Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
أجيرات الشاويش: معاناة بثياب زاهية

أجيرات الشاويش: معاناة بثياب زاهية

تمسح معاناة اللجوء السوري إلى البقاع مشهد السهل بلمسة داكنة. تخفي تلك الثياب الملونة التي تزهو بها كل بقعة خضراء في السهل معاناة عائلات، كان لقب سيداتها قبل مغادرتهن بيوتهن قسراً في سوريا “ستات بيوت”، ولكن قسوة القدر على وطنهن، ألزمت كثيرات منهن على مواجهته بسواعدهن، فأصبحن “أجيرات” يعملن لينلن “اللقمة” بعرق الجبين، بدلاً من مد اليد للاستعطاء.
هو اللجوء إذا، الذي سحق كل من غازية (60 سنة)، حربية (45 سنة)، شمسة (45 سنة)، ونوفا (55 سنة) فأنحنت ظهورهن أمام شجرة زيتون تتوسط مستديرة تجميلية قرب بيادر مدينة زحلة، طمعاً بعشرة آلاف ليرة وعدت كل منهن بتقاضيها في نهاية 5 ساعات مضنية من العمل بنكش التراب وتشذيب الحشائش.

حتى الأصغر سناً بينهن بدت مسنة، وهذه ميزة مفضلة لدى الشاويش فرحان، الذي جلس على قارعة الطريق يترقب انتهاء السيدات من نكش “المرجة” الأولى لينتقل بهن إلى الثانية. فعلى الأقل “المسنات لن يتلهين بالهواتف خلال عملهن”، كما يقول، و”سيكون جهدهن مركزاً على إنهاء العمل ليعدن إلى عائلاتهن”.

ليست السيدات الأربع الوحيدات التي تعملن بإشراف فرحان، فورشته مؤلفة من 10 سيدات تتوزعن في المساحات الخضراء المنتشرة في زحلة. ولأن السيدات المحتاجات للعمل في مخيمات اللاجئين السوريين كثيرات، فقد إتفق معهن على توزيع المهمات على 10 سيدات مختلفات كل شهر، حتى يتسنى للجميع تقاضي أجراً يُسهم في التخفيف من وطأة “القلة” التي ترزح تحتها معظم العائلات.

تتغلب غازية على ظهرها الذي يبس منحنياً، لتروي عن بيتها الواسع في ريف دمشق، حيث كان زوجها يملك بستان زيتون يحضر إليه العمال لمساعدته في لم المحصول. ولكنها تقول: “عندما غادرنا سوريا هربنا بثيابنا فقط، لم نحضر معنا شيئاً، ظناً منا أننا لن نتأخر في العودة، ولكن غربتنا طالت، وأصبحنا بحاجة لنعمل كلنا حتى نعيش”.

التجربة جديدة على السيدات الأربع اللواتي باشرنا العمل منذ عشرة أيام فقط كما يؤكدن. ولكنها معممة في معظم مخيمات اللاجئين، خصوصاً مع تقليص حجم المساعدات الإنسانية للاجئين.

بعض الفتيات والسيدات السوريات أُلزمن بشروط شاويش المخيم للعمل في مقابل أجر قطعة الأرض الصغيرة التي تقيم عليها العائلات خيمها. وهذا نظام فرضه القيمون على التجمعات في سهل البقاع.

تُروى في تجمعات الخيم في البقاع قصص عائلات كثيرة رفضت إخضاع بناتها لنظام الشاويش فأجبرت على المغادرة. عائلة زياد الذي أقام في منطقة الدلهمية هي واحدة من هؤلاء. فبعدما استنفذت ظروف الهجرة مدخراته، قرر الانتقال من منزله المستأجر للسكن في خيمة، ولكن عندما علم أن المقابل سيكون ارسال زوجته وابنته للعمل في السهل، فضل أن يبيع ما بقي من املاكه في سوريا بسعر بخس ليستأجر غرفتين، علّ كبوته تنتهي بالهجرة إلى أي بلد أوروبي أو بالعودة إلى سوريا.

تقول حربية التي تعمل مع ابنتها الكبرى (15 سنة) لإعالة عائلة تتألف من خمسة أولاد: “اننا ننظر كل يوم إلى الوراء، وليس إلى الأمام. فهمنا الوحيد هو العودة إلى سوريا التي خلفناها وراءنا، وحلمنا أن نجدها كما كانت بعدما كنا نحلم سابقاً بالتغيير. لم نعد نريد شيئاً سوى العودة إلى بلدنا، وليحكم البلاد من يحكمها، المهم بالنسبة لنا أن نستعيد كرامتنا. لأنه صحيح من ترك داره قل مقداره”.

وتشرح نوفا التي تعمل لإعالة أولادها الستة وزوجها العاجز، أنها رغم قسوة الأحوال الأمنية في حمص، بقيت حتى آخر لحظة ترفض مغادرة بيتها، إلى أن اضطرت إلى ذلك منذ عامين ونصف تقريباً. في سوريا، كما تقول، “كنا نسكن في بيوت، وكان كل شيء مؤمناً لنا، زوجي كان يعمل سائق أجرة، وكنا نؤمن لقمتنا بكرامة، ولم نمد أيدينا لأحد. أما اليوم فبتنا نستعطي صندوق الإعانة من الدول، وألزمنا على العمل، وكل ذلك وسط تعاط دوني من الناس الذين استقبلوننا، ونظرتهم إلينا كأننا نأخذ ما هو حق لهم”.

عند السؤال عما إذا كان ما تتقاضاه السيدة الأجيرة كافياً لإعالة عائلتها، تقول سيدات أجيرات إن المعيشة في لبنان غالية أساساً، وأجر السيدة يقطتع من قبل الشاويش، ولا يوازي أجر الرجال في معظم الأحيان، وبالتالي قد لا يكفي ما تتقاضاه الأجيرة لشراء ربطتي خبز وبضعة كيلوغرامات من الخضار. لكن عمل أكثر من فتاة وسيدة من العائلة نفسها يسهم في سداد المستحقات الأخرى ومنها أجر الخيمة والكهرباء وثمن مياه الشفة. كل ذلك من دون أن يحق لهن الاعتراض على ما يلحق بهن من غبن، خصوصاً في ظل ظروف إقامة اللاجئين غير المستوفية للشروط القانونية في معظم الأحيان، والتي تجعل الرجال والشبان أكثر حذراً في التنقل، وبالتالي تقلل من قدرتهم على العمل.

المصدر: المدن.


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273