Pages Menu
Categories Menu
لكي لا تذبل الزهور ماري عجمي

لكي لا تذبل الزهور ماري عجمي

قد أكون من الكاذبات إن لم أؤمن بأن المرأة قد نهضت عن موضعها وأنا أراها تؤلف الحلقات وتنشئ المؤتمرات وتقوم برحلات من بيروت إلى سوريا ومن سوريا إلى لبنان ومن لبنان إلى طهران.
ولا أكون أكثر زوراً مني ساعة أشهد أن المرأة لم تحقق غرضاً من أغراض هذه الدعوة العريضة ما عدا جمع بعض الكتب في مكتبات الجمعيات التي لا تقرأ منها على الغالب إلا الروايات، وما عدا إقامة بعض حفلات ترى الخطيبة التي لا تلقي فيها إلا الخطب الباردة في أبحاث فرغ الناس منها، هي صدى ما علق بذهنها من مطالعة الصحف الحين بعد الحين.
أما العوامل التي سببت وقوف عمل جمعيات النساء عند هذا الحد على ما يقول بعض المفكرين، فالأخلاق السلبية التي يتصف بها كل من الرجل والمرأة في سوريا، وإن أثر هذه الأخلاق في المرأة ما يزال أقوى منه في الرجل، فهي قد توافقك على الفكرة الفلسفية والعلمية وتشعر بضرورة عملها بها سعياً وراء المثل الأعلى، ثم تقف مترددة ثم محجمة عما تطمح إليه بعامل الجبن أو الوجل أو الكسل أو الجهل.وقد يكون جهل جماعات النساء بالطريق إلى تحقيق أغراض جمعياتهن أكبر العوامل التي وقفت بهن بعد صرف عشر سنوات في المناقشات التي لا طائل تحتها عند هذا الحد، لانك إذا بحثت بينهن عن حاملات شهادات الطب والآداب والصيدلة والحقوق والفنون، القادرات على التعمق والإفاضة، لا ترى أثراً لهنّ في هذه الجمعيات إلا حين يدعين إلى إلقاء كلمة. لأن هذه الفئة لم تَجُد حتى اليوم على هذه الجمعيات بشرف انتمائها إليهن، ولا هنّ يأبهن لتأليف جمعيات خاصة بهن يتذوقن فيها لذة التفاهم ويعملن في صبر وتأن على إبراز أعمالهن بدقة وإتقان لينتجن شيئاً أو يحققن غاية أدبية أو موسيقية أو فنية أو رياضية أو اجتماعية أو علمية على نقيض ما نرى من النهضات النسائية في العجم وفي الهند وفي تركيا، تلك الأقطار الشرقية التي تسير المرأة المثقفة فيها بجماعتها وفق فكرة فلسفية أو وفق غاية معينة تطمح بها إلى مثل أعلى تضعه نصب عينيها وتبذل قصاراها في البلوغ إليه رغم ما تلاقيه من عنت وإجهاد  ومشاق إلى أن يقيض لها الله أسباب التوفيق.
فإذا لم تتألف الجمعيات النسائية من فرق المثقفات أو لم يكن كل الأعضاء في جمعية واحدة مثقفات فإن جمعياتنا الحاضرة، ولئن ناصرتها العاملات بإخلاصهن، ودرجة أكثرهن العلمية لا تسمو على التعليم الابتدائي، باقية عند هذا الحد إلى عشر سنوات أخرى تظل فيها نهضتنا النسائية الموهومة سخرية لأديبات الغرب اللاتي يأتين للسياحة في هذه البلاد. وإنّ لي، مما نشرته أديبة فرنسية سائحة طلبت أن تجتمع إلى الزعيمات فكان لها ما أرادت، دليلاً على ذلك. فقد رغبت هذه السائحة أن تطلع على درجة مستوى زعيماتنا العلمي فقامت تلقي عليهن الأسئلة، فإذا هنّ يجهلن تاريخ دينهنّ وبلدهن، حتى أسماء الجبال التي تحيط ببلدتهن ويشرفن عليها من نوافذ منازلهن!
فزعامة من هذا النوع، نملأ بها الدنيا من الجعجعة قبل أن تقوى على تحريك الرحى، تنشر في الصحف أنها تعمل كثيراً وهي لا تفعل شيئاً، وأنها تمثل نشاط نساء البلاد ودرجة ثقافتهن وهي في الواقع تمثل كسلهن أو ضعفهن أو جهلهن المطبق. وكثيراً ما تنقلب هذه الجمعيات الأدبية إلى جمعيات خيرية، وليس من عجب في ذلك لأن الجمعيات الخيرية في سوريا ولبنان ناجحة، لسهولة تأثر الناس بالدعوة إلى التصدق، وصعوبة تأثرهم بالدعوة إلى فكرة علمية أو أدبية، ولأن الجود بالمال أيسر على أمثالنا من الجود بالأدب. وإن تصدّقك على مريض أو بائس بربع ليرة مثلاً أهون عليك من تصدقك ببحث ظريف مستفيض، لأن قرضنا الله مبلغاً زهيداً من المال نتوقع انه سيعوضه علينا بالفائدة الفاحشة ألفاً، هو مثار السذج على الغالب إلى التصدق على البائسين وإلى معاضدة الجمعيات الخيرية لا سيما النسائية منها.
يستنتج مما تقدم أن الدعوة إلى تأييد الصناعة الوطنية من جمعية لا تقصر ما تبتاع على المآكل والملابس الوطنية، وأن الدعوة إلى التهذيب والأدب من جمعية لا تقوى عضو فيها أن تثير العاطفة أو تخاطب العقل، وأن الدعوة إلى الاصلاح الاجتماعي من جمعية لا تقدر أن تتلمس إليه طريقاً غير الذي ترشدها المبشرات الأجنبيات إليه، وأن الدعوة إلى رفع مستوى المرأة وإصلاح شؤونها بتعديل ما تئن منه الشرائع من جمعية لا تغامر بشيء في سبيل الإرغام على وضع تشريع جديد يضع حداً للشكاوى والمظالم… أجل إن هذه الدعوات كلها، الملقبة بالنهضة النسائية، ما تزال ضعيفة خائرة لضعف القائمات بها ولخور في عزائمهن ولأن أكثرهن ينتحي بها طريق الشهرة لا طريق التضحية والنكران والمغامرة بالوقت والدرس والمفاداة بالمال والنفس.
وستبقى هذه الدعوات صرخات في واد تصطك منها آذان المثقفين إلى أن تتحس المثقفات بضرورة تغذيتها ودعمها بروح العلم وميزان العقل تحقيقاً للغاية منها، وإلى أن يتناولن بذورها ليغرسنها في حقول سوريا ولبنان متعهدات بحرث منابتها وسقيها وتنقيتها لتغدو أزهارها حية نامية لا أزهاراً توضع في الآنية أيام الحفلات لتذبل في الغد ذبول الجني من الأزهار.

«الثقافة السورية»، 5 نيسان (أبريل) 1933

ميّ… وزيادة!

ذات يوم أجرى فارس الخوري، السياسي والمفكر السوري، مقارنة بين الأديبة الفلسطينية/ السورية ميّ زيادة، والناشطة النسوية والأديبة السورية (1888 ـ 1965)، فقال:
يا أهيل العبقرية        سجّلوا هذي الشهادة
إنّ ماري العجمية      هي مَيّ وزيادة!
وكان، في هذه الخلاصة، يتكئ على أساب عديدة: هذه هي المرأة التي أسّست مجلة «العروس» في عام 1910،  كمطبوعة نسائية أولى من نوعها؛ وتابعت إصدارها رغم ظروف القهر العثماني (والتي كانت، في سوريا، تختلف تماماً عن شروط الحرية النسبية في مصر، يومذاك). وهي التي ارتبط كفاحها من أجل المرأة، بالدفاع عن أحرار سوريا من الرجال المطالبين بالاستقلال (ومواقفها من شهداء السادس من أيار/مايو عام 1916 فريدة حقاً بالنسبة إلى امرأة في ذلك الزمان). وإنها السيدة التي تبنّت قضية السجناء السياسيين على النحو الذي تمارسه اليوم منظمات حقوق الإنسان، فأصرّت على زيارة السجون، ونشرت في مجلتها تحقيقات مفصّلة عن بؤس المعتقلات وسوء معاملة المعتقلين. وروى أنها طلبت مقابلة جمال باشا السفاح (الطاغية العثماني الذي حكم سوريا بالحديد والنار والمشانق)، لكي تطالبه بالعفو عن الوطنيين المعتقلين؛ ولما رفض الاستجابة إلى طلبها، شنّت عليه هجوماً شنيعاً نشرته في مجلتها، وواصلت التعريض به من خلال الشعر والمقالة (سرّاً وعلانية)، حتى أخذ الناس يستغربون كيف لم يضمّها السفاح إلى قوافل شهداء ساحة المرجة.
وفي رثاء هؤلاء الشهداء كتبت نصّاً جميلاً منسرح اللغة والأفكار والمخيّلة، يبدو اليوم غير بعيد عن أن يكون نموذجاً مبكّراً لقصيدة النثر العربية المعاصرة: «أما تبرحون غارقين في رقادكم أيها النائمون؟ أما تعبت أجنابكم وملّت من اللصوق بالرمال؟ قوموا! فقد نمتم نوماً طويلاً! إنّ نفحات الربيع تملأ الفضاء، والأطيار تتسابق على الأفنان، والجداول تناديكم: أنّ هيّا عودوا إلينا. لقد كفى القلوب وجداً وأنيناً. لا نستطيع أن نرحّب بالربيع وأنتم بعيدون عنّا! لا يطيب لنا فوحُ الأزهار، وفي الأرواح نفحات دمائكم البريئة، عودوا فقد عادت الورود الحمراء إلى مآقينا».
درست في دمشق، التي ولدت فيها، وعملت في التعليم، ومارست الخطابة والشعر والترجمة، في فلسطين والعراق ومصر. وأسست مع نازك العابد «النادي النسائي الأدبي»، الذي يعدّ أبكر جمعيات المرأة في سوريا؛ وكانت لها مواقف ثقافية وطنية ضدّ مدارس الانتداب الفرنسي، كما حرصت على ربط الأصالة بالمعاصرة وتحرر المرأة بانتمائها إلى جذورها، وشددت على دور المثقف في تحرير المجتمع، وبشّرت بالعلمانية والعقل.

ماري عجمي

المصدر: القدس العربي.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *