Pages Menu
Categories Menu
ملاحظات عامة لموسم رمضاني استثنائي

ملاحظات عامة لموسم رمضاني استثنائي

المصدر كوليت بهنا – الحرة

رمضان استثنائي يعبر هذه السنة بتزامنه مع الحظر العام والحجر المنزلي الطوعي أو الإلزامي في معظم الدول الصائمة العربية والإسلامية. في الأساس، يخفف شهر الصوم من تلقاء نفسه من النشاط البشري العام، مقابل التزام أكبر بالعائلة وطقوسها الرمضانية.
بشكل من الأشكال، انعكس الأمر إيجابيا على الدراما الرمضانية التي شهدت متابعة أكبر في هذا الموسم، كوسيلة بديلة، الترفيه أحد أهدافها، خففت نسبيا من الضغط النفسي العام الذي تسبب به شبح فايروس كورونا والحجر المنزلي، والتوتر العصبي الناشئ من متابعة أخبار الجائحة لحظة بلحظة عبر نشرات الأخبار. 
كذلك، فإن متابعة الدراما العربية كمنتَج إعلامي يقدم مجانا للمشاهد، حل جذاب وعملي لأغلبية الشرائح الاجتماعية، ولا يضيف أعباء مالية كتلك التي تفرضها بعض المنصات والمواقع في عالم الإنترنت، إضافة إلى توفر الوقت بسبب استمرار بقاء معظم الناس في بيوتها، وإلغاء الامتحانات الدراسية، وإنجاح معظم طلاب المراحل الانتقالية في العديد من هذه الدول، مما خفف من ضغط الالتزام بدوام العمل الرسمي أو الخاص، أو ضغط التفرغ لتدريس الأولاد المعتاد في فترة الامتحانات. باختصار، يمكن القول، رب ضارة نافعة.
في متابعة برامج العشرية الأولى من شهر رمضان، الدرامية أو الحوارية، والتقاط الخطوط العريضة للسياسات العامة للبرامج في عدد من المحطات العربية الأكثر مشاهدة، يمكن تسجيل عدد من النقاط الإيجابية، من أبرزها، استمرار برامج التوعية الخاصة بجائحة كورونا جنبا إلى جنب باقي البرامج لكن مع تخفيف حدة التهويل السابق، وتوظيف نجومية بعض أبطال مسلسلات رمضان لخدمة هذه التوعية والترويج لمسلسلاتهم من بيوتهم في وقت واحد، إضافة إلى عدم اقتصار سياسة التوعية على البرامج والفواصل الخاصة، بل بروزها في عمق بعض أعمال الدراما، وبخاصة ما يخص حضور المرأة ودورها وتأثيرها.

لوحظ أن بعض البرامج الدينية التي تبث على بعض المحطات، باتت تشهد حوارات جديدة ومختلفة مع بعض رجال الدين من مثل أحقية تولي المرأة أو منزلتها

أحد أبرز المثالب التي كانت تعاني منها، ما يعرف بدراما البيئة الشامية، أي تلك التي تدور أحداثها في أحياء دمشق القديمة وتلقى جاذبية وقبولا عربيا مستمرا، هو تنميط دور النساء بشخصيات تقليدية، وربطهن بقصص سطحية تساهم في تغييب أدوراهن الحقيقية، وتسفيه ذواتهن التي تدور في فلك هذه القضايا لا أكثر، من دون منح الاعتبار لزمن العمل تاريخيا أو مصداقيته التوثيقية فيما يخص الشخصيات النسوية، ويبدو أن ضغوط الإعلاميين والمثقفين واحتجاجات المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني قد أتت بعض ثمارها نسبيا، وحركت قليلا في الدفع نحو بعض التغيير ولو عن طريق الدراما.
معظم هذه المواضيع الدرامية النمطية النسوية، مثل قضايا الطلاق والزواج وتقبل المجتمع والنساء للعنف ضدهن وحرمانهن من الإرث والشرف والنميمة وغيرها، استمرت في بعض أعمال دراما البيئة الشامية التي تعرض هذا الموسم، لكنها طرحت بمعالجة أقل ذكورية أو مبالغة، ويمكن ملاحظة بعض التطور الإيجابي في بناء الشخصيات النسوية في هذه الأعمال، التي تستعير مرحلة الأربعينيات والخمسينيات كخلفية تاريخية مثل مسلسلي “بروكار” و”سوق الحرير”، وهي تطورات بدت حريصة على إظهار دور مغاير للمرأة الدمشقية والسورية عموما في تلك العقود، المؤسسة لدور النساء اجتماعيا وتعليميا ونضاليا في التاريخ السوري الحديث، ومراعاة التعددية الطائفية في المجتمع السوري. 
وقدمت شخصيات نسائية مغايرة تجمع بين المناضلة والمتعلمة والمثقفة والجريئة والقيادية والمتحررة اجتماعيا، وتوازن بين التقاليد والتقدم، سواء كانت شخصيات محافظة دينيا وترتدي الحجاب أو الملاءة، أو سافرة بملابس عصرية، استطاعت بمجموعها أن تلفت الأنظار إليها، وتضاف كنقطة لصالح هذه الأعمال وتأثيرها التحرري والتوعوي على الفئة الاجتماعية المشاهِدة، وفي مقدمها المرأة العربية.
في الدراما المصرية، يمكن التوقف عند مسلسل ملفت في هذا السياق والذي حمل عنوان “ونحب تاني ليه”، وهو دراما اجتماعية تعالج مسألة استبداد الزوج بعد تطليق زوجته، ومضايقاته لها وتدخله السافر في قدرها لحرمانها من حقها في الحب أو الزواج مرة أخرى، رغم ممارسته لحريته الكاملة في حياته، كما يسلط الضوء على حياة المرأة المطلقة واضطرارها للعيش في منزل أهلها والتنازلات التي عليها تقديمها لجميع الأطراف. 

بعض هذه التغييرات الإيجابية في الخطاب الإعلامي العربي تعد تطورا ولو كان طفيفا

لكن المسلسل لا يقدمها كشخصية بكّاءة أو مستسلمة لقدرها، بل ستطغى شخصيتها القيادية والواعية لكيانها ودورها، ومقدرتها على حماية ذاتها، وتحمل مسؤولياتها ومسؤوليات ابنة وأم وجدة ومدبرة منزل بوقت واحد، يشكلن عالمها الأسري النسوي الدافئ، يطرح دراميا بأسلوبية رشيقة وخفيفة الظل، ومعالجة سلسة في محتواها وتوجهها نحو أعماق نساء وحيدات مع مراعاة اختلاف أجيالهن.
خارج إطار الدراما، لوحظ أن بعض البرامج الدينية التي تبث على بعض المحطات العربية أو الخليجية، باتت تشهد حوارات جديدة ومختلفة مع بعض رجال الدين من مثل أحقية تولي المرأة أو منزلتها وغيرها من القضايا المختلَف عليها، وهي حوارات تنتهي لصالح المرأة وتوضيح النصوص وتفسيرها، وهو توجه جديد غير مألوف، يعكس انفتاحا جديدا وإيجابيا يستحق الاهتمام والمتابعة والتشجيع.
بعض هذه التغييرات الإيجابية في الخطاب الإعلامي العربي، سواء عبر الدراما أو البرامج الأخرى في الموسم الرمضاني، حيث التركيز بأعلى حالاته على التلفزيون، تعد تطورا ولو كان طفيفا، إلا أنه يخطو خطواته الأولى التي طال انتظارها، ويؤمل باستمرار زخمه ووتيرته، على أن نتلمس ونرى ترجمته العملية والحقيقية على الأرض في القريب العاجل.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *