Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
صورة المرأة بين التقديس و التدنيس

صورة المرأة بين التقديس و التدنيس

صورة المرأة بين التقديس و التدنيس

المصدر : أفكار صاخبة

 

يسعى الجميع إلى إقناعنا بان المرأة ناقصة من حيث قدراتها العقلية و الجسدية مقارنة بالرجل , وأنها ضعيفة ولا تستطيع العيش إلا اذا توافرت لها حماية ذكورية سواء من الاب او الزوج او الابن , وحتى ان البعض يقولون أن حياتها لا تكتسب معناها و كمالها إلا باقترانها برجل , و الامثلة الشعبية على ذلك كثيرة و لعل اشهرها ( ظل راجل ولا ظل حيط) . و يستمد هذا التفكير الشعبي المتداول قوته من الجانب الديني , ففي كل الاديان الابراهيمية التوحيدية نجد صورة المراة مرادفا للغواية و الفتنة و الحيل الشيطانية . فنجد شيوخ المسلمين يرددون دوما- ربما اكثر من اخوانهم المسيحيين و اليهود- أن الاسلام قد كرم و أعزها وأن الأمم السابقة كانت تحط من قيمتها و تحتقرها و يسوقون امثلة على ذلك بان المراة في عهد الجاهلية كانت تباع و تشترى و يتم وئدها و هي طفلة و انها كانت تورث , وغير ذلك من الكلام المكرر , دون تحديد إطار تاريخي مرجعي لمفهوم الجاهلية , ودون إعطاء دليل علمي على صدق أطروحتهم تلك .
وغالبا ما يتم فيه الهجوم بشكل لاذع و مهين على كل صوت نسائي يدعو المرأة الى تخليص نفسها من القيود الرجعية التي تقيدها و الالتحاق بركب الأمم المتقدمة و الحصول على استقلالية كاملة من المجتمع الذكوري الذي تعيش فيه , ويتم نعته بأنه دعوة للفساد و التحلل الأخلاقي و رغبة مبطنة في استغلال جسد المرأة بدعوى التحرر.وهكذا أصبحت المحاكمات اليومية للمرأة هواية مفضلة لهؤلاء , حيث يتبارى كل واحد في إظهار مدى خسته عن الآخر , فمن ابن الباز و العثيميين الى الحويني
والعريفي و غيرهم ,
وقد يقول قائل ان هؤلاء لا يمثلون الإسلام , وإنما يمثلون أنفسهم , و حتى لو افترضنا صدق هذه الدعوى فلم نرى أحدا يقف في وجههم داعيا إياهم الى التوقف لأنهم يشوهون صورة الإسلام , بل بالعكس كل ما نراه هو صمت مطبق من الاغلبية و ظهور فاتر محتشم من البعض , مما يعطي إحساسا بتواطؤ الجميع دون الحديث عن القاعدة الشعبية التي تتابعهم يوميا على القنوات الفضائية و تطبق فتاويهم رغم غرابتها ومنافاتها للمنطق و التفكير السليم .
موقف رجال الدين المسلمين من المرأة لا يختلف في شيء عن نظرائهم اليهود او المسيحيين , فالرجل اليهودي يقول كل صباح حين يصلي ( أحمدك يا رب لأنك لم تخلقني امرأة) بينما تحمد المرأة اليهودية في صلاتها الله قائلة ( أحمدك يا رب لأنك خلقتني وفق مشيئتك وإرادتك ) , وفي المسيحية نجد رسالة بولس التي تقول ( الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل , ولأن الرجل لم يخلق من اجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل ). وهكذا , فالأديان الإبراهيمية الثلاث تنظر للمرأة من نفس الزاوية وهي انها اقل مرتبة من الرجل و أن الطبيعة هكذا خلقتها فما عليها الا التعايش و القبول بالامر الواقع فلا مجال للإمتعاض أو الاستنكار وكل صرخة مطالبة بالتغيير ستقابلها هجومات دينية تكفيرية وقمعية لإسكاتها دون إعطاء مجال للنقاش الفكري , دون إعطاء أي مبرر علمي بالرغم من التطور العلمي الذي نعيشه في أيامنا , ودون أن الإجابة عن أسئلة تطرح نفسها بحدة : لماذا تصنف المرأة بانها اقل من الرجل ؟ من وضع هذا التصنيف؟ وهل كان منذ الأزل أم انه حديث العهد؟ وإذا كان منذ القدم فلماذا تنتفض المرأة الآن ؟ و إذا كان حدثا مستجدا فمن وضعه ومن يستفيد منه ؟
تسوق لنا أرزولا شوي في كتابها ( أصل الفروق بين الجنسين ) تجربة علمية قام بها عالما جنس امريكيان هما ماني/ ايرهارد
تتحدث التجربة عن توأمين ذكرين , أحدهما فقد قضيبه بالخطأ أثناء الختان , وعلى إثر ذلك نصح الأطباء الأم بتربيته ك( بنت)
وهكذا و بعمر 17 شهرا لبست هذه (البنت) أول فستان لها و غيرت تسريحة شعرها و بعد 4 اشهر تم اجراء عملية جراحية لها لتحويل الاعضاء الجنسية على ان يتم شق مهبل لها خلال فترة المراهقة و متابعة علاجها بواسطة الهرمونات ,
يقول ماني : ( عندما رأيناها بعد سنة , كانت راغبة في الفساتين أكثر من البناطيل , ومعتزة بشعرها الطويل . ومن يهتم لهندامه يهتم أيضا بالترتيب , فعندما أصبح عمر البنت 4 سنوات و نصف , تحدثت الأم عن أن الإبنة أكثر ترتيبا من الإبن , وإنها بعكسه لاتريد تلويث نفسها .) نستنتج إذن , أن تصرفات الطفلين المتناقضة – هي مرتبة و تهتم بهندامها و هو لا – لا ترجع الى محدد بيولوجي و إنما الى التربية التي تلقوها معا , فالمفروض اجتماعيا ان تكون البنت منذ الصغر مرتبة و مطيعة و نظيفة الملابس بعكس الولد الذي يكون مشاكسا و فوضويا . وهكذا , فالتنشئة الاجتماعية تلعب دورا حاسما في تحديد الادوار الاجتماعية حسب جنس الطفل. ولكن , لماذا تتم تربية الطفلة على الخضوع و الولد على التسلط؟ وهل هذه التربية الاجتماعية كانت منذ الأزل أم انها حديثة ؟
لقد مكنت الدراسات الانتروبولوجية الانسان المعاصر من التعرف على انماط عيش المجتمعات البدائية , فالحفريات المكتشفة تتحدث عن الاشكال الاقتصادية و الدينية التي عرفها الانسان القديم , والتي تؤكد ربط هذه المجتمعات لصورة الأنثى و الحياة , فمن رحمها تكون الولادة الجديدة للإنسان , وبسبب قدرتها تلك على الولادة و التي يفتقدها الرجل طبيعيا , تم تقديس المراة , على انها آلهة الخصب و العطاء تماما كالأرض , يقول جفري بارندر في كتابه ( المعتقدات الدينية لدى الشعوب) : إنتشرت عبادة الإلهة الأنثى في مناطق واسعة من الشرق الأدنى , لأنها تمثل قوة الخصوبة و في الطبيعة , وفي ذلك إسقاط للنموذج الأصلي عليها .
فنجد عشتار عند البابليين و تانيت عند الفينيقيين و إيزيس عند الفراعنة و أفروديت عند الاغريق و لآكشمي في الهند, وغيرهن كثيريضيق المجال لذكرهن جميعا , ورغم اختلاف البلدان والاسماء الا ان القاسم المشترك هو أن الأنثى مقدسة بحكم قدرتها على الانجاب و اعطاء الحياة لمولود جديد , وقدرتها على شفاء المريض باستعمال النباتات الطبيعية وحكمتها في تسيير شؤون مجتمعها الذي كان أموميا . ما يقودنا الى سؤالنا التالي : ما الذي تغير حتى انقلب حال المراة في المجتمع رأسا على عقب ؟
في البداية استقر الانسان وبدأ بممارسة نشاطه الزراعي في أرضه , ومع ازدياد عدد افراد مجتمعه , بدأ في ممارسة انشطة تجارية مع القبائل الاخرى , ثم اكتشف المعادن وبدأ في صناعة الأدوات بنفسه وهكذا ضعفت اهمية الزراعة في مقابل ازدياد الاهتمام بالصناعة , وظهرت لنا الملكية الفردية للأرض ومعها للمراة , وأصبح لزاما عليها المكوث في بيتها للاعتناء بالاطفال, هذا الوضع ستتم تزكيته بظهور آلهة من جنس ذكري تنازع الانثى سلطاتها , تقول سيمون دوبوفوار في كتابها ( الجنس الآخر):
كان تأليه المرأة مرتبطا بالزراعة ,أما الإنسان الذي بدأ يعمل في الصناعة فقد دشن عهد إمكانية الإنتصار على الزمن و المكان , وعهد الضرورة و الأهداف و المشاريع . لم تكن المرأة معبودة من الرجل إلا عبادة خوف فلم تكن عبادته عبادة حب .ولم يكن بوسعه استكمال ذاته إلا بتحريرها من صفاتها الألوهية . لذلك أخذ يعتبر المبدأ المذكر ( التذكير) أساس القوة المبدعة و النور والفهم و النظام .
سيتم تكريس مبدأ تفوق المبدا المذكر أيضا في الفلسفة اليونانية , وخصوصا فلسفة أرسطو التي تستقي أهميتها من التاثير الذي خلفته هذه الفلسفة في تاريخ الانسانية وليس فقط الاوربية , كما قالت سوزان بل ( الصورة التي رسمها أرسطو للمرأة بالغة الأهمية , فقد ترسبت في أعماق الثقافة الغربية وأصبحت الهادي و المرشد عن النساء بصفة عامة ) , حيث انه دافع عن مبدأ اللامساواة أي مبدأ الأعلى/ الأدنى , سيد /عبد , حاكم/ محكوم , رجل / امرأة باعتباره مبدأ طبيعيا و مفيدا . فالمرأة طبيعيا كائن أدنى مرتبة من الرجل ولهذا عليه أن يحكمها كما يحكم عبيده , فالغاية من وجودها هي خدمته , اما بالنسبة لعملية التوالد , فقد أوضح أرسطو ان مهمة المرأة الطبيعية هي الانجاب و انها مسؤولة تماما عن إنجاب الإناث , وليس لها أن تشغل أي منصب سياسي او اجتماعي أو حتى تسيير المنزل , بسبب عدم قدرتها على ممارسة الفضائل الأخلاقية مثل الرجل . وبإمكاننا أن نلاحظ أن افكار أرسطو بالرغم من قدمها وتجاوزها من قبل العلم الحديث إلا انها ماتزال تجد لها صدى في مجتمعاتنا الى اليوم , بسبب طبيعتها الذكورية.
إن الدعوة الى المساواة التامة بين المرأة و الرجل ليست خروجا عن الطبيعة الإنسانية , وليست دعوة للإنحلال الأخلاقي بل هي دعوة الى مراجعة وضعيتها الحالية وفق ما يقدمه لنا العلم الحديث , هي دعوة لمقارنة الذكر و الأنثى إنسانيا مادامت الأفكار التي تحاكم من خلالها المرأة أفكار اجتماعية وليست بيولوجية .

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *