Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
هل يَدْحضُ تفوّق الفتيات في الباكلوريا تمثلهنّ كـ”ناقصات عقل”؟

هل يَدْحضُ تفوّق الفتيات في الباكلوريا تمثلهنّ كـ”ناقصات عقل”؟

تحقيق: محمد الراجي – الرباط – ” وكالة أخبار المرأة ”       
مِنْ أصْل 6 تلاميذَ مُتفوّقينَ من ذوي أعلى المُعدّلات بلائحة الناجحين في امتحانات الدورة العادية لنيل شهادة الباكالوريا، لهذا الموسم، تُوجدُ 5 إناثٍ إلى جانبِ ذكرٍ واحد.. ليكون اكتساحُ “بنات حواء” للصفوف الأولى من “نُجباء الباكالوريا” عصنرا مهمّا يضع على المحك نظرةَ المجتمع المغربي للمرأة وما تتّسمُ به من تنقيص وتنميط.
المرأة ناقصةُ مَنطق وضعيفة
في دراسة حول الصور النمطية القائمة على أساس النوع الاجتماعي السائدة بالمغرب أعدّتها جمعية ProgettoMondo بتعاون مع منظمة العفو الدولية، في إطار مشروع “قّوة المرأة” سنة 2013، تمّ تجميع شهاداتٍ تكشفُ مدى استشراء النظرة “الدونية” تجاه المرأة في المجتمع المغربي.. وتشير الدراسة إلى أنّ المعطيات المُستقاةَ من التلاميذ والتلميذات المستجوَبين تفيد بأنّ تقييمهم للأداء وللتوجّه الدراسي للفتيات مطبوع بأفكار وأحكام مُسبقة تَعتبر الذكور، طبيعيا، متفوقين ولديهم موهبة في الرياضيات مقارنة مع الإناث.
وتُوردُ الدراسة أنّ النظرةَ العامّة السائدة وسطَ التلاميذ إزاءَ الإناث، هي أنّ الفتيات “ناقصات منطقٍ وضعيفات بطبيعتهنّ في مجال الرياضيات”، ويُبَرْهنُ أحدُ التلاميذ على ذلك في شهادته بالقول “عدد الذكور في شعبة الرياضيات أكثرُ من عدد الإناث، لأنّ الذكور لديهم ميولٌ للمنطق أكثرَ من الإناث”، ويستنتجُ مُعدّو الدراسة من هذه الشهادة أنّ الانطباع السائد لدى التلاميذ الذكور هو أنّ شعبة الرياضيات “اختصاص طبيعي للذكور، ومهاراتهم الفطريّة هي أصْلُ هيْمنتهم على الدراسات العلميّة”.
هذا التصوّر النمطي إزاءَ الإناث لا تترتَّبُ عنه تأثيراتٌ سلبيّة على المسار الدراسي للفتاة فحسْبُ، بلْ على مستقبلهنّ بعْد إتمام الدراسة أيضا، وتكشف الدراسة من خلال المُعطيات الميْدانية أنّ هذا التصوّر النمطي الذي يَعتبر الفتيات “ناقصات منطق وضعيفات بطبيعتهنّ في مجال الرياضيات”، يجعلُ التلاميذ الذكور يتوجّهون أكثرَ إلى الشّعب التقنية والهندسة، الواعدة من حيثُ السلطة والدخل، وذات القيمة على مستوى دراستها وعلى المستوى الاجتماعي، وتخلص الدراسة إلى أنّ هيمنة الذكور على هذه الشعب ناجم عن التمثلات النمطية حول الأداء التعليمي في المدرسة.
لكنْ، هلْ تستقيم هذه التصورات النمطيّة إزاءَ الإناث مع ما هوَ واقعٌ، سواءٌ في المجال الدراسي، أو في باقي مجالات الحياة التي اقتحمتْها المرأة وأبانتْ فيها أنَّ عقلها لا يقلّ درجةً عن عقْل الرجل؟ لا يحتاجُ المرْء أنْ يبذلَ جهْدا كبيرا ليصلَ إلى نتيجة مفادُها أنَّ هذه التصورات السائدة في المجتمع خاطئة، وأبرزُ دليل على ذلك هو النتائجُ التي حقّقتْها الإناث خلال امتحانات الباكالوريا (الدورة العادية) لهذه السنة، إذْ تصدّرتْ خمْسُ فتيات لائحة التلاميذ الناجحين ذوي أعلى المعدّلات، ولمْ يُزاحمهنّ في الرتب الستّ الأولى سوى تلميذ ذكرٍ واحد، وهذا يعكسُ أنّ عقل الأنثى لا يقلّ درجة عن عقل الذكر، بلْ قدْ يفوقه درجات.
تفسير “منحرف” لحديث نبوي
يُحاجِجُ الكثيرون بالحديث النبوي الشريف “ما رأيت من ناقصاتِ عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل ‏الحازم من إحداكن..” للبرهنة على أنّ المرأة ناقصة عقْل فعلا، لكنّ الواقع يُبيّنُ أنَّ عقْل المرأة وعقْل الرجل سيان.. فهي استطاعتْ، خلال العقود الماضية، أنْ تقتحمَ جميع المجالات التي كانت حْكرا على الرجل، وهو ما يُحتّم البحث عن تفسيرٍ للحديث النبوي الصحيح غيْرَ التفسير السائد لدى العامّة، والذي يضعُ عقلَ المرأة في مرتبة أدْنى من نظيره للذكور.
يقول محمد رفيقي الشهير باسم “أبي حفص” إنّ فهْم ذات الحديث النبوي على أنّه تنقيص من قدرات المرأة الفكرية يتعارض مع الأصول الكبرى للإسلام الذي هو دين المساواة التامة بين المرأة والرجل، ويضيف ذات الإسلامي: “من العيب أن يُنسب إلى الإسلام حديث ينقص من قيمة هذا الجنس مقابل إعلاء قيمة الجنس الآخر وقدراته الفكرية والذهنية”.
واستطردَ الداعية السلفيّ، في تصريح لهسبريس، أنّ الواقع لا يتفق مع هذا الحديث، بدليل نبوغ المرأة في عدة ميادين على مرّ التاريخ، وتفوّقها في أحيان على الرجل في ميادين الفكر والعلم والمعرفة؛ ويعود أبو حفص إلى السياق الذي وردَ فيه الحديث، قائلا “الحديث رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، فهل يُعقل وهل يُتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يمر على النساء يوم العيد، وهو يوم بهجة وفرحة، ويخاطبهن بما يقدح فيهن، وما ينقص من قيمتهن وقدراتهن؟”.
ولا يختلفُ العُلماء حوْل صحّة الحديث، فقدْ وردَ في الصحيحيْن، وذهب أغلبُ العلماء إلى القول إنّ المقصودَ بنقص عقل المرأة ما قدْ يحصل من عدم ضبْط الشهادة، كما قالَ رئيس هيئة كبار علماء السعودية الراحل الشيخ عبد العزيز بن باز، لكنَّ المدافعين عن حقوق المرأة يروْن في هذا الحديث “تنقيصا” من قُدرات المرأة الفكرية، وهو ما يطرحُ سؤال كيف يُمكن “التكييف” بيْن هذا الحديث والواقع الراهن، الذي يشهد على ألا فرْق بين عقليْ المرأة والرجل.
يقولُ أبو حفْص، “إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الحديث صحيح، فإنَّ فهْمه على النّحو الذي فُهمَ به لا يُمكن القبول به”، مشيرا إلى أنّ المُرجّح أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال للنساء “مارأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ” على سبيل الدُّعابة، وأضاف أبو حفص أنّ الحديث فيه دعابة ومدحٌ لقدرة المرأة على التأثير في الرجل، رغم ما يقال عنهن من أنهنّ “ناقصات عقل”، مشدّدا على أنّ تجريد الحديث من هذا السياق للتنقيص من قدرات المرأة متناقض مع الأصول الكبرى للإسلام.
هل معنى هذا أنّ الحديث لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد؟ “نعم، فبالعودة إلى السياق الذي جاء فيه الحديث، نجدُ أنه كان يومَ عيد، ولو أخذنا الزمان الذي ذكر فيه فلا يمكن اعتباره نصا مرجعيا نفرّق فيه بين الرجل والمرأة على المستوى المعرفي”، يجيب أبو حفص، ويضيف “وإذا عُدنا إلى الواقع فالتاريخ، بما في ذلك تاريخ المسلمين، شهد نبوغ عدد كثير من النساء، في مجالات متعددة، وبالتالي لا يمكن فهم الحديث فهما حرفيا، ولا يجب أنّ نفهم أنّ المقصود من عباراته هو التنقيص من القدرات العقلية للمرأة”.
آية قرآنية تحتاج الاجتهاد
على أنّ هناك آية أخرى في القرآن الكريم يَرى المدافعون عن المساواة بين المرأة والرجل أنّها “تنتقص” من عقل المرأة، وهي الآية الكريمة (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى…). (البقرة :282 )، وتعليقا على ذلك قال أبو حفص إنّ هذه الآية جاءتْ في ظروف معيّنة، وسياق اجتماعي معيّن، لمْ تكنْ فيه المرأة تتدخّل في أمور المعاملات المالية والتجارة، لذلك اشترط القرآن شهادة امرأتين في القضايا المتعلقة بالعقود التجارية.
وأوضح أبو حفْصٍ أنّ الآية القرآنية الواردة في سورة البقرة حصرتْ معادلة شهادة الرجل بشهادة امرأتين في العقود التجارية فقط، للأسباب التي ذكرها، وأضاف أنّ ما يدلّ على أنّ الآية القرآنية ليس فيها تنقيص من عقل المرأة، هو أنّ القرآن لم يشترط شهادة امرأتيْن في عقود أعظم من العقود التجارية، مثل عقود الزواج والطلاق، وأحيانا الحدود، والتي تتعلق بحياة الإنسان وموته، إذ جعل القرآن الرجل والمرأة في هذه العقود على درجة متساوية.
“نستنتج من كل هذا أنّ ما جاء في الآية الكريمة يتعلق بسياق اجتماعي معيّن، والذي كانت فيه المرأة عن بعيدة عن أمور التجارة والمعاملات المالية” يقول أبو حفص.. لكنْ، ماذا عن الواقع الراهن، الذي انخرطتْ فيه المرأة في هذه المُعاملات؟ هل يعني ذلك أنّ هذه الآية لم تعُدْ صالحة للزمن الحالي؟.. بشأن ذلك يزيد رفيقي: “لا أستطيع أنْ أقدّم جوابا حاسما، فهذا أكبر مني، ولكنْ أدعو العلماء والفقهاء إلى لاجتهاد، للتمييز بين النصوص الثابتة والتي لا تتبدل، وبين كثير من النصوص التي وردتْ في سياق اجتماعي معين ويجب أن يتغير الحكم المُنبني عليها بناء على تغيُّر السياق”.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *