Pages Menu
Categories Menu
“الفلسفة السياسية النسوية، سؤال السيادة والكونية”

“الفلسفة السياسية النسوية، سؤال السيادة والكونية”

المصدر فوزية حيوح – قنطرة

سيلا بنحبيب.. في استعادة المواطَنة الكونية
لا وجود لـ”إنسان يمكن تصنيفه بغير الشرعي”: يُبرز الباحث المغربي عزيز الهلالي أن أطروحة أستاذة الفلسفة سيلا بنحبيب تقوم على تصوّر يخترق مقولة الحدود ويدافع عن مواطنة كونية، فبنحبيب لن ترى في الحدود سوى حالة تتناقض مع الحريات والحقوق الأساسية للإنسان، فلا مبدأ أخلاقيا ولا عدالة كونية تسمح بوضع حدود أمام حركة الإنسان.
يتمتع الفكر السياسي لسيلا بنحبيب (إسطنبول، 1950) براهنية كبرى، هو الذي يدافع عن مواطنة كونية، ويؤسس لخطاب يتجاوز الإحراجات النظرية التي يسقط فيها الفكر السياسي الغربي من كانط إلى هابرماس، خاصة أمام قضايا الأقليات الدينية والإثنية، والمهاجرين واللاجئين، وإشكاليات السيادة والحدود. من هنا تأتي أهمية كتاب الباحث المغربي عزيز الهلالي “الفلسفة السياسية النسوية، سؤال السيادة والكونية في فكر سيلا بنحبيب”.
ستعمل سيلا بنحبيب، أستاذة العلوم السياسية والفلسفة في جامعة ييل الأميركية، على مقاربة إشكاليات السيادة والكونية من داخل العقلانية التواصلية والديمقراطية التشاورية ليورغن هابرماس، وستقوم بمراجعة نقدية لمفهومي السيادة والكونية عند كانط وحنا أرندت وشميت وراولز وأستاذها هابرماس، متطلعة عبر ذلك إلى بناء كونية منسجمة توازن بين المحلّي والكوني.
يوضح الباحث عزيز الهلالي أن مشروع كانط “نحو السلام الأبدي”، من أهم الأعمال الفلسفية التي استوحت منها بنحبيب مفهومي “الكوسموبوليتية” و”الضيافة”، ففي كتابها “حقوق الآخرين” تبرز بنحبيب التوتر الذي يخترق التصوّر الكانطي حينما يتحدث عن الحق في “الضيافة” باعتباره حقا في الزيارة فقط وليس في الإقامة، وهذا ما يقصي، إذا ما قرأناه في سياق الإشكالات المعاصرة، حقوق اللاجئين والمهاجرين والأقليات الإثنية.
إن المشروع الكانطي، في نظر بنحبيب، يؤسس لحالة من “التعايش القانوني” أكثر مما يؤسس لـ”جمهورية عالمية”. لقد دفع ذلك بنحبيب إلى استثمار فكرة “حق التمتع بحقوق” لحنا أرندت، التي قدمت فهما جديدا لمفهوم السيادة الوطنية يقوم على حق مختلف الأفراد في المشاركة في الفضاء العمومي بحرية، أي حقهم في أن يكونوا مواطنين في المجتمع ويتمتعون بالحقوق نفسها، ذلك أنه “لا يمكن للسيادة الوطنية أن تدافع عن سيادة شعب داخل حدود وطنية، في الوقت الذي تسقط من حسابها قضايا اللاجئين وحقوق الأجانب كأقليات”. إن هذا الفهم الذي تقدمه حنا ارندت للسيادة، تتبناه سيلا بنحبيب للدفاع عن سيادة لا تقصي حقوق الأقليات كالمهاجرين واللاجئين أو سيادة تقبل القسمة، بتعبير دريدا.
للسبب عينه ستنتقد بنحبيب مفهوم السيادة الوطنية عند كارل شميت، والذي يقوم على فكرة “التجانس”، واضعا بذلك خطا فاصلا بين الذات والآخر، بين الصديق والعدو، هذا الفصل الذي يعزز الهوية المتجانسة، فتصوُّر شميت للديمقراطية يقوم على تصوّر للشعب كوحدة متجانسة، فاللاتجانس في نظره يهدّد التصور الديمقراطي للمساواة، ومنه يرى “أن الوحدة السياسية للدولة يجب أن تكون وحدة ملموسة، لأن سياسة التعدّد ليست تصوّرا سياسيا يتناسب مع أي كيان سياسي، بالنظر إلى مضامينه التي تتنافى مع مبدأ الوحدة الشاملة”.
وفي السياق نفسه، ستوجه بنحبيب سهام نقدها أيضا لنظرية “قانون الشعوب” لجون رولز، وسترى أنه ينطلق من فهم خاطئ، يجهل حركية الشعوب عبر الحدود وأسئلة العدالة العابرة للأوطان، فالشعب حسب بنحبيب ليس معطى نهائيا أو كلّاً مطلقا، ويخطئ راولز في رأيها حينما يخلط بين “الديموس” و”الإثنوس”، وينظر إلى الأفراد باعتبارهم، كما كتبت في “حقوق الآخرين”، أعضاء في شعب متجانس، وليسوا مواطنين كوسموبولتيين، وينظر إلى المجتمع الديمقراطي، باعتباره نظاما مغلقا، تكمن مصلحته في حماية ثقافته السياسية والقانونية من خطر الغريب والمختلف.
يبيّن الباحث عزيز الهلالي أن خطاب السيادة الوطنية تشكّل في إطار حدود مغلقة، فنظام الدولة الليبرالية تتخلله تناقضات تتعلق بمبادئ الإنصاف والعدالة والمساواة، التي يتم شحنها بخطاب النزعة الوطنية، وتعبّر عنه النزعات الجماعاتية والقومية في شعارات الخصوصية، والخطابات الرافضة للمهاجرين واللاجئين والأقليات الإثنية، هذا التناقض الذي تعبّر عنه بنحبيب بـ “تناقض الشرعية الديمقراطية”.
وسيبرز الباحث في هذا السياق أيضا أن سيلا بنحبيب عملت على إعادة بناء مفهوم السيادة وفق رؤية سياسية جديدة، تقوم على “إعادة البناء العقلاني” لإيتيقا المناقشة لهابرماس، فهي تدافع عن كونية واعية بذاتها تاريخيا، لتميزها عن كونية هابرماس التي تقوم في نظرها على “حجّة متعالية ضعيفة” لأنها تفترض إجماعا نظريا وتجعل من الإجماع غاية وهدفا نهائيا.
ترى بنحبيب في الوضعية الكونية سيرورة منفتحة على المستقبل، تقوم على قاعدتين هما: “احترام الأخلاق الكونية “و”المساواة المتبادلة”، الأولى تخوّل الفرد بالتمتع بالحق في المشاركة في النقاش العمومي، والثانية تعطي للأقلية الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية نفسها، التي تحظى بها الأكثرية. إنها تؤسس بذلك لديمقراطية متجددة، ترنو، شأنها في ذلك شأن “الديمقراطية القادمة” لجاك دريدا، إلى رفع التناقض بين السيادة والمعايير الكونية للعدالة.
تكشف بنحبيب عن التناقض الذي تقع فيه الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، حين ترسم حدودا فاصلة بين المواطنين والأجانب، أو بين السيادة الوطنية وكونية حقوق الإنسان، وتنافح بالمقابل عما تسمّيه سلطة “التكرار الديمقراطي”، والذي يطلب عبر الضغط والخطاب تحديدا للمعايير القانونية داخل الدولة الواحدة، بهدف تجاوز الخلاف بين المواطنين والمقيمين داخل الوطن نفسه من الأجانب، وهي بذلك قريبة مما قاله هابرماس عن الوطنية الدستورية التي تتحدث عن المواطنين كغرباء أمام الدستور.
ومن هنا تكتسب اليوم كتابات بنحبيب أهمية بالغة في ظل التحوّلات التي تعرفها الديمقراطيات الغربية، وسياساتها إزاء قضايا المهاجرين واللاجئين، والهجمة الشعبوية وادعائها التمثيل الحصري للشعب.
يُبرز عزيز الهلالي أن أطروحة بنحبيب تقوم على تصوّر يخترق مقولة الحدود وتمثيلية السيادة ويدافع عن مواطنة كونية، فبنحبيب لن ترى في الحدود سوى حالة تتناقض مع الحريات والحقوق الأساسية للإنسان، فلا مبدأ أخلاقيا ولا عدالة كونية تسمح بوضع حدود أمام حركة الإنسان. وفي لغة بنحبيب لا وجود لـ “إنسان يمكن تصنيفه بغير الشرعي”.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *