Pages Menu
Categories Menu

نحو المزيد من العدالة لنساء بلدي

nahioبقلم : مية الرحبي

 

لا يشك أحد بأن المرسوم التشريعي رقم 1 للعام 2011 هو خطوة ايجابية، لرفع الضيم عن النساء في بلادنا، حيث أنه دعا إلى إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات المتعلقة بجرائم الشرف، واستبدالها بمادة جديدة نصت على تحديد عقوبة الحبس خمس سنوات كحد أدنى لمرتكبي مثل هذه الجرائم، شريطة المفاجأة في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء، فهو خطوة إلى الأمام لوضع حد للجرائم التي ترتكب باسم الشرف والتي جعلت الكثير من الجناة يفلتون من العقوبة عند قتلهم إحدى قريباتهم بدم بارد وراحة ضمير، حتى أنهم لا يترددون في تسليم أنفسهم إلى مخافر الشرطة بعد ارتكاب الجريمة مباشرة، رغم أن أغلب الجرائم كانت ترتكب بحق نساء تزوجن زواجا شرعيا وقانونيا، من رجال لم يكن الأهل براضين عنهم، أو بحق فتيات اشتبه بتصرفاتهن، ليثبت الطب الشرعي بعد مقتلهن بأنهن كن عذراوات.
والغريب في الأمر هو استفادة الكثير من القتلة باسم الشرف من العقوبة المخففة رغم أنها تشترط أن يفاجئ القاتل قريبته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء، وهي حالة لم تكن تنطبق على أي من الجرائم المرتكبة باسم الشرف التي قرأنا أو سمعنا عنها.
ورغم التعديل الذي ادخل العام الماضي على نفس المادة 548، استمرت وتيرة جرائم الشرف في سوريا بشكل شبه يومي، كان الإعلام يرصد بعضها ويطلعنا عليها، في حين يغيب بعضها عن سمع وأنظار الرأي العام.
والمشكلة في الأمر أن المجرم في أغلب تلك الحالات كان العائلة بأسرها، التي تخطط للجريمة وتفرح وتهلل للقاتل، وغالبا ما تتحايل على القانون، باختيار فرد قاصر من العائلة تحوله إلى مجرم وهو في مقتبل العمر، كي يفلت من العقوبة القصوى.
فتلك الجريمة لا تقتصر على مرتكبها فقط، بل تمتد إلى العائلة كلها، أي أن لها جذورا اجتماعية تتغلغل عمقا في الثقافة السائدة، التي لا تعتبر القانون هو المرجعية لتطبيق العقوبات على المرأة، فالعائلة /العشيرة/القبيلة، هي التي تسن القوانين الخاصة بالنساء وتطبقها، وبحسب ما ترتأي، إذ يمكنها أن تجرم من تشاء، وتصدر الحكم، وتوكل إلى أحد أفرادها تنفيذه، وكأن لا قانون يحكم المواطنين في هذا البلد. 
ويندر أن تنجو امرأة في بلادنا من هذه الأحكام، بدءا من صفعة، تتلقاها ربما في صغرها، لملبس غير لائق أو نظرة، أو همسة أو لفتة، مرورا بالحبس أو الضرب أو الجلد، وانتهاء بالقتل. 
هنالك ملايين الجرائم المستترة التي تتعرض فيها المرأة، وبخاصة الطفلة، للعنف الأسري، لكنها تبقى طي الكتمان، ولا ينتشر خبر الجريمة إلا إذا وصل إلى حدود القتل، وهنا يستند الأهل إلى حجة الانحراف الأخلاقي، الذي يحددون هم ، وهم وحدهم، وجوده وحدوده ومداه.
يفترض بالقانون أن يكون هو الفيصل بالعلاقة بين المواطنين، ومن يرتكب جرما منهم سواء كان رجلا أم امرأة، فعقوبته موكولة للقانون. أما من ينصب نفسه من المواطنين قاضيا ومنفذا لحكم، فعليه أن يتحمل مسؤولية تعديه على القانون. وكما أن القانون يعاقب المحرضين والمشاركين في أي جريمة، فلابد أن يعاقب ليس الذي ارتكب الجريمة وحده، بل كل فرد من العائلة وقف وراءه محرضا ومشاركا ومساعدا في الجرائم المرتكبة باسم الشرف، كما تقر جميع شرائع وقوانين الأرض، عندها فقط يمكن أن تغل يد من يفكر بارتكاب مثل هذه الجرائم.
إن التعديلات الجزئية للمواد القانونية المتعلقة بتلك الجرائم لن تستطيع أن تحد من هذه الظاهرة، والدليل على ذلك أن التعديل الذي طال المادة نفسها في العام الماضي لم تخفف من تواتر هذه الجرائم.
ولا أدري ما الذي يمنع من تطبيق جميع توصيات الملتقى الوطني لجرائم الشرف، الذي عقد في دمشق عام 2008، برعاية حكومية، وضم قانونيين وممثلين عن جميع الطوائف الدينية، ونوابا في مجلس الشعب، وناشطين، وخرج بالتوصيات التالية:
1- إعادة الصياغة للفقرة الثالثة من المادة (192) المتعلّقة بالدافع الشريف، والتي تبيح للاجتهاد القضائي النزول بعقوبة القتل إلى الحبس ستة أشهرٍ أو سنةٍ على الأكثر. وبحيث لا تقل عقوبة القاتل عن الاعتقال 15 سنة.
2- إلغاء المادة( 548) من قانون العقوبات. 
3- تشديد عقوبة الزنا للرجل والمرأة على قدم المساواة، المنصوص عليها بالمادتين (473) و(474)، وعقوبة السفاح المنصوص عليها في المادة (476) من قانون العقوبات.
4- تعميم فتاوى تحريم ارتكاب جريمة ما يسمى بجريمة الشرف وامتناع إفادة مرتكبيها من العذر المحل أو السبب المخفف للعقاب. 
5- زيادة العمل التوعوي المستمر بالتعاون مع المؤسسات والاتحاديات والنقابات والجمعيات ذات الصلة، لترسيخ ثقافة المساواة في المركز القانوني للجنسين من خلال التربية والتعليم ووسائل الإعلام والخطاب الديني، والعمل على إنشاء مرصد وطني لمتابعة هذا العمل التوعوي.
6- العمل على إصدار دورية تهتم بالشؤون الأسرية من قبل السورية لشؤون الأسرة.
7- تكليف الهيئة المذكورة بالسعي المستمر لدى الجهات المعنية لتفعيل هذه التوصيات والوصول بها إلى المستوى التنفيذي من خلال خطة وطنية شاملة.
8- إقامة ملتقى وطني لتمكين وحماية الأسرة.
إننا نطالب هنا بتطبيق جميع توصيات المؤتمر والذي أصر على إلغاء المادة 548، دون استبدالها بأي مادة بديلة، مع تعديل المادة 192 أيضا، المتعلقة بتخفيف العقوبة بوجود      ” الدافع الشريف”، والتي يستند إليها بعض القضاة لتخفيف العقوبة على مرتكب الجريمة باسم الشرف لينال حكما قد لا يتجاوز أشهرا.
وقد وقف البعض ضد تعديل المواد المتعلقة بجرائم الشرف منوهين بأنها تتعارض مع الشريعة الإسلامية، التي يستخدمونها ستارا بغير وجه حق عندما يتعلق الأمر بتعديل أي من القوانين التمييزية ضد المرأة، علما بأن هنالك أدلة واضحة جلية تثبت أن الشريعة الإسلامية توكل لأولي الأمر تطبيق العقوبة في حالات الزنا، وأولي الأمر في عصرنا الحالي هو القانون والموكلون بتنفيذه، كما تشترط الشريعة شروطا شبه تعجيزية لإقرار جريمة الزنا، ففي الحادثة الشهيرة بين أبي بكرة والمغيرة بن شعبة، حيث أنكر المغيرة أنه زنا، وشهد أبو بكرة بذلك، وشهد الاثنان الآخران – شبل ونافع – بمثل شهادة أبي بكرة، ، إلا أن الرابع زيادا عندما شهد بأنه لم ير العملية الجنسية كاملة، أمر عمر بن الخطاب الثلاثة فجلدوا الحد ( أي حد القذف) وقرأ ( فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون)”.
ولا بد لنا هنا أن نشيد بالخطوة الهامة في نفس المرسوم، التي ألغت  المادة 508 من قانون العقوبات والتي نصت على إعفاء مرتكب جرم الاغتصاب بحال زواجه من المعتدى عليها، حيث نصت المادة الجديدة على أن يقضي المُغتَصِب عقوبة لا تقل عن الحبس سنتين حتى لو تزوج من الفتاة زواجاً صحيحاً، وإن كان من الصعب بل من المستحيل على أي كان تقبل فكرة أن المغتصبة يمكن أن تقبل بالزواج من مغتصبها إلا تحت تأثير ضغوط اجتماعية، غير مقبولة إنسانيا. 
من المؤلم حقا أننا وبعد اجتيازنا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لازلنا نطالب بأبسط الحقوق الإنسانية للمرأة، حق الحياة، فما بالك بحقوق الحرية وجميع حقوقها الأخرى المحرومة منها قانونيا، سواء في قانون الأحوال الشخصية كحقوقها في الزواج والطلاق والولاية والوصاية والحضانة والإرث، وكذلك حقها في إعطاء جنسيتها لأولادها، ناهيك عن وجود المواد التمييزية ضدها في القوانين الأخرى، ومن بينها المادة التي تبيح الاغتصاب الزوجي في قانون العقوبات.
ومن المؤلم أكثر أن نرى رئيسا عربيا يظهر في أيامنا هذه على شاشة التلفزيون يبرر مشهدا همجيا لجلد امرأة من مواطنيه جلدا وحشيا على جميع أجزاء جسدها، بوجود عشرات الرجال المتحلقين حولها والمستمتعين بمنظرها، بل بلغ الضحك بأحدهم وكأنه يشاهد فيلما كوميديا، 
 وأن تكون الذريعة هنا تطبيق القانون المستمد من الشريعة الإسلامية، و”عدم الحرج” في تطبيقها، وتعليل تطبيق الحد على المرأة ب “سوء سلوكها”، تماما كما أقر القانون نفسه عقوبة الجلد على صحفية لارتدائها البنطلون، ولا أدري من أي شريعة استمدت تلك الأحكام. والذي يبعث على الأسى أكثر فأكثر أن ذلك التبرير جاء في سياق مقابلة كان موضوعها الرئيسي تمزيق البلد وتقسيمه، في سياق أسوأ هجمة امبريالية هدفت، بل نكاد نقول نجحت اليوم في تجزأته وتفتيته، وتسعى لتفتيت وتجزئة الدول العربية بأكثر ما هي مجزأة مفتتة، بحيث يغدو حلم توحيدها مستقبلا حلما بعيد المنال أكثر فأكثر.
 إن منح المواطنين في أي بلد عربي حقوقهم كاملة، غير منقوصة، غير مجتزأة، ورفع الحيف عنهم، هو ما يجعلهم مواطنين فعالين مشاركين مساهمين في نهضة بلدهم وتنميته، وهو الضمانة الوحيدة  لمواجهة جميع المخططات الخارجية التي تستهدف النيل من مقدرات الشعوب العربية، المهددة في وحدتها واستقلالها ووجودها.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *