Pages Menu
Categories Menu

بين ديمومة الزواج وديمومة المعاناة…أين يقف القانون الكنسي؟

537image[1]بقلم : انطوان جرمانوس

 

 سر الزواج، جدية الالتزام وضرورة المحافظة على كيان الأسرة، مسلّمات لا أحد يجرؤ على المس بها، وأبلغ دليل على ذلك فشل مشروع قانون الزواج المدني الذي قوبل برفض قاطع من كل المرجعيات الدينية. ولكن ماذا إن لم تعد الحياة الزوجية تطاق لاسباب لم تشملها التشريعات الكنسية كمبطلة للزواج او فاسخة له؟ وما الأهم: العقد أم المتعاقدون؟ وأين الدين من الأولويات البشرية؟
الزواج عند كل الطوائف المسيحية، ما عدا الانجيلية، سر. من هنا صعوبة بطلانه أو فسخه. وبحسب النظام المعمول به في لبنان، هناك زواج ديني فحسب، أي ان الرجل والمرأة يقترنان أمام السلطة الطائفية التي يتبع لها الرجل. في هذا التحقيق عرض لسبل إنهاء الزواج الكاثوليكي والارثوذكسي والانجيلي من خلال لقاء مع الاستاذ المحاضر في كليات الحقوق المحامي ابرهيم طرابلسي الذي استهل بالقول ان “الكنيسة تميز بين بطلان الزواج وفسخه. والمعتمد في الكنيسة الكاثوليكية هو بطلان الزواج، أما بقية الكنائس فتعتمد، الى البطلان، فسخ الزواج او الطلاق وهما الاكثر شيوعاً لدى الطائفتين الارثوذكسية والانجيلية”.
في الزواج الكاثوليكي
النِّهاية الوحيدة له، اذا توافرت أسباب قانونيَّة تبرِّره، إعلان بطلانه. وسبب البطلان بالمفهوم القانوني البحت ينشأ بتاريخ اجراء العقد ويعيب بالتَّالي وجوده في الأصل، وهذا ما يبرِّر امتداد الفترة احياناً بين تاريخ عقد الزَّواج وتاريخ بطلانه.
“يعتبر عقد الزَّواج باطلاً في حال انعقاده مع وجود مانع مبطل للزَّواج لم يفصح عنه، أو لوجود أسباب تلازم انعقاده ضمن ظروف ومعطيات محدّدة وسابقة للزَّواج تجعله باطلاً وكأنَّه لم يكن. لكن إعلان بطلان الزَّواج لا يحول دون الإعتداد بالمفاعيل المترتبة عنه وأهمّها شرعيَّة الأولاد النَّاتجين منه وحقوقهم”.
في المبدأ، ينعم الزَّواج برعاية القانون، والزَّواج الكاثوليكي يتمتع بخاصيتين هما الوحدة والّلاانحلال، لذلك فإنَّ الزَّواج الصَّحيح المقرَّر  والمكتمل لا تحلّه أي سلطة بشريَّة. ولكي يعتبر الزَّواج مقرَّراً صحيحاً ومكتملاً،  لا بد من توافر الشُّروط الاتية: 
-1 أن يكون صحيحاً ، لأنَّ الزَّواج الظَّني أو الموهم باطل ولا قيام فيه للوثاق الزَّوجي، والزَّواج الظَّنِّي يتم وفقاً لأحكام الشَّريعة عن حسن نيَّة الزَّوجين أو أحدهما، ويجهلان أو يجهل أحدهما، عند إجراء العقد، سبب البطلان الَّذي يشوبه. إنَّ الفترة الممتدَّة بين تاريخ قيام عقد الزَّواج وتاريخ إعلان بطلانه تسمَّى الفترة الظَّنيَّة.
-2 أن يكون مقرَّراً، أي قائماً لجهَّة العقد ومراسم بركة الإكليل.
-3 أن يكون مكتملاً بالجماع الجنسي الَّذي يمسي به الزَّوجان جسداً واحداً.
لذلك، ان كل زواج لم يستوف تلك الشُّروط، يعتبر لاغياً ولا وجود له في الأساس. وإلى هذه الشُّروط اللاغية للزَّواج والتي تنفي قانونيَّته ووجوده، ذكر القانون الكنسي الكاثوليكي أسباباً تبطلُ الزَّواج، هي:
-1 الإكراه والخوف:
جاء في القانون 825 من مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة الجديدة: ” لا يصح الزَّواج إذا أُكره الشَّخص عليه بالقوَّة أو الخوف الشَّديد الواقعين عليه من الخارج، وإن عن غير قصد، فيضطَّر للتَّخلُّص منهما أن يختار الزَّواج”.
الإكراه والخوف يعطِّلان الرِّضى الزَّواجي ويعتبران من عيوبه الرِّئيسيَّة ويؤثِّران على حرِّيَّة القرار الَّذي هو في جوهر الزَّواج. ويعرِّف طرابلسي الإكراه والخوف كالآتي: “الإكراه هو قوَّة ضاغطة صادرة عن عوامل خارجيَّة لا يمكن مقاومتها، والخوف هو اضطراب داخلي بسبب شر أو خطر حاضر أو مستقبلي”. والإكراه نوعان: مادِّي وأدبي.
مادي: عن طريق التَّهديد ، الضَّرب، شهر السِّلاح، الطَّرد من البيت.
أدبي:  الإلحاح، ضغط الأهل الَّذي ينتج منه خوف من شر يلحق بهم.
إثبات الإكراه والخوف، من الأمور الصَّعبة جداً، لأنَّ اضطراب النَّفس النَّاتج من الإكراه والخوف هو من الأمور الباطنيَّة. وقد ذهبت محكمة “الروتا” المقدَّسة في روما، وهي المحكمة الموحِّدة للإجتهاد الكاثوليكي في العالم، في الكثير من أحكامها إلى اعتبار أنَّه يمكن الوثوق بإفادة شاهدين يؤيِّدان الخوف أكثر ممَّا يوثق بألف ينكرونه، وبالأخص إذا ذكر الشَّاهدان وقائع دقيقة معيَّنة ومتوافقة. وتقبل في دعاوى الإكراه والخوف شهادة الأهل الَّذين هم أدرى النَّاس بمثل هذه الظُّروف. وكذلك لتصريح الضَّحيَّة المعزَّز بالقسم أهميَّة كبرى لإثبات الإكراه والخوف، وايضاً لإعتراف موقع الخوف بعمله.
-2 الشَّرط:
“في عقد الزَّواج، الشَّرط هو العارض أو الظَّرف الَّذي تتوقف على تحقيقه أو عدم تحقيقه قيمة الزَّواج القانونيَّة، أي أن يصبح العقد ناجزاً وينتج كل مفاعيله.إن الفعل أو الموجب لا يتكوَّن في جوهره حالاً وكاملاً عندما يضاف إليه الشَّرط، بل يعلَّق تكوينه أو يلغى حسبما يقتضي الظَّرف المضاف، فيكون إمَّا شرط تعليق، وإمَّا شرط إلغاء”.
جاء في القانون 862 من مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة الجديدة: “لا يصح الزَّواج إذا عقد بشرط”. والشَّرط يكون منافياً لجوهر الزَّواج، كأن يتناول إحدى خصائص السِّر الرَّئيسيَّة. ولكن يجب التَّمييز بين الشَّرط ومجموعة من الأسباب والأمنيات والإفتراضات الَّتي تحمل على عقد الزَّواج، وهذه لا تبطل الزَّواج، وقد جاءت تسميتها قانوناً “الكيف”.
-3 الغلط:
يقول طرابلسي في تعريف الغلط: “الغلط هو إدراك الشَّيء على غير حقيقته أو بصورة غير صحيحة”. وقد جاء في القانون 820 من مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة، البند الأوَّل: “الغلط في شخص الفريق الآخر يجعل الزَّواج باطلاً”. وتختلف أنواع الغلط المبطل للزَّواج، اذ قد يكون غلطاً في القانون، او في الواقع، أو في الشَّخص. أمَّا الغلط في صفة من صفات الشَّخص، فلا يبطل العقد.
-4جهل موضوع الزَّواج:
ينص القانون 819 الجديد من مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة على: “لكي يتم الرِّضى الزَّواجي لا بد لعاقدي الزَّواج من أن يدركوا على الأقل أنَّ الزَّواج مشاركة دائمة بين الرَّجل والمرأة بقصد الانجاب عن طريق فعل جنسي”.
بطلان الزَّواج في هذه الحالة مردَّه إلى جهل أمور جوهريَّة تتعلَّق بالعقد: طبيعة الزَّواج، إنجاب الاولاد،  ديمومة الزَّواج.
يقول طرابلسي: “تشكِّل هذه العناصر موضوع العقد والرضى، وعندما ينتفي الموضوع يسقط العقد. من يجهل، مثلاً، موضوع العقد الزَّواجي لا يستطيع منح رضى صحيح،لذلك يتوجَّب على المتعاقدين معرفة الحقوق والواجبات الزَّوجيَّة الَّتي يلتزمان تبادلها”.
-5 التَّلجئة:
هي فعل إرادة وضعي يعبِّر عنه عاقد الزَّواج،خارجيَّاً عن رضاه الزَّواجي وفي الواقع يرفض أو ينفي باطنيَّاً الزَّواج بحد ذاته كمؤسَّسة أو إحدى خصائصه الرئيسيَّة الثَّلاث وهي: الديمومة، الأمانة والوحدة، الإنجاب والنَّسل.
التَّلجئة نوعان: التَّلجئة الكاملة، عندما يرفض أحد الفريقين أو كلاهما بفعل إرادة وضعي الزَّواج نفسه كمؤسَّسة، والتَّلجئة الجزئيَّة، عندما يرفض المتعاقدان أو أحدهما إحدى خصائص سر الزَّواج، كحلية النَّسل أو الإنجاب، الأمانة أو الوحدة،الديمومة.
-6 فساد الصِّيغة:
جاء في القانون 828 الجديد من مجموعة قوانين الكنائس الشَّرقيَّة: “الزيجات الصَّحيحة هي فقط الَّتي تعقد برتبة مقدَّسة أمام الرَّئيس الكنسي المحلِّي أو الكاهن الَّذي حصل من أحدهما على صلاحيَّة مباركة الزَّواج ، وبحضور شاهدين على الأقل…”، وبالتَّالي كلُّ زواجٍ صيغته فاسدة يمكن إعلان بطلانه.
-7 إنعدام القدرة على تحمُّل مسؤوليَّات الزَّواج لأسباب عقليَّة ونفسيَّة وللنقص في الإدراك:
فتح القانون الجديد المجال في مثل هذه الحالة لطلب إعلان بطلان الزَّواج وفصّلها في القانون 818 كالآتي:” غير قادرين على الزَّواج :
-1 من يفتقرون إلى ما يكفي من استعمال العقل.
-2 من يشكون نقصاً خطيراً في الحكم الصَّائب في موضوع حقوق الزَّواج وواجباته الأساسيَّة .
-3 من لا يستطيعون تحمل واجبات الزَّواج الأساسيَة لأسباب ذات طبيعة نفسيَّة.”
ويتَّجه اجتهاد المحاكم الكنسيَّة إلى حصر الأسباب ذات الطَّبيعة النَّفسيَّة بالأمراض النَّفسيَّة على إختلافها، فليس كلّ عارضٍ نفسي لدى أحدٍ من الأزواج من شأنه إبطال الزَّواج! و الجدير بالِّذكر، أنَّ الإجتهاد الرُّوتالي يتَّجه بإيعازٍ من قداسة البابا يوحنا بولس الثَّاني، إلى عدم اعتبار تنافر الأطباع بين الزَّوجين سبباً مبطلاً للزَّواج حتّى وإن استحالت الحياة المشتركة!
في الزَّواج الأرثوذكسي والإنجيلي
تبقى فرضيَّة البطلان قائمة إلى حد انتاج الزّواج حَمْلاً أو ولادة، أو إذا مضى على إقامة الزَّواج خمس سنوات. ولكن إلى جانب البطلان، تجيز المحاكم الشَّرعيَّة الأرثوذكسيَّة والإنجيليَّة فسخ الزَّواج، الَّذي حدّدت أسبابه :
-1 إعتناق أحد الزَّوجين ديناً آخر.
-2 الزَّنى.
-3 الجنون المطبق.
-4 الحكم على أحدهما بسبب جرم شائن بعقوبة السِّجن ثلاث سنوات.
-5 إذا أهمل أحد الزَّوجين الآخر أو انقطع عن مساكنته. وحدِّدت المدَّة هنا بما لا يقل عن 3 سنوات.
يوضح طرابلسي: “استعملت معظم الكنائس الأرثوذكسيَّة والإنجيليَّة تعبير “فسخ الزَّواج” وانفردت الكنيستان الأرثوذكسيَّة الإنطاكيَّة والقبطيَّة الأرثوذكسيَّة باستعمال تعبير “طلاق” في بعض الحالات الخاصَّة”. ويؤكِّد انه رغم كلُّ ما يقال عن تفكُّك العائلة المسيحيَّة الُّلبنانيَّة، فهي ما زالت بخيرٍ، إذ إنَّ عدداً ضئيلاً جدّاً من الأزواج يتَّجهون إلى المحاكم المذهبيَّة لوضع حدٍّ لزواجهم عند نشوب الخلافات، والأكثريَّة باتت تعي جديَّة إلتزام الزَّواج وديمومته، وتحاول بالتَّالي إحتضان معظم الخلافات الزوجيَّة في كنف الحياة المشتركة، وتخطّيها في سبيل الحفاظ على كيان الأسرة وجديَّة الإلتزام.
* * *
ولكن ماذا إن صارت الحياة الزّوجيَّة لا تطاق لأسبابٍ لم تشملها التَّشريعات الدِّينيَّة؟ أين الدِّين من المعاناة اليوميَّة داخل الأسَر؟ وماذا لو كان ثمن المحافظة على الإلتزام وديمومة الزَّواج ديمومة عذاب يومي “للزَّوجين”؟ وهل من الأجدى المحافظة على سرٍّ لم تبقَ من سرِّيَّته سوى شكليَّتها، أو المحافظة على كيان الإنسان وكرامته الَّتي سبقت التزاماته الزَّوجيَة؟
هل الدّين غافلٌ عمَّا يحصل داخل البيوت الَّتي تنعم بـ”الزَّواج السَّعيد”، كرباعيَّة هذا الزّواج بدل ثنائيَّته، وبؤس أركانه؟ أم أنه يتغافلُ عمداً عن ذلك حاصراً أولويَّاته بالمحافظة على ديمومة الزَّواج؟
من هنا ضرورة إعادة الحسابات دينيَّاً، وربَّما نفض الغبار عن ملفّ ذلك المشروع المضطهد!
النهار

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *