للثقافة المغربية التي تمزج بين العربية والأمازيغية والأندلسية أثرها المتميز في تعامل المجتمع مع المرأة، التي نجد حضورا لدورها في العديد من المجالات. فهي كانت مناضلة في عهد الاستعمار، ووقَعت إلى جانب الرجل على وثيقة المطالبة بالاستقلال، وهي الوثيقة التي تم تقديمها إلى سلطات الحماية الفرنسية.

مغرب ما بعد الاستقلال

بعد الاستقلال وصدور أول دستور العام 1962، الذي تبنى عددا من المبادئ المهمة وعلى رأسها التعددية الحزبية، وأيضا الحق في التجول والاستقرار بجميع أرجاء المملكة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية تأسيس الجمعيات، والانخراط في أي منظمة نقابية وسياسية (وهي الحقوق التي تضمنها الفصل التاسع منه)، كما نجد النص على المساواة بين المواطنين حيث يقول الفصل الثامن من الدستور أن الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية، ويحق لكل مواطن ذكرا أو أنثى أن يكون ناخبا إذا كان بالغا سن الرشد ومتمتعا بحقوقه الوطنية والسياسية.
ولقد ظل الفصل الثامن حاضرا في كل الدساتير التي تلت أول دستور بالبلاد، وهو ما كان يفترض أن يشجع ويسمح بحضور قوي لمشاركة المرأة السياسية، غير أن الممارسة أبانت أن حضور المرأة في كل المجالس الانتخابية كان منعدما، وكان يُتعامل مع المرأة كصوت انتخابي. ولذلك اسباب منها عدم تمدرس النساء، وخاصة بالعالم القروي، بالإضافة إلى التبعية الاقتصادية والاجتماعية للرجل. بالرغم من أن المغرب صادق على العديد من الاتفاقيات الدولية كالشرعة الدولية لحقوق الإنسان 1948، والاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للنساء 1950، ثم اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة لسنة 1993، إلا أن المرأة لم تصل إلى البرلمان إلا في العام 1993، بدخول سيدتين، وبقي العدد على ما هو عليه في انتخابات 1997.
هذا الغياب عن المشهد السياسي شكل حافزا لعمل مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة الجمعيات النسائية، من أجل المطالبة بحلول فعلية لهذا المشكل، وهو ما سيدفع الى تبني سياسة الحصص أو ما يعرف بنظام الكوتا، الذي منح للنساء بموجب اتفاق بين الأحزاب 30 مقعدا بالبرلمان في انتخابات 2002، وفازت فعليا 35 امرأة وقتها، ثم 34 امرأة في استحقاق 2007، في حين تم تخصيص 60 مقعداً في الانتخابات التشريعية المبكرة لسنة 2011 والتي جاءت متزامنة مع الحراك بالعالم العربي، فوصلت 67 امرأة إلى قبة البرلمان.
ومع أن نظام الكوتا لاقى العديد من الانتقادات في بداياته بسبب تعارضه مع مبدأ المساواة الدستوري، وبسبب إيمان البعض بأن القوانين لا يمكن أن تغير من الثقافة السائدة، إلا أنه وكإجراء مؤقت يدخل في إطار التمييز الايجابي اتجاه النساء، تمكَن ومنذ تبنيه من أن يعطي الفرصة لبروز قيادات سياسية نسائية قوية، كما دفع بالأحزاب السياسية الى إعطاء أهمية أكبر للنساء المنضويات في صفوفها وتأهيلهن لخوض غمار الانتخابات وتمثيل الحزب بالمجالس المنتخبة، وتولت امرأة قيادة الحزب الاشتراكي الموحد، وفي الوقت نفسه تم انتخاب امرأة على رأس اتحاد أرباب المقاولات ولمدة ولايتين.

دستور 2011: حضور أكبر لحقوق النساء

شكل الدستور الجديد للمغرب فرصة لترجمة العديد من حقوق النساء بالمغرب إلى نصوص دستورية، وجاء الفصل التاسع عشر ليحدد بشكل واضح أنه “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. وتسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وتحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز”.
وفي انتخابات أيلول/سبتمبر 2015، شكلت النساء نسبة 21 في المئة من مجموع الترشيحات للانتخابات الجماعية (البلدية) و38 في المئة للانتخابات الجهوية، وتمكنت من الحصول على 6673 مقعدا أي ما يعادل الضعف تقريبا مقارنة بانتخابات 2009 الجماعية. وعلاوة على اعتماد نظام الكوتا، فإن إحداث صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء قد ساعد على ذلك. يبقى أن وجود النساء على رأس المناصب القيادية وبالمجالس المنتخبة لا يزال ضعيفا للغاية.