Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu

مسالك النقاش وعنف التأويل …صورة المرأة من الخطاب إلى الحجاب

masalikبقلم : هيثم سرحان

 

تسعى هذه المقالة إلى مقاربة رؤيتين متابينتين من جهة ومركزيتين من جهة أخرى هما: السفور والحجاب. فأما تباينهما فيكمن في أن كل رؤية منهما تعارض الأخرى في الموقف الثقافي من جهة سفور المرأة المفضي إلى حضورها وفعاليتها وخطابها، ومن جهة حجابها المفضي إلى الإقصاء والعزل. وأما مركزيتهما فتتمثل في أنهما رؤيتان تشكلان جدلاً عميقاً وخصومة كبرى بين اتجاهين معرفيين أسهما في إنتاج ركام تأويلي أدى إلى تأطير المرأة بتخييلات وإحاطتها بعلامات ثقافية عاظمت من تلقي حضورها الثقافي وبالغت في إخضاعها للرقابة.
ويمثل رؤية السفور موقف الجاحظ العقلاني (ت 255 هـ) في كتاب القيان خاصة، ويقوم هذا الموقف على الدفاع عن حضور المرأة في النظام الثقافي العام واختلاطها بالرجال ومحادثتهم ومجالستهم من دون تأثيم أو تحريم. ويمثل رؤية الحجب موقف السيوطي النقلي (ت 911 هـ) الوارد في كتابه الموسوم بـ «إسبال الكساء على النساء»، وهو موقف يستند الى متن فقهي وأخباري يشدد على حجاب المرأة وعزلها عن الفضاءات التي يهيمن عليها الرجال صيانة لها وحفظاً لعفتها وطهارتها. وضمن هذا السياق فإن السيوطي يسوغ الحجاب بمماهاة الأنوثة والرق إذ يرى «أن الرق يزول بالموت، وأما الأنوثة المقتضية للستر فمستمرة». وهذا يعني أن استبعاد المرأة من خطاب رؤية الله يندرج في إطار تنزيه الله وتعظيمه عن أن يرى من قبل النساء، ذلك أن الأنوثة تقترن بالحجاب. 
رؤية السفور 
يرى الجاحظ أن المنطلق الرئيسي في الحكم على المسائل نصوص القرآن والسنة النبوية وليس التحسين والتقبيح الخاضعين إلى الأقيسة إلا إذا تعززت الأدلة العقلية في التحسين والتقبيح. ويقول: «وكل شيءٍ لم يوجد محرماً في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمباح مطلق. وليس على استقباح الناس واستحسانهم قياس ما لم نخرج من التحريم دليلاً على حسنه، وداعياً إلى حلاله».
وبموجب هذا المبدأ فإن حضور المرأة واختلاطها بالرجال ليس من المحرمات الدينية، ويستدل الجاحظ على موقفه بأن العرب أقرت بتواصل الرجال والنساء من دون حجاب ولم تنتج خطاباً مانعاً يحول من تحقيق ذلك. يقول الجاحظ: «فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة (المجالسة والمحادثة)، ويسمى المولع بذلك من الرجال الزير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المنكر».
ويتضمن هذا الحكم موقفاً معرفياً مفاده أن التحقق من وقوع المنكر هو المانع الوحيد من اختلاط النساء بالرجال من دون أن يعني ذلك تسويغ حجب النساء، ذلك أن الاستثناء لا يبطل الأصل ويلغي الحكم الأساسي المتمثل في التواصل الإنساني الذي حظي بموافقة النظام الأبوي ورقابته على أشكال التواصل المباحة. 
أما خطاب الحجاب فيرى الجاحظ أن المخصوص به أزواج النبي دون سائر النساء تكريماً للنبي محمد وتمييزاً لنسائه عن النساء الأخريات اللواتي لم يشملهن النص القرآني بخطاب الحجاب، يقول الجاحظ: «فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة».
لقد عرفت الثقافة العربية وأقرت بالمحادثة والنظر بين الرجال والنساء ونزهت هذا التواصل عن العار والخزي والمنكر. ويسوق الجاحظ أدلة حجاجيةً معروفة فيقول إن «تلك المحادثة كانت سبب الوصلة بين جميلٍ وبثينة، وعفراء وعروة، وكثير وعزة، وقيسٍ ولبنى، وأسماء ومرقش، وعبد الله بن عجلان وهند»، وإن «الشرائف من النساء يقعدن للرجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عاراً في الجاهلية، ولا حراماً في الإسلام». ولم يقتصر أمر سفور المرأة وظهورها على عامة النساء بل شمل الخواص. يقول الجاحظ: «ثم إن النساء إلى اليوم من بنات الخلفاء وأمهاتهن، فمن دونهن يطفن بالبيت مكشفات الوجوه، ونحو ذلك لا يكمل حج إلا به».
ويعرض الجاحظ، في خطابه، سلسلة من الشواهد التي تجسد هذه التصورات وهي شواهد وأخبار دالة على هامش الحرية ومساحة العقلانية اللتين أحاطتا في موضوع محادثة النساء والنظر إليهن وتدوالهن وانتقالهن عند أكثر من زوج. ومن أبرز الحكايات التي يوردها الجاحظ حكاية الحسن بن علي عليهما السلام عندما تزوج حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأنه قام بتطليقها عندما علم أن المنذر بن الزبير يهواها، وأنها أبت أن تتزوجه، بعد أن طلقها الحسن، لأنه «شهرها»، ثم خطبها عاصم بن عمر بن الخطاب وتزوجها لكنه سرعان ما طلقها بعد أن سمع كلاماً على لسان المنذر بن الزبير ثم عادت وتزوجت المنذر بن الزبير. وكانت حفصة تجتمع بالحسن وعاصم في بيتها بحضور زوجها المنذر بن الزبير الذي كان يستشير أخاه عبد الله بن الزبير في شأن هذا الاجتماع من دون أن يشكل الأمر حرجاً لأي واحدٍ منهم. ويعلق الجاحظ على ذلك قائلاً: «وكان الحسن في ذلك العصر أفضل أهل دهره. فلو كان محادثة النساء والنظر إليهن حراماً وعاراً لم يفعله ولم يأذن فيه المنذر بن الزبير، ولم يشر به عبد الله بن الزبير. وهذا الحديث وما قبله يبطلان ما روت الحشوية من أن النظر الأول حرام والثاني حرام؛ لأنه لا تكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر. إلا أن يكون عني بالنظرة المحرمة النظر إلى الشعر والمجاسد، وما تخفيه الجلابيب مما يحل للزوج والولي ويحرم على غيرهما». وتسند المرويات التي يوردها الجاحظ إلى هشام بن المغيرة المخزومي وعبد الله بن جدعان وعمر بن الخطاب وأبي بكر والحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان وصولاً إلى خلفاء بني العباس. ويبدو أن الجاحظ يهدف بذلك إلى إضفاء الشرعية الثقافية على سلوك نساء بني العباس وجواريهم؛ لأنه يورد بعد هذا الاستقراء أحوال نساء بني العباس إذ يقول: «ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج، ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن للناس، مثل خالصة جارية الخيزران، وعتبة جارية ريطة ابنة أبي العباس، وسكر وتركية جاريتي أم جعفر، ودقاق جارية العباسة، وظلوم وقسطنطينة جاريتي أم حبيب، وامرأة هارون بن جعبويه، وحمدونة أمة نصر بن السندي بن شاهك ثم كن يبرزن للناس أحسن ما كن وأشبه ما يتزين به، فما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب».
رؤية الحجاب 
يعرض الإمام جلال الدين السيوطي موقف أهل السنة الذين يشددون على حجب المرأة وعزل مستندين في ذلك على فقه يقوم على مبدأ المقايسة ومفاده أن المرأة المسلمة من الفئات المستبعدة من رؤية الله يوم القيامة.
وتتسع دائرة الخلاف بين علماء أهل السنة على الفئات المستبعدة من رؤية الله، يقول السيوطي: «ووراء ذلك أربع فرقٍ جرى فيها الخلاف، وهم الملائكة عليهم السلام، والمؤمنون من الجن، والمؤمنات من نساء هذه الأمة، والمؤمنون من رجال الأمم السابقة». إن إقامة نساء الأمة المحمدية خارج توافقات أهل السنة التأويلية يعني حكماً إقامتهن في دائرة الكفر؛ ذلك أن حجبهن وعدم رؤيتهن الله لا يتضمن تذكير عوالم الجنة فحسب وإنما إدراجهن في حكم الكفار.
ويروي السيوطي أن دافعه في تأليف كتاب «إسبال الكساء على النساء» أنه كان قد وقف على آراء بعض أهل السنة ومفادها أن النساء من المؤمنات من الأمة المحمدية «لا يرين ربهن ولا يحضرن الزيارة ستراً لهن في الآخرة كما أمرن بالستر في الدنيا». بيد أن السيوطي يستبعد هذا الرأي مستنداً إلى ظاهر الآيات القرآنية الذي ينص على أنهن يرين ربهن.
وقد قاد الرأي الذي يرى بعدم رؤية نساء الأمة المحمدية ربهن السيوطي إلى معاودة استقراء الأحاديث النبوية المرتبطة بالرؤية ودفعه استقراؤه إلى تأليف كتاب «البعث» فكانت خلاصة استقرائه أنه لم يجد «تصريحاً بأنهن يرين ربهن» بل وجد أنهن غير حاضرات في الرؤية. يقول السيوطي: «ووجدت أحاديث الزيارة يوم الجمعة التي تقع فيها الرؤية دالة على أنهن لا يحضرن مجلس الزيارة ولا يرين ربهن مع من يرى يرى في ذلك المجلس، فقوي عندي رجحان تلك المقالة».
أما تفصيل مقالة الزيارة فيستحضر السيوطي لبيانه سلسلة من الأحاديث المرتبطة بيوم الجمعة الذي تعقد فيه زيارة الله وهي زيارة دورية يتجلى الله فيها على كرسيه وتحيط به منابر من نورٍ يجلس عليها الأنبياء الذين تحفهم كراسي من ذهب يجلس عليها الصديقون والشهداء. ويتحقق هذا الطقس في كل يوم جمعة في فضاء مكاني معدٍ لهذه الغاية وهو «وادٍ أفيح» أي واد فسيح من مسك أبيض. وفي هذا اليوم ينادي منادٍ: «يا أهل الجنة اخرجوا إلى دار المزيد. فيخرجون في كثبانٍ من مسكٍ، فتخرج غلمان الأنبياء على منابر من نور، وتخرج غلمان المؤمنين على كراس من ياقوت. فإذا قعدوا وأخذ القوم مجالسهم يقول الله تبارك وتعالى: «أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، وصدقوا رسولي؟ فهذا يوم المزيد فاسألوني». فيجتمعون على كلمة واحدةٍ: «أرنا وجهك الكريم ننظر إليه». فيكشف الله تعالى عنهم الحجب ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره، ثم يقال لهم: (ارجعوا إلى منازلكم)، فيرجعون وقد خفوا على أزواجهم. فيقول لهم أزواجهم: «لقد خرجتم من عندنا بصورةٍ ورجعتم إلينا بغيرها! فيقولون: «تجلى لنا ربنا عز وجل فنظرنا إلى ما خفينا به عليكن». فهم يتقلبون في نعيم مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيامٍ». 
ويشير السيوطي إلى إشكالية لسانية تتعلق بخطاب الرؤية في الأحاديث النبوية ترتبط بضمائر الخطاب التي تحيل إلى جماعة الذكور، وهو خطاب تخرج منه النساء إلا إذا كان هناك دليل يتضمن إدراجهن في الخطاب. يقول السيوطي معلقاً على ذلك: «فهذا الحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالرجال كما ترى، وبقية الأحاديث الواردة في الرؤية كلها خطاب للرجال كقوله (ص): (إنكم سترون ربكم). فهذه صيغة خطاب الذكور، وإنما دخلن في خطابات الصلاة والزكاة ونحو ذلك لدليلٍ من خارجٍ دل على الشمول». كما يرى السيوطي «أن الرؤية في يوم الجمعة جعلت كالجزاء لصلاة الجمعة بدليل … أن الناس في القرب من الله عز وجل على مقدار سبقهم إلى الجمعة». وبموجب هذا التصور تستبعد النساء، ذلك أنه «قد تقرر أن النساء لا جمعة عليهن فلا يبعد أن لا يكون لهن نصيب في الرؤية». 
ويوظف السيوطي خبراته النحوية في حل الإشكالية اللسانية المرتبطة بالضمير الدال على الجماعة (الواو)، ويرى السيوطي أن الضمير، في هذا السياق، يقتصر على جماعة الذكور دون الإناث خلافاً لكثير من الآيات التي خوطبت فيها النساء بضمائر جماعة الذكور مثل: «وأقيموا الصلاة…»، إذ إن النساء مندرجات في الخطاب على التغليب والعموم. بيد أن سياق رؤية الله لا يقاس على السياقات الأخرى المرتبطة بالعبادات والفروض، ويرى السيوطي أنه لا يمكن إعمال مبدأ التغليب، في سياق خطاب الرؤية، ذلك «أنه مجاز وخلاف للأصل ويحتاج إلى دليل عليه».
ويشدد السيوطي على مبدأ ذكورية الضمير في خطاب رؤية الله يوم الآخرة وقد أفضى به التشديد إلى إجراء مراجعة لقواعد اللسان التي أقرت في مباحث الأصوليين وعلم أصول الفقه تلك التي قامت باستثمار قواعد اللسان في سبيل إنتاج معرفة علمية أفاد منها علم الفقه في إنتاج خطاباته. يقول السيوطي مقرراً موقف السنة: «لم يقع في القرآن العظيم كلم تتعلق بصيغ الذكور وأريد اشتراك النساء معهم إلا صرح في آية ما أو حديث بذلك الاشتراك. وكذلك ما وقع من الوعد بالمغفرة ودخول الجنة كقوله تعالى: «ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن». وقوله تعالى: «إن المسلمين والمسلمات…». فهذه الآية ونحوها صرحت بإلحاق النساء بالرجال فيما خوطب به الرجال، ولما ذكرت آية النظر إلى وجه الله تعالى الكريم وهي قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ذكرت بصيغة جمع الذكور ولم يقع في آية أخرى ما ضم الإناث إليهم ولا صرح في شيءٍ من الأحاديث بذلك فكان ذلك دليلاً على عدم دخولهن فيها». 
رؤية الصديقات ربهن 
على رغم عنف التأويل الذي أنجزه السيوطي في إثبات عدم رؤية النساء ربهن يوم الآخرة إلا أنه عاد ليستحضر سياقاً معرفياً آخر يدفعه إلى مراجعة فرضيته ليستثني طائفة من النسوة. ويفتتح السيوطي الباب بمناظرة مفترضة تتم بينه وبين سائل ينكر عليها استبعاد النساء الصديقات من خطاب الرؤية. 
يقول السيوطي على لسان السائل: «فإن قلت كيف تسمح نفس بأن مثل مريم، وفاطمة الزهراء عليهما السلام وأزواج النبي (ص) رضي عنهن لا يكون لهن في الرؤية نصيب؟!». 
فيرد السيوطي مجيباً: «يا مسكين ذلك من غباوتك. أونسيت ما ثبت لهؤلاء المذكورات وما جرى مجراهن من بنات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأزواجهم من الخصائص؟ أفما كان عندك من الفقه ما يرشدك إلى أن تقول هؤلاء ونحوهن لا يبعد اختصاصهن بالرؤية خصوصية لهن من دون سائر النساء؟!».
إن السيوطي يمارس قراءة تمحيصية تمنح نساء النبي تفضيلاً على عامة نساء، وبمعنى آخر فإن نساء النبي سيرين الله يوم الآخرة، دون سائر النساء، تقديراً للنبي محمد وما حظين به من قرابته. 
تسويغ الحجاب 
يعرض السيوطي استدراك من يحاجج بأن القول بعدم رؤية النساء ربهن يوم الآخرة يتضمن مساواة المرأة بالكافرين استناداً إلى قوله تعالى في حق الكافرين: «كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون». وللإجابة على هذه المسألة يسوق السيوطي دليلين رئيسيين:
الأول: أن الملائكة الذي هم أشرف من النساء المؤمنات لا يرون ربهم فكيف للنساء المؤمنات أن يرين ربهن علماً أن الملائكة أشرف منهن وأفضل وأجل وأعلا مقاماً وأطوع لله عز وجل وأعبد. ويتضمن هذا الدليل إحالة إلى قصة الخلق وسجود الملائكة لآدم، وهي إحالة تؤثم المرأة وتقرنها بالغواية. كما أن إخراج الملائكة من خطاب الرؤية يتضمن توكيداً على مركزية آدم وتفضيله على سائر العالمين. 
الثاني: أن هناك تفرقة بين حجب الكفار وحجب النساء المؤمنات؛ «فإن حجب الكفار حجب حرمانٍ، وحجب النساء حجب سترٍ وصيانةٍ». 
ويندرج في خطاب الرؤية رد السيوطي على حديثين نبويين أحدهما موقوف والآخر مقطوع يتضمنان توكيداً على أن رؤية الله سينالها كل من يدخل الجنة. إذ يرى السيوطي أن إسناد الحديثين لعالمين واحد من المتكلمين وواحد من المعتزلة يجعل من الأحاديث عرضة للرد؛ لأن المتكلمين والمعتزلة غير مرضيين عند أهل الحديث. 
ويفرق السيوطي بين زمنين في خطاب الرؤية؛ زمن الموقف الواقع قبل دخول الجنة، والزمن الواقع في الجنة كل جمعة بكرةً وعشياً، وهوى يرى أن النساء المؤمنات يرين الله في زمن الموقف، كما يراه كل الخلق مؤمنهم وكافرهم، في حين أن رؤية الله يوم الجمعة تقتصر على الرجال من الأمة المحمدية.
بيد أن انحياز السيوطي إلى فقه أهل السنة وعقائدهم وتبنيه أنظارهم لم يمنعه من إظهار التردد في ما ذهب إليه من آراء. لذلك يقول: «جميع هذا التقرير الذي قررته هو مقتضى النظر وما دلت عليه الأدلة، وقد قررته وأنا غير منشرح الصدر بذلك، فإن الذي كان يتبادر إلى الأذهان إنما هو خلافه وكنت أود لو وجدت حديثاً مصرحاً برؤية النساء ربهن فكنت أسارع إلى القول به ولو كان ضعيف الإسناد فكنت أستأنس به، ولكن لم أقف إلى الآن على حديث مصرحٍ بذلك والمقام مقام توقفٍ والإقدام فيه ليس بالهين والسكوت لا يكتفى به في مثل ذلك إثباتاً».
إن محنة التأويل التي يندرج فيها اعتراف السيوطي لم تمنعه من إنتاج رؤىً تقول بحجب المرأة المؤمنة وعدم رؤيتها الله، فهو يعرف أن خطابه الحجاجي لا يستند إلى أدلة كافية لكنه رغم ذلك انساق في إجماع أهل السنة وجير خطابه لإنتاج خطاب يؤثم المرأة ويحجبها.
* باحث في السيميائيات وتحليل الخطابات – جامعة فيلادلفيا – الأردن.


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273