Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
العظماء يرحلون أيضاً

العظماء يرحلون أيضاً

هذه الكلمات أكتبها ولا تفي بالغرض من إعطاء الفقيدة زها حديد حقَّها، وقد فوجئ الناس بالرحيل المفاجئ لعظيمة معمارية ربما لم تأخذ قيمتها في رحاب العرب، ولكن غير العرب في الغرب قدروها، وقد رحلت وعرف الأمر في الغرب وفي أميركا ولكن لم يمر الخبر في البلاد العربية للأسف.
زها حديد ابنة وزير المالية محمد حديد في العراق، ولدت في العراق في بغداد وبعضهم قال في الموصل. درست عند الراهبات في بغداد حتى حصلت على الثانوية العامة ثم انتقلت إلى بيروت، حيث قبلت في قسم الرياضيات في الجامعة الأميركية، وبقيت حتى بدء القلاقل في بيروت حيث رحلت إلى المملكة المتحدة ودرست في مدرسة العمارة التابعة لجمعية المعماريين البريطانيين وحصلت على AA دبلوم العمارة، ودرَّست وحاضرت في جامعات عديدة في أوروبا وأميركا كهارفرد وييل ونيويورك وفي أوروبا وفي جمعية المعماريين للعمارة في لندن.
وقد ولدت في 31 تشرين الأول 1950، تخرّجت ببكالوريوس في الرياضيات سنة 1971 في بيروت، ثم بعد سفرها إلى إنكلترا حصلت على شهادة معمارية كما أشرنا سنة 1977، وبدأت حياتها بمشاريع نظرية ثم بدأت في التنفيذ وكانت بدايةً متأثرة بالرياضيات مما جعل مشاريعها الأولى ذات زوايا ومثلثات لم تكن معروفة في العمارة كنوعية، لأنها تخالف حاجات الإنسان ولكنها كانت تصمم باتجاه غير معروف سابقاً، وحيث إنها عراقية حصلت على الجنسية البريطانية وتحولت إلى مبدعة معمارياً حيث استدعيت إلى دول عدَّة لتنفيذ مشاريع ضخمة، والحقيقة أن انطلاقتها كانت تحتاج إلى مشاريع كبيرة ضخمة بأراضٍ كبيرة.
وكان لزها حديد اتجاه خاص لم يكن معروفاً كما أشرنا، وهذا الموضوع هو ما بعد التفكيكية Deconstruction التي جاءت ما بعد الحداثة.
كانت بداية عمارتها تعتمد الحديّة والزوايا الحادة وذلك لتأثير الرياضيات عليها في تصميماتها ومنها سنة 1999 Weil an Rheim وهو مشروع طبيعة اصطناعية تكوينية ديناميكية وكذلك يمكن أن ترى تصميم Spite llau Viaducts Multifunctional Complex في فيينا في النمسا وامتدّ العمل فيه من سنة 1994 ـ 2005.
كذلك نجد المساقط المثلثة في مؤسسة العمارة في لندن.
والحقيقة أن الهدمية التي انطلقت ما بعد عمارة ما بعد الحداثة اعتمدت الأشكال، أحياناً عشوائية التكوين وغطتها بغلافات ظاهرة لا تمتّ إلى داخل العمارة بصلة كما نرى ذلك بالأسلوب نفسه الخاص بفرانك غيري في أميركا وفي متحف غاغنهايم في إسبانيا وغيرها.
وقد وضعت زها حديد تطويراً لأسسها المعمارية بعد ذلك فطوّرت العملية في الزوايا الحادة إلى الانحناءات والانسيابية الطبيعية، وكأنها تلعب بعجينة بين يديها، نرى ذلك في لندن في مركز الأحياء المائية.
لكن زها حديد لم تتخلص من التأثيرات العربية والشرقية في واجهاتها، حيث نجد مثلثات عربية ونوبية هي مثلثات واجهات النوبة لحسن فتحي، وربما كما هي مثلثات مبنى مطار المهندس بيار لويجي نرفي.
تطوّر الأمر معها في الانسيابية، كما أشرنا إلى عمارة بيئية تأخذ المنحنيات البيئية الطبيعية، وحتى تأخذ موجات البحر في التكوين المعماري وانسيابية الأفاعي، من ذلك نجد مثالاً له في جسر أبو ظبي ـ جسر الشيخ زايد في مسابقة 1997، ويعتبر فريداً من نوعه طوله حوالي 800 متر.
أما في روما فاستعملت في المتحف الحديث طريقة التضاد ومع الإشارات الرومانية (Contrast) وفي داخل المتحف جعلت التاريخ القديم بطريقة حديثة (حب الرومان للحروب) المشروع 1992.
والانسيابية في التكوينات أصبحت ديدنها، كما نرى ذلك في أبو ظبي في مركز الفنون النصبية.
وقد تمّت دعوتها أيام نقيب المهندسين البروفسور المرحوم عاصي سلام إلى بيروت وقدّمت محاضرتين عن أعمالها وآرائها، ولفت نظري في مناقشتها وجود مشروع كما هي الحال في الجسور العربية فوق الأنهار، حيث يتمّ وضع ممرّ للمشاة وعلى جانبيه جسر نجد الدكاكين والمحال كما هي الحال في جسر اللحامين القديم الذي تمَّ هدمه في طرابلس، وقد نادينا بإعادة بنائه سابقاً ولم يتم ذلك للأسف.
متجاهلة
وأعمالها المتعدّدة شهَرتها من الشرق إلى الغرب وحين رحيلها في أميركا ـ مدينة ميامي ـ لم يتكرّم أحد برثائها أو تأبينها في بلدنا لبنان إلا على مستوى شخصي ضيّق وهي عربية الأصل من العراق، ولها أعمال كثيرة يمكن أن نذكر منها: قاعة الحديقة الألمانية ومركز الفنون الحديثة في روما ومحطة قطارات ستارسبورغ في ألمانيا وجسر الشيخ زايد ومحطة بحرية في ساليرنو، ولها مشاريع نظرية كثيرة لم تُنفذ. وفي محاضرتها في نقابة المهندسين في بيروت عرض لأفكار بعض مشاريعها التي تتأمل مستقبلياً أن تُنفّذ، ومنها مجموعات الرياضة في اليابان ومجموعة من المسارح ودور الأوبرا.
فحقيقة الأمر أن مبانيها في كثير من الأحيان كانت أيقونات فريدة وخاصة في البلدان ذات الرساميل الكبيرة، ولا ننسى الانسيابيات في مباني المسارح وخاصةً في المدن الثقافية التي كانت تحلم بتحقيقها خلال حياتها في الأبحاث العملية. لقد كانت تحلم وأحياناً كثيرة حققت أحلامها. مثال على ذلك: مركز حيدر عليف في باكو، أما المباني الانسيابية فنجد عندها نظرية لم تطبق.
إنها فتاة مسلمة أوروبية عبقرية البصيرة مبدعة، وعلى كل حال فإن الجماليات لها أبعادها وحدودها وأحياناً يشذ الإنسان حينما يرى الغريب فيظنه جميلاً، ولكن النسب والأبعاد والعمق والنفور والعلو والهبوط والسالب والموجب والمنور والمظلم كلها بعضٌ من المعطيات الجمالية التي يمكن أن نقول بأنها بعض العولمة على كوكبنا الأزرق، ولا نجد المبدعين إلا قليلاً ولو أنهم وقعوا بالخطأ ولكن الناس تنبهر بالغريب، ولعل المستقبل يحدد جماليات الأعمال المعمارية للمعمارية زها حديد التي حصلت على جوائز عدَّة ولا غرو بأنها المرأة الأولى في العالم التي حصلت على جائزة Pritzker Architecture Price، وهناك بعض الجوائز التي حصلت عليها.
فهي عربية ورفعت شأن المرأة عالمياً وخاصةً في مجالات الفن والعمارة التي هي أساس المجتمع والتجمعات الحضرية، ويمكن مراجعة صورة الاحتفال بالجائزة التي نالتها وحيدةً من بين نساء العالم المذكورة، منذ حوالي عشر سنوات.
وإنها للفتة للنظر وباعثة أمل المرأة العربية في نجاحاتها، وهذا مجال الفن والجمال والمحبة والتضامن الكامل بين الناس في الإعجاب والإعجاز البشري، وللأسف لم يكن أمام مكتبها متابعة العمل معها وإن كانت أعمالها باقيةً باقيةً كإيقونات معمارية كل واحدةٍ منها تحفة نادرة، لكنها سنَّة الحياة ما بين الحياة والموت التي حرمت المعماريين والعالم من هذه المبدعة ومن هذه الكفاءة، فلنذكر ونتذكر ولا يجب أن ننسى زها حديد وخاصةً أن أيقوناتها المعمارية التي نفذت والتي لم تنفذ، ويمكن أن نأخذ من هذه مثالاً مبنى عمودي بانحناءات طبيعية وفواصل انسيابية وجمالية بيئية طبيعية، فلنذكرها حتى في آرائها النظرية والتي لم تنفذ.
رحم الله الفقيدة المعمارية الفنانة التي عملت بكد وجهد طول حياتها ولم تيأس حتى وافتها المنية. أسكنها الله فسيح جنانه، وهدى العرب بذكر عظمائهم الذين أشهروهم بفنهم في العالم.

المصدر: السفير.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *