Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
النسوية تستعيد السياسة

النسوية تستعيد السياسة

النسوية الغربية تستعيد السياسة. أميركا، اليوم، نموذج.
ليست النسوية كإيديولوجيا، ولا التنظيم أو رصّ الصفوف بالمعنى اليساري الآفل. بل النشاط السياسي المعاصر، المفتوح على اليمين واليسار معاً، وما بينهما، تكفله حريات مصونة دستورياً.

الفضل لدونالد ترامب؟ ليس تماماً. بل ربما لحالة “ما” أوصلته إلى رئاسة البلاد. والكلام هنا عن الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد وتأثير سياسي في العالم. والأهم، الولايات المتحدة الأميركية كواحدة من كبرى مُصَدِّرات الأفكار في التاريخ الحديث. والحالة الترامبية هذه، ليست حكراً على أميركا، بدليل تزامنها مع صعود اليمين الشعبوي في أكثر من دولة أوروبية. لذلك، تنتعش الآن نسويةٌ أكثر راهنية وإلحاحاً في أوروبا على سبيل المثال لا الحصر.

فبعد نحو خمسين عاماً من الاسترخاء النسبي المتكئ على إنجازات كبرى، كإقرار كامل الحقوق المدنية للنساء، ومكافحة التمييز في الحيزين العام والخاص بقوة القانون، واستقرار الهيمنة لعناوين نسوية عريضة لطالما عوملت كثورية وتمردية.. وبكل ما تتضمنه تلك الإنجازات من فروع إثنية وعرقية وطبقية.. كانت النسوية الغربية – قبل انتخاب ترامب – قد استكانت إلى جدلياتها الثقافية/الاجتماعية، من دون أن تنطفئ جذوتها أو تنفد مطالبها. وباتت دراسات الجندر كفرع أكاديمي مكرّس في الجامعات، والأدبيات المصنفة نسوية كنوع كتابي وفكري معترف به، والفنون الإبداعية بأشكالها كافة، هي الساحات الرئيسة للخطاب النسوي الذي بدا أخيراً أنه ارتاح إلى إرساء الأسس، وانصرف إلى دوزنة التفاصيل، من اللغة إلى التربية والتعليم والعلاقات ضمن العائلة وبين الأفراد.

ليس هذا للقول بأن العمل النسوي، غرباً، خلال العقود الخمسة الماضية، افتقر إلى القضايا، لا سيما المحقة والمؤثرة. لكن سِمتَه النضالية خفتت، لصالح عمل هادئ ومطمئن نسبياً، كالنقاش مثلاً في “تقصير” النسوية اتجاه المثليات جنسياً، وما إذا كان الرجال المتحولون إلى نساء هم/هن فئة أنثوية يجب خوض معاركهم/معاركهن الحقوقية والاجتماعية. ويُفترض أن مثل هذا الانكفاء، من النضالات الكبرى إلى الصغرى، هو مصدر اعتزاز بالتراكم، ودليل على إرساء تقدّم مجتمعي في غرب العالم وشماله، تُبنى عليه استراتيجيات لمكتسبات فرعية إضافية تحولت أجندة العمل ومتنه.

لكن الجميع، نساء ورجالاً، بقَنَاعات نسوية أو من دونها، اكتشف فجأة أن الإنجازات هذه ليست محفورة في الصخر، وأن تقويضها ممكن. فها هو ترامب، كاره النساء والمهاجرين والغرباء والمثليين الجنسيين والملوّنين والفقراء، يُنصَّب رئيساً لأميركا. وها هي “مسيرة النساء إلى واشنطن” تستعد للانطلاق، غداة التنصيب، بـ200 ألف شخص في أقل تقدير (بلغت طلبات حجوزات المواقف لباصات نقل المشاركين في المسيرة أكثر من 1200 طلب، في مقابل 200 طلب فقط لباصات نقل المشاركين في احتفال التنصيب). وثمة 350 “مسيرة شقيقة” في أنحاء العالم، في باريس ولندن وسيدني، وصولاً إلى نيروبي. ليصبح هذا التحرك عالمياً، والأكبر من نوعه منذ الحركة النسوية المبكرة (Suffrage Movement) لنيل النساء الحق في التصويت، قبل قرن أو أكثر. حتى إن تسمية المسيرة مستوحاة من “المسيرة إلى واشنطن” (1963) والتي توّجها مارتن لوثر كينغ بخطابه الشهير “عندي حلم”.

لكن التأثير الأعمق، والمغري بالتأمل الآن، هو النقاش الذي فجّرته الاستعدادات للمسيرة النسائية المناهضة لترامب. كأننا على أعتاب حقبة جديدة، ليس في النشاط النسوي فحسب، بل في الفكر النسوي نفسه باعتباره سياسياً بالدرجة الأولى. والأفكار المناقشَة متعددة المسارات: عرقية، إثنية، جيليّة، تمتد إلى التحليل الطبقي. مراجعة تكتيكات اليسار، في مقابل نسوية يمينية (نعم، هذا نوع موجود وفاعل، كما نسوية الاستابلشمنت)، ناهيك عن الاحتكاك المباشر بتقنيات الاستيعاب والاستثناء بالمعنى المصلحي المتصل بالأهداف وتحقيقها في المديَيْن القريب والبعيد.

فبعدما أظهرت تحليلات السلوك الاقتراعي في 2016، أن 53% من المقترعات البيض صوّتن لترامب، وأن المقترعات البيض الحائزات على شهادات جامعية صوّتن لكلينتون إنما بفارق بسيط لم يتعدّ 6 نقاط مئوية، في حين أن 94% من المقترعات السود و68% من المقترعات اللاتينيات صوّتن لكلينتون، بات على النساء البِيض البرهنة بأنهن حليفات، كما واجب الرجال المقتنعين بالقضية. وفي هذه الأثناء، شُنّت على اليسار حرب السخرية، باعتباره “لا يفعل سوى ما يجيده، أي تنظيم التظاهرات”، في مقابل أصوات تعلو بالدعوة إلى مزيد من “هيكلة” للحراك. ويتفرع من هنا، حضّ اليسار على الكفّ عن التفكير في “النسوية البيضاء” باعتبارها معبّرة عن النساء البيض في أميركا، حيث ملايين النساء لسن نسويات أصلاً. وذلك من دون الإنكار بأن النساء البيض جزء من المشكلة، وأن “النسوية البيضاء” بحاجة إلى نقاش وفكفكة عميقة، لكنها مشكلة أخرى وليست هي “المقترعة” لدونالد ترامب.

ويأتي موضوع الإجهاض في مقدمة ممارسة سياسة الضم والإقصاء، والمصالح بالمعنى السياسي للكلمة. فالمنظمات والجمعيات المؤيدة لـ”الخَيار الحر” (أي امتلاك المرأة حرية القرار الانجابي، بإبقاء حَملها أو التخلص منه) أساسية في تنظيم “مسيرة النساء إلى واشنطن”. ثم قُبلت، كشريكة في التنظيم، وليومين اثنين فقط، مجموعة تسمي نفسها “نسويات الموجة الجديدة” (new wave feminists)، وهنّ “مع الحياة” (أي ضد الإجهاض). وسرعان ما اختفت “الموجة الجديدة” من الصفحة الالكترونية للمسيرة، ما أثار جدلاً كبيراً. وكانت قد برزت حالة ضغط كبير من قلب المجموعات المنظمة للمسيرة، برفض شراكة “الموجة الجديدة”: إذ كيف، “ونحن منصة لدعم الخيار الإنجابي الحر، نتحالف مع أعدائنا؟”. فيما تحدثت إحدى المنظِّمات الرئيسيات للمسيرة، بوب بلاند، في مقابلة صحافية، عن ضرورة السعي إلى تحقيق “نسوية التقاطعات”، أي التحالفات بناء على القضايا والأهداف المشتركة، لا التباينات. لكن الحقيقة أن مؤيدات “الخَيار الحر” مرتعبات من تعيين ترامب رئيساً جديداً للمحكمة العليا، من بين خمس شخصيات مقترحة، كلهم ضد إقرار الحق في الإجهاض. ويفزعهن صعود حركة “Defund Planned Prenthood” المُطالِبة بوقف تمويل Planned Parenthood – المنظمة غير الربحية المدافعة عن الإنجاب المُخطَّط له، والتي تقدم خدمات صحية وتوعوية إنجابية، معفية من الضرائب وممولة جزئياً من الدولة، وهي أكبر منظمة تؤمن خدمات الإجهاض في أكثر من 650 عيادة موزعة في أنحاء الولايات المتحدة، ولها شراكات مع منظمات شبيهة في 12 دولة.

وثمة عودة دائمة إلى “لون” النسوية. وهذه المرة انطلاقاً من أخطاء النسويات البيض الليبراليات، اللواتي ركّزن على مخاطبة النساء الملوّنات، لحشدهن في التصويت لهيلاري كلينتون بدلاً من بيرني ساندرز، وبدلاً من الامتناع عن التصويت. في حين أنهن، في رأي كثيرات، كان يجب أن يولِينَ “عرقهن” اهتماماً أكبر، أخواتهن وأمهاتهن وصديقاتهن. ورغم إعلان نسبة الـ53% المدهشة، فإنهن ما زلن لا يتحملن مسؤولية عما حصل. يتباكين الآن، رغم أنهن أكثر قدرة على إيصال الصوت ضد كل ما يمثله ترامب من عنصرية، ورهاب الغرباء والمثليين جنسياً، إضافة طبعاً إلى احتقار النساء. لكنهن اكتفين بإهانة ذكاء البليونير الأرعن، الجاهل، وتجربته السياسية شبه المعدومة، في حين أن مؤيديه ومؤيداته لا يكترثن فعلياً لتلك المَذَمّات.

لكن، أي وعي سياسي لمؤيدات رئيس يتفاخر بـ”جذب النساء من فُروجِهنّ”؟ السؤال ألحّ على الناخبات المناهضات عموماً، والنسويات خصوصاً. كَون غالبية المؤيدات ذوات بشرة بيضاء، فهذا لا يكفي للتفسير. وكونهنّ ليبراليات، يزيد عملية الفهم تعقيداً. تقول إحداهن في مقابلة صحافية إنها صوّتت لنهج ترامب الاقتصادي، خصوصاً في ما يتعلق بالضرائب. أما قصة “جذب النساء” فليست أكثر من كلام مألوف في الجلسات الرجالية المغلقة، في رأيها. وهي تعتبر أن الحياة الخاصة لأي كان، وأفكار الرجل والمرأة على حد سواء، أمور لا تحدد كيف سيدير/تُدير البلاد. “نحن لا ننتخب المهبل”، تقول، “والنسويات يفكّرن بحرية ويتخذن قراراتهن بأنفسهن. ثم إن هيلاري غطت على فضيحة زوجها الجنسية، فكيف تكون مختلفة عن ترامب؟”.

أيضاً وأيضاً.. هناك التمحيص في خطاب “النسوية البورجوازية”، والتي سمّيت “النسوية الزائفة”. يعتبر كثيرون أن هيلاري كلينتون تمثلها، وهي مضادة لمصالح الغالبية من النساء. فنساء الطبقة العاملة لا يهمّهن انتخاب أول رئيسة للولايات المتحدة، ولذلك حصلت هيلاري على أصوات نسائية أقل مما حصل عليه أوباما العام 2008، بمن فيهن النساء السود والبيض واللاتينيات. حتى إن تصويت الأفارقة–الأميركيين عموماً كان أقل، في 2016، مما كان في 2012، إذ تعاملت هيلاري مع هذه الفئة كتحصيل حاصل. قلة تتذكر مثلاً أن كلينتون كانت عضواً في مجلس إدارة متاجر “وول مارت”، التي تُهاجَم باعتبارها تحقق الأرباح على حساب نساء يتقاضين رواتب مجحفة، بل وواجهت “وول مارت” واحدة من أكبر الدعاوى القضائية على أساس التمييز الجنسي في تاريخ الولايات المتحدة. هيلاري جزء من “السيستم” الذي خذل فئة كبيرة جداً من النساء، وهي التي خصصت جزءاً كبيراً من “حواراتها الانتخابية” في مناسبات لأصدقائها من نخبة الأغنياء والطبقة الوسطى.

وتبقى “نسوية الاستابلشمنت”، التي لامَت المقترعين وحدهم على فوز ترامب، وعبّرت عن “قرفها” من عموم الجمهور بسبب “التصويت الغبي”، ولم تتوانَ عن إطلاق الاتهامات بكراهية النساء (لأن هيلاري امرأة) وبالعنصرية (لأنها بيضاء).

النسوية الأميركية تستعيد السياسة.. ظاهرة تستبطن دروساً كثيرة.
المصدر: موقع المدن .


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273