Pages Menu
Categories Menu
لاجئات الجنوب

لاجئات الجنوب

في إثر هذا القرار المنصوص، حتى الآن، في عيترون وجبشيت والخيام، تتحول النساء إلى لاجئات. إذ أنهن كـ”الأجانب”، الذين قد يتسللون إلى أرجاء “الذكور”، ويشعلون الفتنة بينهم، مخترقات صلابتهم، ومطيحات متانة وحدتهم. فالنساء، من هذا المنظور، يهددن المقيمين، وهم جماعة من الرجال والبالغين، ويشكلن خطراً عليهم. وهؤلاء، بدورهم، لا مناص لهم من الرسوخ في مواقعهم، والإبتعاد عن الدخيلات، والغريبات، كي لا يسقطوا في شركهن.

ونشر عضو من أعضاء مجموعة “الجامعة اللبنانية-كلية العلوم” في “فايسبوك” رسماً كاريكاتورياً، تظهر فيه امرأة مزينة الوجه، وقد وضعت حجاباً على رأسها، وتركت لشعرها أن يعطيه هيئته، حتى بات شبه أسطواني. فوق سحنتها هذه، تعليق مكتوب: “عزيزتي البنت، الحجاب اخترعوه منشان تستري شعرك، مو منشان تساوي مخيم لاجئين فوق رأسك”. فبحسب مستخدم الرسم والمعلقين بالموافقة الساخرة عليه، المرأة التي لا تخفي شعرها بالحجاب، بل تتيح له البروز من تحته، تخبئ في غطائها رهطاً من اللاجئين، كما لو أن جلدة رأسها هي أرضهم.
تساوي سلطات حزب الله، والمأهولون بها، بين النساء – محجبات أو سافرات – وبين اللاجئين. فاللاجئ، بالنسبة إليها، يسكن رأس المرأة، أو تحت حجابها. أما هي، فبفعل وجوده في أعلى جسمها، تقوم به، وتقتدي بسلوكه. ثمة، في هذا السياق، دعاية تشريحية تستهدف المرأة عبر اللاجئ، واللاجئ عبر المرأة. وذلك من أجل الإشارة إلى علاقتهما. فإذا كانت المرأة، وكما يعتقد مانعوها من الإختلاط مع سواها، “ناقصة العقل”، فهذا لأن “عقلها الناقص” هو منزل اللاجئ. وإذا كان اللاجئ، وكما يعتقد مانعوه من التجول في جوار سواه، مصدر “الضراء والنقيصة”، فهذا لأنه يتصل  بـ”ضلعهم الضعيف”، أي المرأة. كأنها غطاء وصوله إلى مكروهه حيالهم. وعلى هذا النحو، المرأة هي جسم اللاجئ، مثلما أن اللاجئ هو أمارتها بالسوء، ولا يمكن التصدي لها من دون التصدي له، والعكس صحيح طبعاً.

عندما تجمع تصورها عن النساء مع تصورها عن اللاجئين، بهدف الإستقواء عليهم من خلال تجميد حركتهم، تريد سلطات حزب الله إقناع المرأة بأنها منعتها من الإختلاط مع غيرها لصالحها. إذ تقول لها: “أحجر عليكِ حمايةً لكِ، فاللاجئ يسكن رأسك، ولكي لا يلحق الذكور الأذى بكِ بعد أن تنقلي التهديد الكامن فيكِ إليهم، عليكِ إلتزام مكانكِ بعيداً منهم”. وهذا ما يحيل إلى تلك العبارة، التي تكاد تكون فاتحة اليافطات العنصرية ضد اللاجئين، أي “حفاظاً على سلامتـ”هم، من الضروري أن يطيعوا أوامر احتجازهم. فمثلما يوصف اللاجئون، في حين إخضاعهم، بـ”الأخوة”، توصف النساء، في وقت إذلالهن، بـ”الأخوات”.

تزرع تلك السلطات الخوف في النساء، وتعمد إلى حمايتهن منه على اعتبار أنهن مصدره، أي أنها تحميهن من أجسامهن. ولما لا تخضع النساء لقانونها هذا، تسرع إلى حبسهن، وفرض القيود على حركتهن، وبالفعل عينه، تشيح وجوههن عنها: “أنا لست عدوتكن، غريمكن هو نقص عقولكن”، هو “مخيم اللاجئين فوق رؤوسكن وتحت حجابكن”. فبذلك، تضع السلطات النساء ضد النساء، ضد أنفسهن، ضد اللاجئين، وطبعاً، ضد سواهن، الذي قد يُسر بظنه الذكوري، بأنه قوام عليهن، ويدافع عن موضعه هذا، فلا يدري أنه يدافع عن أسره، وعن إرساله إلى الحرب

وقبل هذا، يسجل: “الحجاب مفروض على الرجل والمرأة، فيكون للمرأة سُترة وحياء، وللرجل تعفف واستقامة”.
… تحية إلى حرائر الجنوب.
المصدر: المدن .

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *