Pages Menu
Categories Menu
نائب الحشمة يفضح الخلطة «الحديثة»

نائب الحشمة يفضح الخلطة «الحديثة»

بينما متنورات ومتنورون يتبادلون صور النائبات في مجلس النواب المصري في جلساته الأولى، مصحوبة بتعليقات مثل «مصر المنورة تعود من جديد» و «الهوية المصرية لا تزال على قيد الحياة». وبينما معلقون ومحللون يستعرضون السير الذاتية للنائبات واختصاصاتهن المتنوّعة بين سياسية، اقتصادية، رياضية، واجتماعية، وفي مجال الإعاقة وغيرها، كان آخرون منشغلين مفكرين مهتمين مهمومين بملابس نائبات مصر.

نائبات مصر اللاتي طال انتظارهن، بهذه التشكيلة وهذا التنويع، أصبحن شغل الجميع الشاغل وهمّهم الطاغي، لا لمناقشات دارت رحاها، أو مطالبات أيقظت نياماً، أو حتى نشاطات لم يعتدها البرلمان. لكن لأن أحد النواب انبرى من بين الصفوف، واندلف على رغم الملفات والمواضيع والقوانين المثقل بها كاهل المجلس الذي طال انتظاره. وتحدّث بقوة وقالها صريحة جلية في ميكروفون المجلس المهيب أمام النواب المحترمين: «على النائبات السيدات الحشمة في المجلس».

حشمة النائبات المحتشمات أصلاً بشهادة الجميع، أصبحت حديث المصريات والمصريين بين مؤيّد ومعارض وشاجب ومندّد وضارب كفاً بكف، غير مصدّق ما يجري.

مئات المداخلات الهاتفية تلقتها برامج الـ «توك شو» على الهواء مباشرة. واستضافت البرامج الليلية عشرات الضيوف، فريق منهم يطالب بـ «حشمة النائبات» معضداً موقفه بالعادات والتقاليد تارة، والدين والتديّن طوراً، وبالأصول التي يجب مراعاتها لأي امرأة تبرح بيتها، وفريق يتراوح بين مطالب بتفسير معايير الحشمة المنشودة، ومندّد بالمطالبة من الأصل، ومصمم على اعتذار رسمي علني من النائب على ما تفوّه به في قاعة المجلس الموقّر.

النائب إلهامي عجينة، تدارك الموقف بطريقته الخاصة حين أيقن أن حديث الحشمة قوبل بكثير من الاستهجان، على رغم أنه بات في مصر في العقود الثلاثة الماضية أمراً عادياً ومفروضاً على المرأة تقبله طالما يصدر عن رجل.

ونفى النائب الموقر في برنامج تلفزيوني، أنه تفوّه بمثل هذه العبارات، وحين ضاق الخناق عليه من نائبات كن في القاعة حين طالب بالاحتشام، ردّ: «خانني التعبير ولم أكن أقصد أن النائبات غير محتشمات، فجميعهن محترمات وفضيلات».

لكن حديث الفضيلة ومسألة الاحتشام ليسا مجرّد كلمة تفوّه بها نائب، لكنهما واقع يعيشه مصريون باعتبارهم حاملي صكوك توزيعهما، وتعاني منهما مصريات باعتبارهن ملزمات بأحكام الفضيلة الصادرة عليهن، وأبرز معاييرها بات الملبس، حيث عصر «الحرملك» مسيطر على الأدمغة على رغم بلوغنا العام الخامس عشر من الألفية الثالثة.

«كان لزاماً على السيد نائب البرلمان أن يُدلي بتصريحات إيجايبة تخص النساء من شأنها مساندة دورهن في المجال العام، بدلاً من التعامل مع زميلاته بهذه النظرة الذكورية النمطية التي تعود بالمجتمع إلى عصر الحرملك. وتتعامل مع النساء بنظرة سلطوية أبوية تفرض الوصاية عليهن، وتحصرهن فى أدوار اجتماعية محدودة، وتفصلهن عن المجال العام»، وفق ما نصّ عليه بيان صدر عن «مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون» بسبب «نائب الحشمة».

وذهب البيان إلى مطالبة النواب جميعاً بالتركيز على قضايا الفقر والعشوائيات والمرأة المعيلة والتسرّب من التعليم والعنف ضد النساء والأحوال الشخصية، بدلاً من مثل هذه التصريحات المسيئة للنساء.

وعلى رغم ذلك، فإن واقع الحال يشير إلى أن عجينة يمثّل قطاعاً عريضاً مما آلت إليه ثقافة المصريين «الحديثة»، وطبيعة نظرتهم إلى المرأة وحقيقة تبجيلهم لها. فقد استطرد ضيفان في قناة فضائية في مناقشة الاحتمالات الواردة في حال عادت إحدى النائبات إلى بيتها بعد جلسة برلمانية طويلة لتجد زوجها جائعاً بعدما تعذّر عليها إعداد الطعام نظراً الى غيابها الطويل. وعلى رغم أن الفكرة بدأت كدعابة، إلا أنها أصبحت مزيجاً من الجد والهزل كاشفة الكثير مما يجول في خواطر الضيفين والمذيع والمتدخّلين عبر المكالمات الهاتفية والرسائل النصية. فريق الكلاسيكيين تمسّك بموقف «العمل الذي يعطّل المرأة عن أداء واجباتها البيتية مرفوض»، و «النائبة طلعت نزلت امرأة وأولويتها بيتها». أما فريق الأصوليين، فقد رأى في عمل النائبة نائبة كبيرة ليس فقط على بيتها لتقصيرها المتوقع في أعمال الطبخ والكنس وتربية الأطفال، بل «على البلاد والعباد لأنها رسالة بأن البلد لم يعد فيها رجال». والفريق المتأرجح بين سماء المساواة وأرض «الست ست والراجل راجل»، تحدّث كثيراً عن صفات النساء اللاتي تؤهلهن لتقلّد المناصب وتبوؤ الكراسي، لكن إن اضطرتهن الظروف للمفاضلة، فالأولوية للبيت. وبقي فريق أصيب بخرس الصدمة الثقافية وألم «الفزعة الجهولية»، فبقي صامتاً مفضّلاً الانزواء الى حين مرور سحب الذكورية الملبّدة بالظلامية.

الظلامية في التفكير التي عانتها النائبات حين تفوّه زميلهن بمطالبته السخيفة، تعيشها الغالبية المطلقة من نساء مصر وفتياتها منذ عقود طويلة. تخلّت غالبية المصريين عن التفكير في قضايا بلدهم وحتى مشكلاتهم الشخصية، وصبّ الجميع اهتمامه على المرأة. ماذا ترتدي؟ وكيف تتحدث؟ ولماذا خرجت من بيتها؟ وكيف دخلته؟ وهل تحدّثت بصوت مرتفع؟ وهل يجوز لها الظهور أم يجدر بها الاختباء؟ حتى أصبحت نساء مصر جنديات مجهولات في الحياة.

وما تقدّم كتبته الطالبة ميادة حسن (21 سنة) كردّ فعل على صفحتها على «فايسبوك»، ولقي قبولاً واستحساناً طاغيين، لكنه أثار حفيظة بعض زملائها في الجامعة، فحذّرها أحدهم من التطاول على الدين والثقافة. وسخرت أخرى مما كتبته مؤكّدة لها أنهن يعشن في مصر البلد الشرقي الإسلامي وليس «الغرب الفاجر»، مطالبة إياها بالاهتمام بقضايا النساء الحقيقية، مثل الحياء والالتزام وتعلم أصول التربية لإعداد أجيال ملتزمة.

التزام من نوع آخر طالب به بيان «مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون»، وهو أن تلتزم وسائل الإعلام دعم قضايا النساء في المجالين العام والخاص، وضرورة الوقوف صفاً واحداً لدعم قضايا النساء المصريات. كما طالبت المؤسسة الإعلام بدعم النائبات من خلال تقويم أدائهن التشريعي تحت قبة البرلمان، وعدم الدخول في أمور فرعية مثل إطلاق الألقاب عليهن أو حصرهن في أدوار اجتماعية ضيّقة.

وأعربت الغالبية العظمى من النائبات عن غضبهن واستيائهن الشديد مما قاله عجينة، وطالبناه باعتذار علني.

المصدر: جريدة الحياة

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *