، وردود فعلهما إزاء العلاقات، وحدة عواطفهما من حقد وحب وكره وغضب، كل هذه الأمور ليس من السهل معرفتها إلا لمن كان على اطلاع وثيق على تفاصيل العلاقة. لكن بات من السهل على أي امرأة تتمتع بحرية الكتابة في فضاء مفتوح كالفييس بوك أن تتحدث عن تفاصيل علاقاتها وأن تشاركها (وهو أمر غير سلبي من حيث المبدأ)، لكن الإشكالية حين يكون الغرض هو فقط التشهير، أو تفريغ ضغينة قد تنتهي إليها بعض علاقات الحب، فنجد أن الوسيلة المثلى لتغليف هذا المنتج التشهيري الانتقامي هي وضع عبارات ذهبية تروق لنا لمعرفتنا أن الكثير من النساء تعانين منها، مثل: “تنمّر، عنف، عادات بالية، كوني شجاعة وتحرري”.

ونجد أنفسنا، نعلق فوراً متضامنين، ويحصد المنشور مئات وألوف الاعجابات. لكن المصيبة أننا لا نسأل أنفسنا، هل نعرف ما الذي جرى في العلاقة الشخصيّة للمرأة التي تتحدث؟ هل نعرف عن الذكر شريكها شيئاً عدا عن اسمه؟ .

يبدو أن الموضوع بات يتحول إلى أيديولوجيا تذكرني بالشيوعيين حين يقفون عكس موقف الولايات المتحدة دوماً حباً في الوقوف ضدها بدلاً من تحليل كل حالة وأسبابها. أذكر أنه في إحدى العلاقات العاطفيّة التي كنت شاهداً عن كثب على تفاصيلها من بدايتها حتى نهايتها، كانت إحدى صديقاتي قد استخدمت كلمة عنف في اتهام شريكها في منشور على الفييس بوك، وحصدت إعجاباتٍ وتعليقاتٍ تضامنيّة من أشخاص لا تعرفهم، ومن قلة تعرفهم، بعضهم ذكور كان دافعهم ببساطة أنه لم يكونوا على ودٍّ مع شريكها الذكر. وحين راجعتها بحكم صداقتنا، وقلت لها: ” متى استخدم الرجل العنف معك؟”، أجابتني: “كان يمارس عنفاً لفظياً معي، ويتلاعب بعواطفي”.

راجعتها بكثيرٍ من المفردات التي كانت تستخدمها مع شريكها أقل ما يقال فيها أنها مُحطِّمة للشخصية، وقلت لها: “بصراحة أنت كنت الأسوأ بكثير من حيث العنف اللفظي، بل كنت حريصة عليه بشكل دائم، وأعتقد أن كلاكما كان يتلاعب بعواطف الآخر ويبتزه عاطفياً”. لم تعترض حينها صديقتي وعلقت بتململ: “صحيح كلانا لم يكن لطيفاً مع الآخر”. لكنها واصلت حديثها بذات الطريقة كأن حالتها الشخصيّة تمثل مظلومية نسائيّة، وكأنها حققت فعلاً نسوياً نضالياً بخروجها من علاقتها هذه.

الحركة النسوية بدون شك هي إحدى أهم الحركات التي غيّرت في بنية المجتمعات المعاصرة إلى جانب حركات سياسية أخرى، ولا بد من مواصلة نضالها في كل المجتمعات، فنحن ما زلنا حتى الآن تحت قبضة حضارة ذكورية، أنماطها الاقتصادية والسياسية ما تزال تستنزف أرواح البشر وتدمّر الكوكب، ولكنني أتمنى أن تبقى النسوية حركة متجددة حية، والخوف كل الخوف من أن تتحول إلى أيديولوجيا.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *