Pages Menu
Categories Menu
حين يكون المترجم صاحبَ مشروع ثقافي.. «عبد الله بديع فاضل» أنموذجاً

حين يكون المترجم صاحبَ مشروع ثقافي.. «عبد الله بديع فاضل» أنموذجاً

أن تكون مترجماً مهمّاً، وصامتاً، قليل الضّجيج في البحث عن الضوء والشّهرة، وكثير التّنقيب عن المختلف واللّا مجاني، في زمن الاستهلاك والتّشيؤ، كثيف الغوص في فضاءات الفكر ومشاربه الخلّاقة، وصاحب مشروع ورؤية ثقافيّة بالوقت نفسه، إلى جانب أسلوب رشيق أدبي، متمكّن ينقل المعلومة بكاملِ طزاجتها من ثقافتها وبيئتها المختلفة، إلى ثقافتك وبيئتك، بحلّةٍ قشيبة كاملة البهاء، فثمّة علامات فارقة تميّزك بالضرورة.. تلك هي بعض صفات المترجم عن اللغة الانكليزيّة عبد الله بديع فاضل الذي لم يؤيّد فكرة الحوار معه، فكان لابدّ من هذا العبور السريع على ما قدّمه من كتب متنوّعة ومهمّة ذات بعد تثقيفي تحرّري، ورؤية إنسانية تتّضح من خلال مشروعه الأكبر المنتصر لقضايا المرأة، ومنطلقه بذلك هو بدهيّة تقول: لكي تستطيع قياس تقدّم المجتمعات، انظر إلى دور المرأة الفاعل بها، ثمّ اتخذ حكمك..، وقد اختار مشروعه الثقافي هذا مرتكزاً على خلفيّة معرفية ثقافيّة تنتصر للكائن المهمّش/المرأة تحت سطوة التابوات والاستبداد الاجتماعي وبالتحديد الذكوري، عبر العصور فنبش وحفر في التاريخ العالمي ليجد ضالّته بأسماء نسائية لامعة تبنّت مشروعها النهضوي ليمدّ معها جسر مثاقفة، لتعبر عليه الأفكار بحريّة إلى من «هم وهُنّ» بحاجةٍ لاستعادة ثقتهم وثقتهنّ بأنفسهم وأنفسهن، والانطلاق من جديد في رحلة البناء الإنساني، المجتمعي إلى جانب الذكر المتحرّر أيضاً من ثقافة التبعيّة والموروث القارّ، والاستعباد الذي يخضع بدوره لسلطات الاستبداد بلبوساتها المختلفة، وما سنفعله هنا هو التعريف الموجز بما قدّمه هذا المترجم الصّامت من ترجمات مهمّة، لم تحظَ كثيراً بالتعريف بها:
رواية «الخروج إلى الهواء الطلق» / coming up for air / الطبعة الأولى الإنكليزيّة 1939 للكاتب الانكليزي «جورج أورويل» صاحب روايتيّ «1984» و«مزرعة الحيوان»، التي لها الكثير من الخصوصيّة والحميميّة لدى المترجم، لكونها أول عمل مترجم له، امتحنَ فيه أدواته وشحذها بكل طاقات العطاء، إضافة إلى أنّه ترجمها في ظروفٍ قسريّة خاصّة، وتكمن أهميّة الرواية في مادّتها الواقعيّة، وبعدها عن عالم الأفكار والتّصوّرات المسبقة، حيث ينفذ الكاتب منها إلى عوالم سحريّة غير قائمة على أيّ أسس يوتيوبيّة أو أيديولوجيّة، إنه عالم السحر العابر، عالم البدايات وتفتّح الوعي، العالم الذي يفلت ويهرب عابراً وينأى حين نفتح أعيننا على خراب العالم الذي تسببه سياساته، وتمت طباعتها بدار بدايات، جبلة.
ـ كتاب «اللغز الأنثوي» عن دار الرحبة ـ دمشق، للكاتبة الأمريكية «بيتي فريدان»، يقول عنه مترجمه: «على الرغم من صدوره في مجتمع آخر، فإنّه يتمتّع براهنيّة كبيرة، فالكثير من أفكاره تنطبق على وضع النساء في مجتمعاتنا، والكاتبة هنا تسلّط الضوء على بعض المشكلات التي تحدث داخل الأسرة ذاتها، لذا يمكننا القول وبكلّ صدق، إن هذا الكتاب يستحقّ القراءة من قبل كل رجل وامرأة». يشكّل الكتاب مرجعاً في الأدبيات النسويّة، لما يتضمّنه من مجريات ميدانيّة وتحليلات نفسية عميقة وحفريّات فكرية في البنى الأنثروبولوجيّة، المتجذّرة في الموروث الثقافي لمناضلة نسويّة مثقّفة، حاولت تصويب سكّة الحركة النّسويّة بعد أن كادت الآراء المتطرّفة الراديكاليّة تودي بها.
.كتاب «المرأة المخصيّة» عن دار الرحبة ـ دمشق، للكاتبة الاسترالية «جيرمين غرير» يقول المترجم: كتاب المرأة المخصيّة ليس كتاباً عادياً فهو جامع شامل فيه شيء من نبض التاريخ وروح الحاضر، صرامة الحلم ورحابة الأدب والفنّ، روح الغضب والثورة وبراعة السخريّة اللاذعة، ببساطة الحديث الصحفي وبلاغة الشعر والفلسفة وكاتبته، جيرمن غرير باحثة أكاديمية، صحفية، ناشطة نسوية وفنانة وأديبة ومتمردة وثائرة، ولدت 1939م في أستراليا ونشرت كتابها 1970وقد كرّسها الكتاب واحدة من أبرز وجوه الحركة النسويّة في عصرها، فهي ليست امرأة الحلول الوسط بل تذهب في قضاياها إلى النهايات حيث طالبت بتحرير النساء واستقلالهن الكامل عن أي مؤسسة قد تقيّدهنّ أو تحدّ من قدراتهنّ وكانت تقول: «كلّما زاد عدد الناس الذين تثير غضبهم ازددنا ثقة بأنّنا نقوم بعمل صائب»، كما يركّز الكتاب على تصحيح المقولات الخاطئة عن الأنوثة والجنس والحبّ.
.كتاب «دفاع عن حقوق المرأة» للمؤلفة الانكليزية المولودة في لندن 1759 «ماري ولستونكرافت»،
وقد ترجم بجهود مشتركة مع «علي صارم»، يقول المترجمان عن الكتاب: هذه الكاتبة غير المعروفة كثيراً لقراء العربية ولا حتى لعدد وافر من الناشطات والناشطين في قضايا المرأة وحقوقها (وهو من إصدارات ـ دار الرحبة ـ دمشق)، لم تدرس في المدارس إلا سنوات قليلة لكنها تعلّمت بجهود شخصية الكثير كما تعلّمت الفرنسية والألمانية وعملت مربية أطفال ومن ثم تفرّغت للأدب والكتابة عن قضايا المرأة المضطّهدة، وقد أظهرت مواقف من الثورة الفرنسية، وكتبت كتاباً عن حقوق الرجال ردّاً على النقد الذي وجّهه للثورة الفرنسية «إدموند بيرك» وهذا ماساهم في شهرتها ووضعها في مرتبة كبار كتاب عصرها، وقد افترقت عن زوجها الأول «جيلبرت إملاي» لأنه لا يستطيع الانسجام مع الحياة الأسرويّة وحاولت الانتحار مرتين نتيجة عدم اهتمامه بأمرها، والطريف أنّ رسائلها لزوجها هذا كانت أحد أسباب إعجاب زوجها الآخر بها، الفيلسوف «وليم غودين» وقد قال بهذا الصّدد: «إذا قدّر لكتاب قطّ أن يجعل رجلاً يقع في حبّ كاتبته، فأنا أعتقد أنه هذا الكتاب فهي تحكي عن أحزانها بطريقةٍ تملؤنا كآبة وتجعلنا نذوب رقّة وحناناً في الوقت الذي تُظهر نبوغاً يسيطر على كلّ إعجابنا». وقد توفيت الكاتبة وعمرها لم يتجاوز الثامنة والثلاثين سنة، عام 1797، ثمّ أُهملتْ كتاباتها لأكثر من قرن، إلى أن بدأت الحركة النسوية الحديثة في أوائل القرن العشرين وأعادت لها الاعتبار، وقد وصفت الكاتبة الروائية «فرجينيا وولف» 1929 أعمالها بالخالدة: «إنّها حيّة وفعّالة، وهي تجادل وتجرّب، ونحن نسمع صوتها، ونتلمّس تأثيرها حتّى الآن بين الأحياء». ووصفها البعض بأنها كاتبة وفيلسوفة ومدافعة عن حقوق المرأة، كما يعدها آخرون مؤسّسة الحركة النسويّة، ويتناول كتابها هذا «دفاع عن حقوق المرأة» بالنقد بعض رموز عصره ومنهم «جان جاك روسو» مبيناً ما في كتاباتهم من تحيّزات ومواقف مسبقة، ويمتدّ بالنقد إلى ممارسات بعض النساء وتصرفاتهنّ، ما يحطّ من قدر المرأة وكرامتها وهو يدعو لأفكار مختلفة في التربية والإدارة الحكوميّة والأخلاق، وهذا ما يجعله كتاباً رائداً حقّاً في زمنه، ونتيجة سعي الكاتبة عكس ثقافة عصرها وأفكاره فقد جاء الكتاب غنيّاً بالأفكار والأسماء من مشارب شتّى وقد أوردته دار«بنغوين» ضمن سلسلة «كتب غيّرت العالم»، تقول المؤلّفة موضّحة مشروعها المنتصر للمرأة: «إنّ حجّتي الرئيسة في نضالي من أجل حقوق المرأة مبنيّة على هذا المبدأ البسيط: إذا لم تؤهّل المرأة عن طريق التربية لتكون رفيقة الرجل، فستعوق تقدّم المعرفة، لأنّ الحقيقة يجب أن تكون مشتركة للجميع، وإلّا فلن تكون فعّالة حين يتعلّق الأمر بتأثيرها في الممارسة العامة وكيف يمكن أن نتوقّع تعاون المرأة إذا لم تكن تعرف لماذا يجب أن تكون فاضلة؟ إذا لم تقوِّ الحريّة عقلها حتى تفهم واجبها.. وترى كم هو مرتبط بصالحها الحقيقي؟ إذا كان يجب تربية الأطفال ليفهموا مبدأ الوطنيّة الحقيقي، فيجب أن تكون أمّهم وطنية، ولا يمكن أن ينشأ حب الجنس البشري الذي تنبثق منه سلسلة متعافية من الفضائل، إلّا من التفكير بالمصلحة المدنيّة والأخلاقية للجنس البشري، لكنّ تربية المرأة الراهنة ووضعها حاليّاً يبعدانها عن هذه الأمور».
ـ كتاب «مقالات في النسوية»، تُرجم بالاشتراك مع ضحوك رقيّة، ويضمّ ستة مقالات في النسويّة، يقول مترجما الكتاب عن هذه المقالات السّت إن كل واحد منها تشكّل علامة بارزة في تاريخ الحركة النّسويّة، وكان له تأثير واسع في أوساطها حين صدورها، وتحوّلت مع الزمن إلى وثيقة مرجعيّة يعود إليها الدارسون والمهتمون بالشأن النّسوي، ومع أن الخيط الناظم للمقالات هو قضايا المرأة وحقوقها إلا أنها مقالات متنوعة فيما تتناوله من حيث كاتباتها وتجاربهنّ وخلفياتهن الفكرية والعملية ومتنوعة من حيث البلدان، فتجربة أوروبا وأمريكا التي تعرضها «جولييت ميتشل» تغتني بتجربة بلدان آسيويّة كماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة التي تطرحها «جيرالين هنغ»، وتجربة المرأة السّوداء ذات المعاناة المزدوجة بأنها امرأة أولاً وثانياً سوداء التي تقدمها «فرانسيس .م. بيل» تكمل بالإغناء ما طرحته تلك الرؤية الكاشفة لمعاناة نساء العالم الثالث التي تسلّط الضوء على بعض الآراء المسبقة والنّمطيّة السّائدة في النسوية الغربية عن قضايا المرأة في البلدان الأخرى، وهذا ما تطرحه «تشاندرا تالبيد موهانتي»، وفي الخاتمة تتناول «جوليا كريستيفا»، زمن النساء، موضوع الحركة النّسويّة من زوايا مختلفة عما سبق.
ـ كتاب «الأنثروبولوجيا الاقتصادية، التاريخ والإثنوغرافيا والنّقد»، للمؤلفين «كريس هان، وكيت هارت» يلخّص فيه المؤلفان فكرة متمثّلة بأنّ كيفيّة مراجعتهما لتاريخ الأنثروبولوجيا الاقتصادية ممكن أن تضيء مستقبل الأنثروبولوجيا نفسه، ويهدف الكتاب إلى تقريب علم الاقتصاد من الأنثروبولوجيا ولاسيما أن الأنثروبولوجيا الاقتصاديّة شديدة الصّلة بالنظرية الاجتماعية الحديثة خصوصاً إذا تعلّق الأمر بأفكار «ماركس، وفيبر، ودوركهايم».
ـ كتاب «القومية والنسويّة في العالم الثالث»، تُرجم بالاشتراك مع «ضحوك رقية» للكاتبة «كوماريجايا واردينا» وهي أكاديمية بارزة ولدت في سيريلانكا 1931، وقد لعبت دوراً فعّالاً في منظّمات الأبحاث النسائية وفي حركات الحقوق المدنية وغيرها من قضايا المرأة والطبقات والقضايا الإثنيّة، وتتناول الكاتبة بالنقد والتحليل، التجلّيات المختلفة للعلاقة بين النضالين الوطني/القومي والنّسوي في عدد من بلدان العالم الثالث، وفي الحقيقة العنوان أوسع من محتواه، كما يقول المترجمان: فهو يتناول تجارب أحد عشر بلداً فقط من بلدان العالم الثالث، مع نبذة عن أفغانستان، وجميع البلدان التي تتناولها الدراسة – ماعدا «مصر»- تقع في آسيا، في حين لا تتناول تجربة أي بلد إفريقي آخر، ولا عربي، ناهيك بتجارب أمريكا اللاتينية، أما البلدان التي تركّز عليها فهي تركيا، مصر، إيران، الهند، سيريلانكا، الصين، إندونيسيا، فييتنام، اليابان، كوريا، والفليبين، ويبدو أن إحدى الأفكار الرئيسة التي يتمحور حولها عمل المؤلفة هي: إنّ النسويّة في تلك البلدان لم تكن مجرّد هبّات بتأثير من الغرب، بل حركة أصيلة فيها، وإنّ الاحتكاك بالغرب قد أعطى بعض جوانبها زخماً إضافيّاً، أو سلّط الضوء على قضايا لم تحظَ بتلك الأهميّة من قبل، مع ذلك الظاهر أن الكاتبة تدرك ذلك الترابط الجدلي بين الحركات في البلدان التي خضعت للاستعمار، في تلك الفترة، والبلدان المستعمرة، وقد حظي الكتاب باهتمام كبير ويعدّ من الكتب المرجعيّة للباحثين والأكاديميّين، في مجاله.

المصدر: جريدة تشرين.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *