Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
عندما تقود النساء بلدًا، رواندا الناهضة

عندما تقود النساء بلدًا، رواندا الناهضة

خاص- مساواة

في قلب القارة السمراء هنالك بلد صغير اسمه رواندا، يتذكره المرء فقط عندما يدور الحديث عن أبشع المجازر الوحشية في القرن العشرين التي ارتكبها الإنسان ضد أخيه الإنسان، ولكن قلة من يعرفون كيف نهض هذا البلد بسواعد نسائه ورجاله معًا بعد المجزرة، وأعادوا بناء بلدهم.

منذ الإبادة الجماعية التي وقعت في عام 1994 والتي قتل فيها أكثر من 000 800 من قبيلة التوتسي على يد متشددين من قبيلة الهوتو خلال 100 يوم من العنف الوحشي المنظم، شملت الاغتصاب المنهجي لنساء التوتسي، بدأت إعادة إعمار البلاد مترافقة مع عدالة انتقالية يمكن أن تكون مثلا لجميع الشعوب التي عانت من نزاعات وإبادات جماعية مماثلة.

ولأن معظم القتلى كانوا من الرجال، والعديد من الجناة الذكور هربوا إلى الدول المجاورة، فإن 70 في المائة من سكان رواندا في مرحلة ما بعد الإبادة الجماعية كانوا من الإناث. يومها تكاتفت جميع النساء لإبقاء أسرهن على قيد الحياة،  فتكفلن بالأطفال اليتامى ونظمن مجموعات دعم للأرامل، وانتقلن من تنظيف الركام إلى إعادة بناء المباني، استزرعن الأراضي، وباشرن بالأعمال التجارية، ونجحن في إعادة الاستقرار في جميع أنحاء البلاد التي شهدت أعمال عنف لا توصف. واعتمدت الحكومة الجديدة سياسات طموحة لمساعدة المرأة اقتصاديا وسياسيا، بما في ذلك الدستور الجديد لعام 2003 الذي قضي بتخصيص نسبة 30 في المائة على الأقل من المقاعد البرلمانية ومجلس الوزراء للنساء.

وتعكس النسبة العالية غير المعتادة للنساء في الحكومة الرواندية جزئيا الإرادة الشعبية في بلد يبلغ عدد سكانه 10 ملايين نسمة وتشكل النساء 55% من سكانه اليوم.فقد تجاوزت النساء حصتهن المقررة دستوريا بكثير، واستطاعت من خلال الانتخابات التشريعية الوصول إلى نسبة 61% من المقاعد البرلمانية، لتشكل بذلك أعلى نسبة في العالم، حتى ليقال اليوم أن رواندا هي أول بلد في العالم تحكمه النساء.

وقالت الوزيرة السابقة للشؤون الجنسانية والشؤون الاجتماعية كاغامي التي كانت ايضا مسؤولا بارزا في الجبهة الوطنية الرواندية الحاكمة عندما كانت لا تزال مجموعة مسلحة تقاتل حكومة الابادة الجماعية في البلاد “لقد كان هذا المجتمع مكسورًا بعد الابادة الجماعية”. واضافت “لقد اتخذنا قرارا بانه اذا كانت رواندا ستبقى على قيد الحياة فعلينا ان نغير تركيب مجتمعنا، وان المساواة والمصالحة هما الخياران الوحيدان”.

وتشغل النساء الروانديات اليوم ثلث المناصب الوزارية بما في ذلك وزير الخارجية ووزير التعليم ورئيس المحكمة العليا ومفوض الشرطة.
وقد لعبت النساء أدوارا رئيسية في لجان الحقيقة والمصالحة، التي عملت غالبًا على مستوى المجتمع المحلي، كما عملت المرأة  كمديرة في تلك اللجان على المستوى الوطني، وكقاضية، وشاهدة رئيسية.

 وبحلول عام 2012، كان هناك ما يقرب من مليونين من الجناة قد قدموا إلى هذه المحاكم.

كما شغلت المرأة 3 مقاعد من أصل 12 مقعدا في اللجنة المكلفة بصياغة دستور جديد لرواندا، أقره الاستفتاء في عام 2003. وشجعت اللجنة على زيادة تواجد المرأة بنسبة 30 في المائة في جميع المؤسسات الحكومية، فضلا عن إنشاء مكتب للرصد الجندري.

واتبع النظام خطة تطوير القيادة الفعالة بشكل كبير، لنقل قادة المجتمع المدني إلى مناصب حكومية مسؤولة.

واليوم، وبعد أكثر من عقدين على الإبادة الجماعية، تعتبر رواندا واحدة من أكثر الدول استقرارا في أفريقيا، وهي خالية من الفساد بشكل ملحوظ. وفي غضون عشر سنوات فقط، ارتفع متوسط العمر المتوقع من 48 إلى 58 عاما. وانخفضت وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى النصف. وقد أقر برنامج التعليم الإلزامي التساوي في أعداد الفتيان والفتيات في المدارس الابتدائية والثانوية. ويمكن للمرأة الآن أن تملك وترث الممتلكات، وأن تكون قيادية نشطة في جميع قطاعات الأمة، بما في ذلك الأعمال التجارية. وتطبق الولايات والمشاريع الوطنية برامج الحد من العنف، بما في ذلك العنف ضد المرأة.

وفي حين اعتمدت العديد من الهيئات التشريعية الأفريقية مبدأ الكوتا النسائية إلا أن أيًّا منها لم يحقق الانجاز المتميز الذي قامت به رواندا، ما جعل هذا البلد الصغير مختلفًا عن جيرانه من حيث منظوره الجندري، الذي انعكس على تنميته وازدهاره بشكل ايجابي واضح للعيان.

لقد أظهرت نساء رواندا، لأول مرة في التاريخ، ما يمكن أن يحدث عندما تكون النساء، وكامل مواهبهن، مشمولات بعملية بناء السلام. ولاشك أن تلك التجربة الهامة لابد أن تكون مثالًا يحتذى على الصعيد العالمي، حيث يمكن للنساء أن تلعب دورًا هاما في إحلال السلام، والحفاظ عليه، والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار.

ونتيجة ذلك ألغت رواندا القوانين الأبوية القديمة التي كانت تطبق في كثير من المجتمعات الأفريقية، كتلك التي تمنع المرأة من وراثة الأرض. وقد أصدرت الهيئة التشريعية مشاريع قوانين تهدف إلى إنهاء العنف الأسري، وإساءة معاملة الأطفال، وتمضي اللجنة المختصة بمواءمة القوانين مع الدستور بإلغاء أو تعديل جميع القوانين التي تحوي مواد تمييزية ضد المرأة.

وتقول إحدى المشرعات في رواندا بأن وجود النساء في لجنة تعديل القوانين أتاحت لهن أن يسمعن وجهة نظرهن للرجال، كما تقول “الان، نحن اغلبية، يمكننا ان نفعل اكثر”.
واليوم النساء لسن قياديات فقط على الصعيد السياسي، بل على الصعيد الاقتصادي أيضًا، فهن يعملن في مواقع البناء، في المصانع، وسائقات للشاحنات وسيارات الأجرة، وتجدهن في كل مناحي الحياة الاقتصادية عاملات فاعلات.

تشهد رواندا اليوم نهضة حقيقية، على جميع الأصعدة، وهذا ما يثبت لجميع المشككين أهمية المشاركة النسائية الفاعلة في الشأن العام، وفي جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في بناء السلام وإعادة إعمار البلاد.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *