Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu

الإسلام والمراة والدستور

البرلمان المغربي يقر خطة الحكومة الخمسية الجديدة للتنميةإعداد: رقية المصدق
قد تحذو بنا طبيعة العناصر الثلاثة، المرأة والإسلام والدستور، إلى اختزال الإشكالات التي تتأثر بها مكانة المرأة في الدستور في إشكال واحد ويتمثل في سؤال المرجعية الذي يطرح طبيعة العلاقة بين الدستور الذي يجسد لنا مرجعية وضعية والإسلام الذي يجسد لنا مرجعية دينية. إن هذا الإشكال    يرتبط بآخر وهو سؤال الإرادة السياسية والمتمثل في إرادة واضعي الدستور أو في إرادة كل من يساهم بصفة مباشرة أو غير مباشرة في عملية وضع الدستور. ولا شك أن الإشكالات التي يطرحها كل سؤال على حدة تنعكس بصيغة أو بأخرى وبدرجة متفاوتة على الموقع الذي تحتله المرأة في الدساتير العربية ـ إن لم نقل في البنيان القانوني ككل ـ سواء في تلك التي تتعرض إليها بصفة غير مباشرة من خلال وظيفتها الإنجابية أو تلك التي تحاول أن تقف عندها بصفة مباشرة. لذلك فالإنخراط في عملية وضع دستور تحتل فيه المرأة موقعا أساسيا يملي على القائمين بها أو المساهمين فيها من جهة عدم السقوط ولو بصفة غير واعية في إعادة إنتاج علاقة التنافر بين الإسلام والدسترة أو في علاقة التراتبية بينهما التي تقوم على ترجيح سمو المرجعية الدينية على المرجعية الوضعية وطنية كانت أم دولية [1]. إنه يملي عليهم، ثانيا، التحرر من سطوة إرادة سياسية تهيمن عليها الصراعات حول السلطة السياسية التي تفسر كيف أن عملية وضع وتعديل الدساتير تهيمن عليها مسألة تنظيم السلط والعلاقات بينها وتصب في اتجاه تهميش المسألة النسائية[2]. ولا شك في أن هذه الصراعات السياسية ستتضاعف عند وضع الدستور بالأبعاد والحدود التي سيتخذها التنظيم الفيدرالي في حالة تحقق هذه الفرضية. ومع ذلك، فهذه الإشكالات لن تتجه بنا إلى الإلتفاف حول ما مفاده أن  عملية وضع الدستور ستنطلق من فراغ لأننا سنبحث في استثمار الإمكانيات الكامنة في قلب الدساتير العربية ـ الذي لا يستبعد التفتح على آفاق أخرى ـ وهذا على الرغم من غياب تراكمات في شأنها في أفق إقرار وثيقة دستورية سامية وملزمة يشكل فيها النص على الإسلام وإقرار المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما جزءا من مضامين الفكرة الحقوقية التي يقوم عليها الحكم في الدولة[3]. ولأن مهمة وضع الدستور أو المساهمة فيها، بالرغم من أنها لا تخلو من اعتبارات نظرية، فإنها تفرض على القائمين بها أو المساهمين فيها أن يكونوا عمليين وألا يستبعدوا مضمون أي وثيقة دستورية عربية وهذا في الحالة التي يمكن توظيف إحدى مقتضياتها للدفاع عن وضع دستور يكون أداة لإقرار وحماية المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما. لذلك سنتناول في المحور الأول اعتبارات القراءة الإيجابية للدساتير العربية: من التفكيك إلى التركيب، أما المحور الثاني فسيكون الإنطلاق من وحدة الفكرة الحقوقية التي يمثلها الدستور كقانون أسمى ومتطلبات تأطير الإسلام والمرأة من طرف الدستور؛ وسيكون المحور الثالث هو تضمين المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما في صلب الدستور واعتبارات الدولة الفيدرالية؛ وسنخصص المحور الرابع للتنصيص صراحة على المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما ومتطلبات الإلتفاف حول الدستور لننتهي في المحور الخامس بحماية المقتضيات الخاصة بالمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما.

 

 

 I اعتبارات القراءة الإيجابية القراءة الإيجابية للدساتير العربية

من التفكيك إلى التركيب

 

 إن وضع دستور يتعين فيه ألا يشكل إسقاطا من الإسقاطات الغريبة على مجتمعاتنا العربية، في الوقت الذي يتفتح على المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ويكون محركا لتطور دستوري في المنطقة انطلاقا من انخراط دولها في عملية تأهيل دساتيرها،  يفرض علينا ألا نتجاهل بصفة مطلقة دساتير المنطقة العربية بما فيها الوثائق التي تواترت على التاريخ الدستوري العراقي انطلاقا من دستور سنة 1925. كل هذا إما للإستئناس بها والإسترشاد بها عند الضرورة أو للإقتناع بوضعها جانبا. إن قراءة لهذه الدساتير انطلاقا من المجال الذي يهمنا تجعلنا، سواء في طريقة نصها على الإسلام أم على الأسرة أو المرأة، لا نتقوقع في اعتبارها كتلة واحدة ومتراصة أو في أحسن الأحوال  كتلا متمايزة بتبني تقسيمها إلى تقدمية وتقليدية ومحافظة[4]، مهما بلغت أهمية هذا التقسيم. إن خنقنا في هذا التعامل أثناء البحث في مسألة وضع الدستور يعبر عن ما يمكن أن أسميه بالقراءة السلبية للدساتير. لماذا؟ لأنه قد يحذو بنا إما إلى وضع جل الدساتير جانبا خصوصا وأننا عندما نقرأ المواد المتعلقة بالمرأة أو الأسرة سنخلص إما إلى أنها ضئيلة تتراوح بين نص وثلاثة نصوص وإما إلى أنها ترزح بصفة مباشرة أو غير مباشرة تحت سطوة المواد المتعلقة بالإسلام. كما أن هذا التعامل قد يحذو بنا في أحسن الأحوال إلى استبعاد بعضها بتاتا والإسترشاد أو الإستئناس ببعضها انطلاقا من التقسيمات التي ذكرناها.

 بيد أن القراءة الإيجابية لهذه الدساتير تجعلنا لا نستبعد أيا من الدساتير ولا نختزل مقاربتها فقط من خلال النصوص المتعلقة بالمرأة أو الإسلام.  فعلى الرغم من   أهمية هذه النصوص فإن دلالتها ستتغير لا محالة لأننا سنرى كيف أنها تتأثر بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمحتويات الوثيقة الدستورية ككل وبطبيعة النظام السياسي الذي تنطوي عليه.  إن هذا التأثير لا ينحصر في النصوص المتعلقة بالحقوق والحريات بل ينصرف إلى أخرى كالمتعلقة بالمبادئ التي يقوم عليها التنظيم الإقتصادي وبتنظيم السلط وبتدابير حماية الدستور.  فالمنطلق إذن سيكون هو تفكيك هذه الدساتير كل منها على حدة. إن هذا التفكيك الذي يتم حسب الفصول وحسب المواد وحسب كل مادة سيبين لنا بأن القاسم المشترك المهيمن على هذه الدساتير ـ والذي لا يلغي قواسم مشتركة أخرى ـ يتمثل في عدم التجانس بينها الذي يتضاعف، إن لم نقل، يتخذ كقاعدة أساسية له عدم التجانس بين مكونات كل دستور على حدة.  وبقدر ما يملي علينا عدم التجانس الذي يتميز به كل دستور على حدة الإنخراط، في مرحلة أولى، في عملية تفكيك كل منها إلى عناصره الأولية فإنه يفرض علينا الإنخراط، في مرحلة ثانية، في عملية تركيبية بين عناصر من هذه الدساتير يمكنها أن تتظافر لتشكل كلا متجانسا، وهذا الكل المتجانس قد يشكل نواة في اتجاه وضع دستور تتفتح مضامينه على أبعاد أخرى.  إن هذا التجانس الذي يمكن أن يتحقق في جزء لا يستهان به من قلب كل الدساتير العربية يتعين فيه خلق الإنسجام بين نصوص دستور يتعايش فيه النص على الإسلام مع إقرار حقوق المرأة باعتبارهما جزءا من مضامين الفكرة الحقوقية المتضمنة في الدستور  كوثيقة سامية.

  إن الأمثلة التي يمكن أن تواجهنا في شأن عدم التجانس لا تحصى. ففي دستور الكويت لسنة 1962 نجد عدم التجانس هذا مثلا بين الباب الثالث المتعلق بالحقوق والواجبات العامة عندما يربط في المادة 29 منه المساواة أمام القانون بعدم التمييز الذي يشكل الجنس سببا من أسبابه وبين الباب الثاني المتعلق بالمقومات الأساسية للمجتمع الكويتي عندما ينص في المادة 18 منه على أن <<الميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية>>.  إننا نجده في الدستور السوداني لسنة 1998 في الباب المتعلق << بالحريات والحرمات والحقوق والواجبات >> بين المادة 20 الذي تقر الحق في الحياة وبين المادة 33 التي تنظم عقوبة الإعدام. إننا نجده حتى داخل المادة 20 التي تقر الحق في الحياة لأنها تقيده بالقانون. وعندما تبرز في الدستور اليمني لسنة 1994 في المادة 31 التي تقرر أن<< النساء شقائق الرجال>>  فإن أهميتها تتراجع عندما تضيف << ولهن من الحقوق وعليهن من الواجبات ما تكفله وتوجبه الشريعة وينص عليه القانون>>.   ويبرز عدم التجانس في الدستور المصري لسنة 1971 بين عناصر المادة 11 التي تنص على أن تكفل الدولة مساواة المرأة بالرجل << في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية >> لأن دلالة هذه المساواة تتغير بقراءة النص برمته: << تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الاسرة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون اخلال باحكام الشريعة الاسلامية>>.

إن عملية التفكيك عندما تنصرف إلى الدستور بأكمله تجعلنا نستوعب الأبعاد التي يتخذها عدم التجانس لندرك كيف أن الدساتير التي تنص أحسن من غيرها على المرأة ليست هي الدساتير التي تعتبر بالضرورة متقدمة في مجال الضمانات والحماية الدستورية كما سنرى. ذلك أن نتائج عدم التجانس بين النص على الحريات وبين الضمانات بشأنها تعد كارثية خصوصا عندما يكون الهدف من دسترة الحقوق والحريات هي مطابقة النص مع الواقع التي تتأتى بتزويدها بقيمة إلزامية. يتعين علينا إذن ألا ننظر إلى عدم التجانس الذي نقف عنده بفعل عملية التفكيك بصفة سلبية ونحن نشارك في عملية وضع الدستور. لماذا؟ لأن تجاوز النظرة السلبية يجعل قاعدة الإسترشاد عريضة ومتنوعة تنهل من جل الدساتير، إن لم نقل كلها.  بالفعل، إن قاعدة الإسترشاد هاته ليست شاملة ومتماسكة لأنها قد تنهل من مادة دون غيرها أو فقط من فقرة متضمنة في مادة بعينها كما أنها لا تستبعد التفتح على آفاق أخرى. ولكن يتعين على المساهمين في وضع الدستور التسلح بخطة عملية للإستفادة من المزايا الكامنة فيها.

إن عملية التفكيك التي ينبغي أن تكون حاضرة في عملية المفاوضات من أجل وضع الدستور ـ بالإضافة إلى أنها لا تنصرف إلى الممارسات ـ تتعارض مع فكرة الدستور النموذج أو الدساتير النماذج التي قد يرتئي البعض التقييد بها دون غيرها. لماذا؟ لأن تفكيك كل دستور إلى مكوناته الأساسية وإلى أبسط جزئياته نابع عن قناعتنا بأن كل دستور يفتح هامشا من الهوامش التي يمكن أن تجعل هذا الكل المتجانس الذي نبحث عنه يستوحي معالمه من قلب الدساتير العربية لينخرط في بناء ديموقراطي تعددي تنافسيي يشكل البوابة المثلى لتجدر ثقافة قانونية ودستورية، هذا إضافة إلى أن هذا الكل المتجانس لن يخلو من هوامش تمكنه من التفتح على آفاق أخرى تكون الأولوية فيها للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان.  فكيف يمكن أن نستبعد حتى الدستور السوداني بصفة مطلقة عندما تنص إحدى مواده ( المادة 22) على أن << لكل مولود من أم أو أب سوداني حق لا ينزع في التمتع بالجنسية الوطنية وحقوقها واحتمال تكاليفها(…) >>  في حين أن جل الدساتير تنص على أن الجنسية حق ينظمه القانون؟ وكيف نستبعده عندما ينص في بعض مواده ( المادة 34) على الضمانات الخاصة بالحريات إذ << لكل شخص متضرر استوفى التظلم والشكوى للأجهزة التنفيذية والادارية الحق في اللجوء للمحكمة الدستورية لحماية الحريات والحرمات والحقوق الواردة في هذا الفصل. ويجوز للمحكمة الدستورية ممارسة سلطتها بالمعروف في نقض أي قانون أو أمر مخالف للدستور، ورد الحق للمتظلم أو تعويضه عن ضرره >> ؟  وهو ما لا نجده في دساتير متقدمة في النص على حريات وحقوق المرأة مثل الدستور السوري أو أخرى كالدستور المغربي ـ بالرغم من حدود هذا الأخير في النص على حقوق المرأة ـ مع أن التعديلات  الدستورية التي تواترت منذ  أول دستور تمت المصادقة عليه سنة 1962 أفسحت المجال لأربعة دساتير يعود آخرها إلى  سنة 1996.  إننا لا نستبعد في مجال كهذا دساتير مع أنها تقتصر على التطرق إلى المرأة من خلال الأسرة والأمومة والطفولة مثل دستور البحرين أو دستور الكويت أو دستور اليمن فإنها لا تخلو من تدابير الحماية.  كيف نستبعد الدستور البحريني لسنة 1973 عندما نجده ينص في المادة 75 على أن << يشكل المجلس ضمن لجانه السنوية لجنة خاصة لبحث العرائض والشكاوى التي يبعث بها المواطنون إلى المجلس، وتستوضح اللجنة الأمر من الجهات المختصة، وتعلم صاحب الشأن بالنتيجة ولا يجوز لعضو المجلس الوطني أن يتدخل في عمل أي من السلطتين القضائية والتنفيذية >> وفي المادة 31  وعلى أن << لا يكون تنظيم الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون، أو بناء عليه. ولا يجوز أن ينال هذا التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية>>؟  وكيف نستبعد الدستور اليمني الذي ينص في المادة 51 على أنه << يحق للمواطن أن يلجأ الى القضاء لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة وله الحق في تقديم الشكاوى والانتقادات والمقترحات الى أجهزة الدولة ومؤسساتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة>> ؟ وكيف نستبعد دستورا مثل الدستور الكويتي عندما ينص في المادة  175 على عدم قابلية <<مبادىء الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور>> للتعديل إلا إذا تعلق التعديل << بالمزيد من ضمانات الحرية المساواة>> ؟  وعندما نقف عند هذه التدابير المتعلقة بالضمانات، وخاصة ما يرتبط منها بتسليح الأفراد بحق تقديم الشكاوى فإننا نتطلع إلى أن يتم توظيفها في مجال المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما وأن يصبح تمسك النساء والرجال بحقوقهم وحرياتهم في مواجهة الدولة وحتى الخواص حقيقة ملموسة. ولا يخفى علينا ما يمكن أن يفتحه إدماج مقتضيات كهانه في صلب الدستور من هوامش تمكن من التفتح على المنظومة الدولية لحقوق الإنسان[5]. 

 بيد أن الهاجس المتمثل في وضع وثيقة دستورية متجانسة لا ينبغي من الناحية الشكلية أن يتجه بنا أثناء عملية وضع الدستور إلى تعويم النص على حقوق وحريات المرأة في إطار لجن لا علاقة لها بها. لذلك لابد من تدارس المسألة، في مرحلة أولى، في إطار لجنة خاصة بها أو ضمن اللجنة المتعلقة بالحقوق والحريات والواجبات على أن تنجز عملها في إطار المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما  ليتم، في مرحلة ثانية، التنسيق بينها وبين اللجن الأخرى نظرا  لأن الموضوع يمس مجالات كالمتعلقة بالتنظيم الفيدرالي في جانبه المتعلق بتوزيع الإختصاصات والسلطة التشريعية فيما يتعلق باختصاصاتها وتشكيلها أو بالتنظيم القضائي في الجانب المتعلق بالضمانات أو كذلك مع المقتضيات الخاصة بتعديل الدستور.

أما من ناحية المحتوى فإن النص على الحقوق والحريات في صلب الدستور لا ينبغي أن يفضي بنا إلى السقوط في الجزئيات . هذا لا لأن السقوط في الجزئيات قد يفقدها قيمتها القانونية والدستورية الملزمة[6] بل لأن السقوط في الجزئيات قد يفضي إلى الحسم بطريقة متسرعة في قضايا تحتاج إلى تراكمات وإلى فتح باب الإجتهاد بشأنها خاصة في القضايا المتعلقة بالزواج والطلاق والولاية والميراث. ذلك أن ما يتعين تجنبه هو خنق الدولة في اجتهاد واحد وفقه واحد[7]. يتعين في دستور ينص على أن الإسلام دين الدولة وضع المفاتيح الأساسية للدفع إلى الأمام بمفاهيم المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما بالشكل الذي يسمح بتبنيها من طرف المجتمع المدني وبالقراءة والتأويل الديناميكيين لها من طرف القضاء للوقوف أمام كل محاولات تمرد عليهما من طرف القوانين التي توجد في مرتبة أدنى من الدستور.

 

II الإنطلاق من وحدة الفكرة الحقوقية التي يمثلها الدستور كقانون أسمى

 ومتطلبات تأطير الإسلام والمرأة من طرف الدستور

 

إن هذه الضرورة تستبعد التساؤل فيما إذا كنا مع الإسلام أو ضد الإسلام. إنها تنبع من متطلبات تأطير الإسلام من طرف الدستور بجعله جزءا من مضامين الفكرة الحقوقية التي يتأسس عليها الحكم في الدولة. إن هذا التأطير يسمح، من جهة، بتجذر الدستور كقاعدة أساسية وملزمة، ومن جهة أخرى، بتعايش النص على الإسلام كدين للدولة مع الإقرار بحقوق المرأة باستبعاد المقاربة البيولوجية وتبني مقاربة النوع الإجتماعي. إن هذا التأطير يتطلب من جهة أن تكون العلاقة بين الإسلام والدستور علاقة تركيبية تقوم على التصالح بينهما بما يفتح آفاق التقاطع مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان التي تحتل فيها المرأة موقعا أساسيا. إن هذا التصالح الذي يتعين أن ينطلق من مبادئ الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز في الوقت الذي لا يخل بسمو القواعد الدستورية فإنه يفتح آفاق اجتهاد يقوم على مقاصد الشريعة الإسلامية وعلى تعدد الإجتهادات والتقاطع بين المذاهب الفقهية في الدولة بما يرجح المساواة بين الجنسين على أساس أن << الواجبات والمحظورات الشرعية يخاطب بهما الرجل والمرأة. والثواب والعقاب متساو في الجزاء إذا تساوت الأعمال >>[8] . ويتم االإستناد إلى جملة من الآيات القرآنية للتأكيد أنه بخصوص <<حقوق المرأة يقرر الإسلام مبدئيا،  وكحكم عام ومطلق، المساواة بينها وبين الرجل>>[9]. من هذه الآيات <<يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم>>(سورة الرحمن)و <<فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أوأنثى، بعضكم من بعض>>( سورة العلق).

إن تأطير الإسلام من طرف الدستور ينبغي أن ينطلق من مقدمة الدستور أو التصدير الذي يتضمن الأسس التي تقوم عليها الوثيقة الدستورية وتوجهها بإدماج هذه العلاقة التركيبية التي تقوم على التصالح بين المرجعية الدينية والمرجعية الدولية لحقوق الإنسان داخل المقدمة أو التصدير. إن مسألة تحرير تصدير أو مقدمة للدستور لا يشكل قاعدة عامة في الدساتير العربية. كما أن المبادئ التي من المفروض أن يتضمنها قد نجدها إحدى مواد الدستور. في هذا الصدد نسوق مثال المادة 5 من النظام الأساسي المؤقت لقطر الذي يعود تاريخه إلى سنة 1972 بحيث تنص في الفقرة ه على أن << تهدف السياسة الخارجية للدولة الى توثيق اواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب الاسلامية خاصة والدول والشعوب المحبة للاسلام عامة على اساسا من الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة وعدم التدخل في الشئون الخارجية. وتعتنق الدولة مبادئ ميثاق الامم المتحدة التي تهدف الى تدعيم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وانماء التعاون الدولي لخير البشرية جمعاء، واشاعة السلام والامن في ارجاء العالم والتزام الدول بفض خلافاتها بالطرق السليمة واقامة علاقاتها فيما بينها على اساس العدالة والمساواة في ظل احكام القانون الدولي>>.  كما أن التصدير أو المقدمة عندما تكون واردة في الدساتير العربية فإنها لا تختلط بهذه العلاقة التركيبية التي ذكرناها. إننا لا نذهب إلى حد القول بأن الدستور المغربي قد عرف هذه العلاقة التركيبية التي ذكرناها رغم  تأكيده  في التصدير على تشبث المغرب  <<بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا>>  سواء في دستور سنة 1992 أم في دستور سنة 1996. ومع ذلك فهذا النص على الرغم من حدوده قد فتح هامشا أمام فعاليات المجتمع المدني وأساسا أمام الفعاليات النسائية للدفاع عن مطالبها بتعديل مدونة الأحوال الشخصية في المغرب أو للدفاع عن ضرورة ملاءمة قوانين الدولة مع متطابات التزامه ذلك.

وبالرغم من كل ما تقدم فإن الظرفية السياسية التي سيتمخض عنها الدستور العراقي الجديد، الوطنية والدولية، تجعل مسألة تحرير مقدمة أو تصدير للدستور يعلن فيه واضعو الدستور بإسم الشعب عن المبادئ التي يتشبثون بها وعن المقومات الأساسية للدولة جد متوقعة.  في هذا السياق نرى أن التأكيد على الطابع الإسلامي للدولة أو على أن الإسلام دين الدولة يجب أن يتدعم بالنص على << التشبث بمبادئ الكرامة الحرية والعدل والمساواة بين الرجال والنساء وعدم التمييز بسبب الجنس أو الدين أو اللون أو اللغة الكامنة في تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وفي المنظومة الدولية لحقوق الإنسان>>. وربما نذهب إلى حد اقتراح إدماج النص على الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة وعدم التمييز كشعار للدولة في صلب الدستور.

 إن هذا التنصيص في المقدمة لا يعتبر نهاية المطاف في استبعاد السقوط في تأطير الإسلام من طرف الدستور. إنه فقط خطوة يتعين توظيفها في تحرير بقية محتويات الدستور حتى يتم تلافي السقوط في عدم التجانس بين المقدمة وبين بقية مواد الدستور وبالتالي في  تأطير الإسلام من طرف الدستور. إن هذه الفرضية تطرح لا لأن واضعي الدستور لن يتجاوزا في كل الأحوال النص على أن الإسلام دين الدولة الذي تنص عليه جل الدساتير ـ بصيغة مختلفة ـ مع التأكيد على أن الدولة تضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية أو حرية المعتقد. إن نصا من هذا القبيل يبقى من المسلمات. إن هذا لا يعني أن الكيفية التي يتم النص بها على الإسلام تمر بصفة عابرة في كل الحلات ودون أن تطرح أي نقاشات. فأشغال الجمعية التأسيسية التي تم تأيسها لوضع أول دستور في تونس بعد الإستقلال في 29 دجنبر 1955 تفيد بأن النقاشات عرفت تضاربا في الآراء بين النص على أن تونس دولة عربية إسلامية أنها دولة عربية دينها الإسلام والنتائج المترتبة على كل منهما[10].  ومع أن الإشكالات التي يطرحها على مستوى التطبيق ربط النص على دين الدولة بحرية المعتقد لا يستهان بها[11] فيتعين في كل الأحوال  استبعاد النص  في الدستور الجديد على مذهب الدولة.

 ولكن فرضية عدم التجانس التي ذكرناها تصبح من قبيل الإحتمالات في الوقت الذي لا يتوقف تأثير النص على أن الإسلام دين الدولة في حدود مصطلحات كالشورى (المادة 9 من دستور سلطنة عمان) أو الزكاة أو الأوقاف كما هو الحال مثلا في المادة 7 و 22 في دستور اليمن أو على أن <<التربية الدينية مادة أساسية في منهج التعليم العام>> ( المادة 19 الدستور المصري). إن فرضية عدم التجانس التي نحن بصددها تصبح واردة ـ وهذا في بعض الدساتيرـ لا فقط عندما يترافق في القسم الذي يؤديه رئيس الوزراء أو رئيس الدولة، قبل الشروع في تأدية مهامه، احترام الدستور مع التمسك <<بكتاب الله وسنة رسوله>> ( المادة 160 من الدستور اليمني ) أو باحترام << الشريعة   الإسلامية >> ( المادة 32 من القانون الأساسي لقطر) وهذا على خلاف ما تنص عليه دساتير عديدة مثل الدستور البحريني أو الدستور الكويتي الذي ينص في المادة 60 منه: << أقسم بالله العظيم أن احترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله، وأصون استقلال الوطن وسلامة أراضيه >>. إن فرضية السقوط في عدم التجانس بين النص الذي اقترحنا تحريره في المقدمة وبين الدستور تصبح واردة أكثر عندما يطرح على واضعي الدستور البحث في كيفية الحسم على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع، وتتأكد عندما تكون للصيغة التي يتم بها هذا الحسم تفرعات في الدستور تجعله مؤطرا من طرف الشريعة الإسلامية ليغدو في مجال المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما بؤرة يتغذى منها إغلاق باب الإجتهاد وتنهل منها القوانين الأخرى التي توجد في مرتبة أدنى من الدستور. فعديد من الدساتير لم تذهب على غرار ما ذهبت إليه دساتير المغرب وتونس والجزائر مثلا وحتى دستور العراق لسنة 1925 في استبعاد النص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع.  فالشريعة الإسلامية كما تنص عليها دساتير مثل الكويت ومصر والإمارات و البحرين والنظام الأساسي لسلطنة عمان والنظام الأساسي المؤقت لقطر <<مصدر رئيسي>> للتشريع أو <<أساسية للتشريع>>،  وقد ذهب دستور اليمن إلى أبعد من ذلك بحيث نص في المادة الثالثة على أن << الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات >> في حين أن الدستور السوري لسنة 1973 نص في الفقرة الثانية من المادة 3 على أن << الفقه الإسلامي مصدر التشريع >>.  إن السقوط في عدم التجانس وفي تأطير الدستور من طرف الإسلام يصبح مؤكدا عندما يذهب الأمر بواضعي الدستور إلى غاية النص على أحكام مستمدة من النص القرآني على أساس أنها قطعية غير قابلة للإجتهاد[12]، وهذا ما يبدو واضحا من خلال النص على أن الميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية كما نجده في دستور سلطنة عمان في المادة 11 ودستور البحرين في المادة 5  والإعلان الدستوري الليبي لسنة 1969 في المادة 8 والدستور الكويتي في المادة الثامنة ودستور اليمن في المادة 23. ولا ننسى أن هذا النزوع قائم في وثيقة عراقية كالتي تحمل عنوان الدستور المؤقت لعام 1968 في الفقرة ب من المادة 17. إن نصا من هذا القبيل يفرغ النصوص الخاصة بالمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما التي تتضمنها عدد من هذه الدساتير كل دلالة نظرا لغياب التجانس بينهما ولعدم قابلية كل منها للتفاعل مع الآخر. فبدل الوحدة والإنسجام التي تنبع من متطلبات التفاعل بين نصوص الدستور نسقط في التعارض بين قاعدة دستورية ونحدث داخل الدستور نفسه تدرجا وتراتبية بخصوص القيمة القانونية الدستورية للنصوص التي يتضمنها.   فالعلاقة هنا بين الدستور والإسلام هي علاقة تراتبية تنهل من سمو القواعد الدينية على القواعد الوضعية سواء كانت وطنية أم دولية. وهذا ما يفيد بأن دسترة قاعدة كالميراث باعتبارها قطيعة يعد بمثابة حكم يمتد بصفة غير مباشرة إلى باقي   القواعد التي تنظم وضعية المرأة داخل الأسرة كالولاية والطلاق تعدد الزوجات[13]  الذي ذهب بعض فقهاء الشريعة الإسلامية إلى ضرورة إعادة النظر فيها وهنا يتم السقوط في تأطير الدستور من طرف الإسلام ويتم الإخلال بوحدة الفكرة الحقوقية التي يمثلها الدستور كقانون أسمى.  

إن استبعاد الوقوع في عدم التجانس بين محتويات الدستور يملي على المساهمين في وضع الدستور الحذر في كيفية الحسم على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع. قد يذهب البعض إلى التلويح بأن استبعاد النص عليها عملية مستحيلة بالنسبة للظرفية الحالية أو بالنسبة لميزان القوى السياسي المهيمن عليها. ومع ذلك فإننا نرى بأنه حتى وإن تطلب الأمر مساومات في هذا المجال فإن ما يجذر استبعاده هو جعلها << مصدر أساسي>> أو << المصدر الوحيد للتشريع>> بالإقتصار على جعلها مصدر من مصادر التشريع، وهذا ما يستجيب لمتطلبات جعل النص عليها يفتح هامشا من الهوامش. كما يجذر استبعاد النص في صلب الدستور على أحكام كالميراث باعتبارها قطعية لا تجوز إعادة النظر فيها بإعادة فتح باب الإجتهاد فيها وفقا لمقاصد الشريعة . وهذا ما يفيد بأننا لا ندعو إلى السقوط في الحل المعاكس الذي يقضي بالمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى لعدة اعتبارات.  إن ما نقترحه هو انه حتى وإن تطلب الأمر الدخول في مفاوضات فإنه لا يجوز بأي حال الرضوخ إلى مقايضة النص مثلا على الميراث بالشكل الذي تم به في الدساتير التي ذكرناها بالنص على مقتضيات تتعلق بعدم التمييز بسبب الجنس لأن هذا سيشل الإنسجام بين نصوص الدستور وسيشكل عرقلة أمام التفاعل بينها.

 إن ما تقدم لا يعني أن الدساتير التي لم تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع ذهبت بعيدا في إقرار المساواة وعدم التمييز بين الجنسين في دساتيرها. إن الدستور التونسي لسنة 1959 لم يتضمن أي نص خاص بالمرأة حيث اكتفى بالنص في المادة 6  على<<  كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون >>، مع أن نية واضعي الدستور لم تكن بداية تسير في هذا الإتجاه[14]. أما الدساتير المغربية التي تعاقبت منذ سنة  1962  وكان آخرها دستور سنة 1996 فلم تعرف سوى نصا واحدا وهو المتمثل في المادة الثامنة التي تحدد مساواة المرأة والرجل في الميدان السياسي << الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية. لكل مواطن ذكرا كان أم أنثى الحق في ان يكون ناخبا إذا كان بالغا سن الرشد متمتعا بحقوقه السياسية>>، وتقاوم إدماج المطالبة مساواة المرأة والرجل في جميع الميادين ضمن مقتضياتها.  إننا لا ننفي أن أكثر الدساتير التي نصت على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع تقوقعت في حدود النص على المرأة ـ في  مادة أو مادتين ـ من خلال الأسرة باعتبارها <<أساس المجتمع >> وبالشكل الذي يجعل << قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن >> ومن خلال تكفل الدولة بحماية <<الأمومة والطفولة>> . كما لا ننسى بأن الدستور المصري الذي يصنف في هذه الخانة ذهب إلى النص إضافة إلى ماسبق على أن <<المادة 11 تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الاسرة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، دون اخلال باحكام الشريعة الاسلامية>>، في حين ذهب الدستور السوري إلى أبعد من ذلك حيث نص في المادة 44 على أن <<1ـ الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة. 2ـ تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه وتحمي الأمومة والطفولة وترعى النشء والشباب.وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم>> و في المادة 45 على أن <<تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي>>.

وعلى الرغم مما تقدم  فالحسم في الصيغة التي يتم بها النص على الإسلام في الدستور  لا تحول دون انحرافات على مستوى الممارسة تخفي في ثناها توجه نحو ممارسة تصب في اتجاه تأطير الدستور من طرف الإسلام[15]   ولا يمكن اعتمادها إلا كخطوة في مجال إقرار المساواة وعدم التمييز بين الجنسين.

 III   تضمين المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما

 في الدستور وفرضية الدولة الفيدرالية

 

إن التأكيد على أن النص على حقوق وحريات المرأة في صلب الدستور ينبغي أن يتم بصفة صريحة يندرج ـ وهذا بصرف النظر عن كل الإعتبارات الكامنة في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ـ في فكرة مفادها أن إعطاء حقوق وحريات الأفراد والجماعات طابعا دستوريا يستجيب للمفهوم المعاصر لدولة القانون باعتبارها مرادفا لحقوق الإنسان الأمر الذي يقتضي تضمينها في قوانين الدولة وأسمى هذه القوانين هو الدستور[16]. إن طرحا كهذا لا يستجيب فقط لاعتبارات دولة موحدة بل تفرضه أيضا اعتبارات الدولة الفيدرالية. فهذه الإعتبارات تفيد بأن تقوية علاقة هذه الأخيرة بمواطنيها تستمد أساسها من النص على حقوق وحريات الأفراد والجماعات، وهذا ما يعني أن مجالا من هذا القبيل والذي تعد المساواة وعدم التمييز بين الجنسين من مكوناته ينبغي أن يدخل في إطار اختصاصات الدولة الفيدرلية أو في إطار الإختصاصات المشتركة بين الدولة الفيدرالية والدويلات،  ويقتضي أن يتم النص عليه صراحة في الدستور الفيدرالي ضمن المواد المتعلقة يتوزيع الإختصاصات.   فالسكوت علي مسألة كهاته يعني بصفة ضمنية تركها للدويلات، وهذا ما من شأنه أن يجعلنا أمام تضارب القوانين التي تنظم وضعية المرأة على مستوى الدويلات وحتى أمام إمكانية تركها في قبضة المذاهب الدينية أو تضارب الإجتهادات أو حتى الأعراف.  أما إن تركت في مجال الإختصاصات المشتركة فإن اختصاص الدويلات سيكون مقيد بالقوانين الدستورية الفيدرالية والتشريعية الفيدرالية.  إن الإعتبارات الخاصة بتوزيع الإختصاصات في إطار دولة فيدرالية بين الدولة الفيدرالية وبين الدويلات تتضاعف على المستوى الفبدرالي بمتطلبات توزيعها بين السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع وتعديل الدستور، وبين السلطة التشريعية. في هذا الإطار نرى أن مجالا كالذي نحن بصدده ينبغي أن يترك للسلطة التأسيسية الفيدرالية على أن تمارس السلطة التشريعية الفيدرالية صلاحية مقيدة بالإتفاقيات والمعاهدات التي صادقت عليها الدولة وبمقتضيات دستور الدولة الفيدرالية. وهذا التوزيع من شأنه تزويد الحريات والحقوق والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما بحصانة دستورية تضعها بمنأى عن تقلبات الأغلبيات السياسية وعن المساومات السياسية التي قد تخضع لها عملية وضع القوانين والمصادقة عليها.  ولا بخفى أن ترجيح مجال السلطة التأسيسية بالنسبة للسلطة التشريعية بهذا الشكل لا يستجيب  فقط لمتطلبات الدولة الفيدرالية بل يطرح أيضا بالنسبة للدولة الموحدة. 

ومع ذلك فإن التوجه إلى النص على الحقوق والحريات بصفة صريحة في الدستور لا ينبغي أن يصل إلى حد تصور أن الدستور يمكنه أن يستوعب كل الجزئيات، كما لا يمكنه أن يذهب إلى السقوط المفرط في العموميات التي تعطي صلاحيات واسعة للسلطة التشريعية لتنظيم ممارستها ووضع الحدود عليها. يجب ألا ننسى أن القانون الصادر عن السلطة التشريعية يمكنه أن يكون متعسفا إزاء الحريات وأنه ليس هناك ما يلزم السلطة التشريعية[17]  ـ بعد المصادقة على الدستور وتنصيب المؤسسات الدستورية ـ بالتشريع في مجال حق أو حرية تم النص عليها في الدستور ما عدا إذا تم تحديد صلاحيتها من طرف الدستور بآجال معينة. كما لا ننسى الإتجاهات الحالية التي تتطلع إلى الدستور كالوسيلة الأنجع إلى إقرار الحريات والنص على وسائل حمايتها على أساس أن القانون التشريعي يعد تعبيرا عن أغلبية سياسية ولا يمكن أن يكون تعبيرا عن الإرادة العامة إلا إذا احترم الدستور[18]. فعندما ما يتم النص في الدستور على حقوق مثل الحق في الجنسية أو حرية التجول ليخول تنظيم شروط التمتع بها إلى القانون فقد يتضمن هذا التنظيم مقتضيات تمييزية بسبب الجنس كالتي تحرم الأم من تخويل جنسيتها لأبنائها وتلك التي تحرمها من السفر خارج الوطن. فعديد هي الدساتير التي تنص على أن الجنسية حق ينظمه القانون، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الدستور السوري (43) ودستور الأردن ( المادة 5) والنظام الأساسي المؤقت لقطر( المادة 4 )  ودستور سلطنة عمان  ( المادة 15) ودستور البحرين (المادة 17).  إن هذا السياق يذكر بمضامين الدستور العراقي لسنة 1925 سواء في نصه الأصلى الذي يقضي بأن << تعين الجنسية العراقية، وتكتسب، وتفتقد، وفقا لأحكام خاص>> أم في ذلك المنبثق عن التعديل حيث أكد على أن << الجنسية العراقية وأحكامها يحددها القانون >>، وهو ما يذكر مثلا بمقتضيات الوثيقتين العراقيتين اللتين تحملان عنوان الدستور العراقي المؤقت لسنة 1958 أو لسنة 1964.  في هذا السياق لن نستغرب إذا ما وجدنا أنفسنا أمام قوانين قد تذهب إلى حد حرمان الأم من منح جنسيتها إلى أبنائها على قدم المساواة مع الأب. إن الدستور المغربي لا ينص على حق الجنسية،  إنه ينص في الفصل الخامس على أن << جميع المغاربة سواء المواطنين أمام القانون>>، ومع ذلك فالقوانين التي تنظمها فالمغرب تحرم الأم المغربية من حق تخويل جنسيتها إلى أبنائها، ولا زالت مقترحات القوانين التشريعية التي تمت صياغتها بفعل مطالبات الفعاليات النسائية لم تخرج بعد إلى حيز الوجود.  بيد أن دستورا كالدستور السوداني مثلا حسم المسألة بالنص في المادة منه 22 التي وردت في إطار << حرمة الجنسية الوطنية >> على أن << لكل مولود من أم أو أب سوداني حق لا ينزع في التمتع بالجنسية الوطنية وحقوقها واحتمال تكاليفها >> قبل أن تضيف << ولكل ناشئ في السودان أو مقيم لسنوات حق في الجنسية كما ينظمها القانون >>. لذلك فإن ميدانا كهذا يتطلب الحسم فيه من طرف الدستور بالنص على أنه لكل مولود من أم عراقية أو أب عراقي الحق في الجنسية، على أن تقتصر الإحالة على القانون في الفرضيات الأخرى المتعلقة بالتجنس مع مراعاة المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما. إن هذه الإشكالات قد تطرح فيما يخص حرية التجول داخل البلد وخارجه. فقد يتعايش النص على هذه الحرية من طرف الدستور مع قوانين أخرى تتضمن مقتضيات تمييزية كضرورة موافقة الزوج على سفر زوجته خارج الوطن أو على حيازتها جواز سفر. لذلك يجب حسم المسألة بالنص في الدستور على أن حرية التجول داخل الوطن وخارجه حق يتمتع به الرجل والمرأة على حد سواء.

وعلى العموم وحتى يتم وضع الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور بمنأى عن احتمال تعسف السلطة التشريعية أو تعسف سلطات أو هيئات أخرى يجب أن يبدأ النص عليها في الدستور بالتأكيد على ما يلي:

1 ـ إن الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواد التالية من الدستور يتمتع بها الرجل والمرأة على حد سواء.

2 ـ عند تخويل تنظيم ممارسة الحريات والحقوق ووضع الحدود عليها إلى القانون فإنه يمنع على السلطة التشريعية إعادة النظر فيها بما يتضمن إخلالا بالمساواة بين الجنسين أو بمنع التمييز بينهما أو بما يمس من جوهر الحق أو الحرية وفقا لما نص عليه هذا الدستور. إن هذه الصياغة المتعلقة بالحدود التي يتعين وضعها على عمل السلطة التشريعية في مجال الحقوق والحريات في الوقت التي تذكرنا بالمادة 31 التي تضمنها الدستور القطري فإنها تبتعد عنها بتدقيق هذا التحديد. إنها تذكرنا بهذه المادة من الدستور القطري نظرا لأن هذه الأخيرة تنص على أنه << لا يكون تنظيم الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الدستور إلا بقانون، أو بناء عليه. ولا يجوز أن ينال التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية>>. إنها تبتعد عنها نظرا للأبعاد التي تتخذها بتمديدها للحدود التي من الممكن أن ترد على عمل السلطة التشريعية حيث يتم تمديد المنع إلى << ما يتضمن إخلالا بالمساواة بين الجنسين أو بمنع التمييز بينهما>>.  وهذا البعد هو الذي يجعل البون شاسعا بين الصياغة المتضمنة في المادة 31 من الدستور القطري وبين الصياغة التي نقترحها ويفتح هامشا لا يستهان به لقراءة متحررة وتأويل ديناميكي لنصوص الدستور.

كما يجب ألا يغرب عن أذهاننا أن ثمة مقتضيات لها تأثير لا يستهان به على نظام الحقوق والحريات في الدولة قد لا تدرج في بالضرورة إطار النص على لائحة الحقوق والحريات ولكن يجب مراعاة إدراجها في صلب الدستور نظرا لعلاقتها بالحدود التي يتعين أن تمارس في إطارها السلطة التشريعية والتأسيسية في الدولة عملها ولأنها تفتح هامشا لا يستهان به في إغناء الحريات المنصوص عليها في الدستور وتوسيع آفاق استعمالها وهي:

 3 ـ سمو المعاهدات والإتفاقيات التي صادقت عليها الدولة على القوانين الوطنية. وتتولى الدولة الفيدرالية والدويلات اتخاذ التدابير اللازمة التي تفرضها ملاءمة تشريعاتها الوطنية مع التزاماتها الدولية. وفقا لهذا النص فإن السلطة التشريعية ستمارس في مجال الحريات والحقوق صلاحيات مقيدة بمقتضيات المعاهدات والإتفاقيات الدولية أولا وبالدستور ثانيا ناهيك عن القرارات الصادرة عن أعلى هيئة قضائية والمتمثلة في المحكمة الدستورية.  إن مسألة الملاءمة لها تفرعات أخرى تفرض       التص في الدستور على ما يلي:

4 ـ بمجرد المصادقة على هذا الدستور وتنصيب المؤسسات الدستورية تنخرط السلطة التشريعية الفيدرالية في ملاءمة القوانين الجاري بها العمل مع الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور.

 إن السلطة التشريعية في دولة فيدرالية قد تتولى سلطة تعديل الدستور أو قد تساهم فيها. لذلك فتحسبا لاحتمال أي تجاوزات من طرفها أو من طرف أي سلطة أخرى يمكن أن تتولى عملية تعديل الدستور أو أن تساهم فيها يتعين أن تزود النصوص الدستورية المتعلقة بالحريات والحقوق التي نص عليها الدستور بجمود مطلق، وهذا ما يعني وضعها بمنأى عن سلطة تعديل الدستور وتعيين الإتجاه الذي ينبغي أن يندرج في إطاره عمل سلطة تعديل الدستور. لذلك يتعين في إطار المقتضيات الخاصة بتعديل الدستور التي سيتضمنها الدستور الجديد أن يتم النص على :

4 ـ إن المقتضيات الخاصة بالحقوق والحريات وبالمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما التي تضمنها هذا الدستور لا يجوز تعديلها ما عدا في الإتجاه الذي يتضمن إغناء لها وللضمانات بشأنها.

 

IV التنصيص صراحة على المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما

 ومتطلبات تحقيق الإلتفاف حول الدستور

 

إن اعتبارات تحقيق الإلتفاف حول الدستور في الوقت التي تستبعد السقوط في مساومات من شأنها أن تكون لها انعكاسات سلبية على إقرار حقوق وحريات المرأة أو تؤدي إلى تراجعات بشأن ما هو قائم ومكتسب[19] فإنها تتطلب استبعاد السقوط في مأزق ناجم عن الإصطدام حول جزئيات من الممكن أن يتجاوز الدستور النص عليها. ومع ذلك فإن ما لا يمكن التنازل عليه هو أن يكون الدستور مفتاحا لمواطنة متعددة الأبعاد بإقرار وضمان المساواة بين الجنسين في جميع الميادين.

إن المنطلق في اتجاه وضع دستور يكون أداة لضمان حقوق الإنسان، هذه الحقوق التي يتعين أن تحتل فيها المرأة موقعا أساسيا، يتمثل في تثمين الحقوق والحريات التي تتضمنها كل ـ إن لم نقل جل ـ الدساتير العربية، هذا دون أن يغيب عن أذهاننا أن النصوص التي تتناول وضعية المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة جد ضئيلة.  إن هذا المنطلق يجد تبريره في أنه مهما كانت الأبعاد التي يكتسيها  تضمين نصوص  تتعلق بحريات وحقوق الأفراد في دساتير الدول العربية والحدود التي يتخذها تجسيدها على مستوى الواقع الملموس فإن هذا التضمين يعد مكسبا في حد ذاته. إنه يجعلنا نستحضر فكرة أساسية مفادها أن تنظيم الحكم على أساس دستوري ترافق تاريخيا في الغرب الأوروبي وفي دول أميركا الشمالية مع النص على حقوق وحريات الأفراد[20].  إن الدستور العراقي الذي يعود تاريخه إلى سنة 1925 بدوره لم يشذ عن هذه القاعدة على الرغم من أنه لم يتضمن أي إشارة إلى المرأة. إننا لا نذهب إلى حد القول بأن لائحة الحقوق التي تضمنها كانت غنية إلى أقصى الحدود ولكنها تظل مع ذلك مهمة. بالفعل، إن الحريات الجماعية التي تضمنها جد ضئيلة مقارنة مع الحريات الفردية ونفس الشيء يقال عن الحريات السياسية بالنسبة لهذه الأخيرة. إننا لن نغوص في شرح أسباب هذه الضآلة أو ذلك الغياب لنفسرها سواء بالنسبة إلى الظرف التاريخي الذي تمخض عنه   هذا الدستور، والذي لم يكن يعرف الأبعاد المرتبطة بتدويل حقوق الإنسان الذي عرف انطلاقته الفعلية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية اللذين تمت المصادقة عليهما سنة 1966 ودخلا حيز التنفيذ سنة 1976، أم لنفسرها حتى بالنسبة لموجة الدساتير التي كانت سائدة آنذاك في الغرب الأوروبي وفي العالم الأنجلوساكسوني وبالأخص للوثائق الإنجليزية التي تعاقبت منذ سنة 1215   التي  يحمل الدستور معالمها.  إننا سنكتفي بتقديم أمثلة عن الحريات التي تضمنها. إن المادة السادسة تنص على أن << لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون، وان اختلفوا في القومية، والدين، واللغة. >> . وتنص المادة السابعة على أن << الحرية الشخصية مصونة لجميع سكان العراق من التعرض والتدخل، ولا يجوز القبض على أحدهم، أو توقيفه، أو إجباره على تبديل مسكنه، أو تعريضه لقيود، أو إجباره على الخدمة في القوات المسلحة إلا بمقتضى القانون، أما التعذيب، ونفي العراقيين إلى خارج المملكة العراقية، فممنوع بتاتاً >>. وتنص المادة الثامنة على أن<< المساكن مصونة من التعرض، ولا يجوز دخولها، والتحري فيها، إلا في الأحوال والطرائق التي يعينها القانون>> أما المادة التاسعة فتنص على أن << لا يمنع أحد من مراجعة المحاكم، ولا يجبر على مراجعة محكمة غير المحكمة المختصة بقضيته إلا بمقتضى القانون.>>  في حين تذهب  المادة الثانية عشرة إلى إقرار <<   حرية إبداء الرأي، والنشر، والاجتماع، وتأليف الجمعيات والانضمام إليها، ضمن حدود القانون.>> والمادة الخامسة عشرة:<< تكون جميع المراسلات البريدية، والبرقية، والتلفونية، مكتومة ومصونة من كل مراقبة وتوقيف، إلا في الأحوال والطرائق التي يعينها القانون>> والمادة الثامنة عشرة: العراقيون متساوون في التمتع بحقوقهم، وأداء واجباتهم (…) >>. يمكن أن نقول أيضا بأن إقرار االحريات قد ترافق مع تعيين الضمانات بشأنها. في هذا الإطار تندرج المادة 14 التي تنص على أن << للعراقيين الحق في رفع عرائض الشكوى، واللوائح في الأمور المتعلقة بأشخاصهم، أو بالأمور العامة، إلى الملك، ومجلس الأمة، والسلطات العامة، وبالطريقة وفي الأحوال التي يعينها القانون>>.  إن التعديلات التي عرفها هذا الدستور خلال السنة الموالية لصدوره لم تستثن مجال الحقوق والحريات إما بإعادة صياغتها أو بتدقيقها[21].  لذلك فإن وضع دستور يتجاهل حقوق وحريات الأفراد والجماعات هو الذي سيشكل نشازا بالنسبة لدساتير الدول العربية بما فيها العراق، على الرغم من أن التطورات  لم تفسح المجال لتراكمات في هذا المجال.  ومع ذلك فإن دستورا عربيا موجها للتطبيق في الألفية الثالثة في الوقت الذي يتطلب فيه ألا يشكل شذوذا عن هذه القاعدة المتمثلة في تضمين الحقوق والحريات في صلبه فإنه يتعين عليه أن يكون محركا لتطور دستوري في المنطقة العربية في اتجاه تأهيل دساتيرها بدعمها بحقوق وحريات الأفراد وكذا على الضمانات بشأنها.

إن الإنطلاق من ضرورة تثمين الحريات والحقوق المنصوص عليها في الدساتير العربية وحتى تلك المتضمنة في الوثائق العراقية وبالأخص في الدستور العراقي لسنة 1925 الذي يعتبر بالنسبة للظرفية التاريخية التي وضع فيها مكسبا لا يستهان به يعني أن الإنطلاق في عملية وضع الدستور العراقي لا يتم من فراغ. بالفعل إن هذه الدساتيرـ كما ذكرنا ـ ليست كتلة واحدة إضافة إلى إنها تفتقد إلى روح الإنسجام بين مقتضياتها. ومع ذلك فتثمين الحريات المنصوص عليها، في تلك الدساتير، أثناء وضع الدستور العراقي الجديد يمكن أن تتم إما بإدماج بعض المقتضيات التي يتميز بها دستور أو دساتير دون غيرها في صلبه أو تزويده بمقتضيات جديدة تفتقر إليها جل الدساتير العربية وعلى رأسها الحق في الحياة كمنبع لكل حقوق الإنسان وباعتباره حقا لا يقبل التنازل والتفويت ولا في كل الأحوال تقييده بمقتضى القانون[22]..  وفي الحالتين معا فإن هذا التثمين يستجيب للإعتبارات التي تقضي، من جهة، بأن الحديث عن حقوق المرأة في ظل دستور يكون فيه النص على الحريات والحقوق هزيلا وشكليا يبقى مجردا من كل دلالة فعلية، ومن جهة أخرى، بأن إدماج هذه المقتضيات يفتح آفاق توظيفها في دعم دستور يكون أداة لضمان حقوق الإنسان، هذه الحقوق التي تحتل فيها المرأة موقعا أساسيا. هذا دون أن ننسى أن حقوق المرأة وإمكانيات تفعيلها تتأثر بطبيعة النظام السياسي الذي يفترض فيه أن يكون ديموقراطيا وتعدديا وتنافسيا. إن دستور الجمهورية اليمنية يستوقفنا عند مقتضيات أساسية في المادة 48 فيما يخص أمن المواطن وحريته  كالمتعلقة بشروط الحجز الإحتياطي التي تم النص عليها بصفة دقيقة أو <<حظر التعذيب جسديا أو نفسيا أو معنويا>> أو << اعتبار التعذيب الجسدي أو النفسي عند القبض أو الإحتجاز أو السجن جريمة لا تسقط بالتقادم ويعاقب عليها كل من يمارسها أو يأمر بها أو من يشارك فيها >>. إن الدستور السوري لسنة 1973 يكتفي بالنص في الفقرة الثالثة أن << لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا او معاملته معاملة مهينة>> في حين ذهب  دستور البحرين لسنة 1973   (الفقرة د من المادة 19) وكذا القانون الأساسي لسلطنة عمان لسنة 1971 في (المادة 20 ) إلى أبعد من الدستور اليمني  وذلك بالنص على أن << لا يعرض أي إنسان للتعذيب المادي والمعنوي، أو للإغراء، أو للمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. كما يبطل كل قول أو اعتراف يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب أو بالإغراء أو لتلك المعاملة أو التهديد بأي منها>>. إن هذا النص لا يهيمن عليه التوجه بربط التعذيب فقط بظروف القبض أو الحبس أو الإحتجاز كما هو عليه الحال في الدستور اليمني فضلا على أنه يضيف إلى التعذيب المادي والمعنوي لا فقط المعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية بل وأيضا الإغراء.  وغير خاف أن التفتح على مقتضيات كهاته وإدراجها في صلب الدستور تعد أساسية لا فقط فيما يخص أمن وحرية المواطن أو لأنها تمس المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بل لأن إمكانيات توظيفها في المطالبة بإدماج مقتضيات خاصة بمحاربة العنف والتحرش الجنسي ضد المرأة  في صلب الدستور تصبح متاحة. ولا يخفى أن من بين هذه الإمكانيات ما يرتبط بالتنظيم القضائي بإقامة فروع خاصة بقضايا العنف ضد النساء. هذا دون أن ننسى أن إدماجا لمادة  خاصة بمنع في صلب الدستور تقتضي تدقيقا يكون على الشكل الآتي: << لا يعرض أي إنسان رجلا كان أم امرأة للتعذيب المادي والمعنوي، أو للإغراء، أو للمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك. كما يبطل كل قول أو اعتراف يثبت صدوره تحت وطأة التعذيب أو بالإغراء أو لتلك المعاملة أو التهديد بأي منها>>. ولا يخفى أن دستورا كالدستور المغربي لا زال بعيدا عن تضمين أي  مقتضيات تتعلق بمنع التعذيب بحيث تمت مواجهة مطالب المعارضة في هذا الشأن بمناسبة التعديلات الدستورية الأخيرة بحجة أنها تشكل مساسا بسمعة المغرب[23]!

ومن المواد التي تستوقفنا نظرا لأهميتها في المجال الذي نحن بصدده تلك التي تنص بصفة عامة على مساواة المواطنين ـ مع أنها لا تؤكد على المواطنين والمواطنات ـ أمام القانون في الحقوق والواجبات خصوصا عندما يرتبط النص على المساواة بالنص على عدم التمييز وعندما تمتد أسباب عدم التمييز إلى الجنس. آنذاك، يصبح دعم الحقوق والحريات الذي يذهب إلى حد أن يكون الدستور أداة لضمان حقوق المرأة وتمتعها بمواطنة متعددة الأبعاد واردا وذلك عن طريق إقرار عدم التمييز بين الجنسين والمساواة بين المرأة والرجل في الميادين القانونية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.  لهذا تظل إمكانيات استثمار الدساتير العربية من أجل ترجيح مدخل من هذا القبيل في الدستور العراقي الجديد متاحة.

 بالفعل إن الدستور العراقي لسنة 1925 على خلاف بعض الوثائق العراقية الأخرى التي نتوفر عليها يحجب عنا هذه الإمكانية. ففي حين ترتبط المساواة في الحقوق والواجبات بعدم التمييز الذي تمتد أسبابه إلى الجنس في وثائق كالتي تعود إلى سنتي 1964 (المادة 19) و1968 ( المادة 20 ) أو في مشاريع دستورية كمقترح مسودة مشروع الدستور الدائم أو مسودة مقترح ( دستور الجمهورية الفيدرالية العراقية )الصادرة الحزب الديمقراطي الكردستاني فإن دستور 1925   يقتصر على النص  بأن << العراقيون متساوون في التمتع بالحقوق المدنية، والسياسية، فيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة . لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل، أو اللغة، أو الدين، (…) >>. وعلى الرغم من هذه الحدود فإن هذه المقتضيات تظل مهمة بالنسبة للظرف التاريخي الذي صدر فيه هذا الدستور، والذي سبق أن توقفنا عنده، وبالنسبة لدساتير عربية لا زال بعضها في الوقت الحاضر لا ينص على مقتضيات تتعلق بعدم التمييز ولو في هذه الحدود مثل الدستور المغربي أو الدستور التونسي أو الدستور اليمني ناهيك عن دساتير أخرى تستبعد الجنس من أسباب عدم التمييز.  إن دستور الأردن  1952  ينص في مادته الخامسة على: << الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين >> وينص دستور الإمارات لسنة 1971 في مادته 25   على: << جميع الأفراد لدى القانون سواء، ولا تمييز بين مواطني الإتحاد بسبب الأصل أو الموطن أو العقيدة الدينية أو المركز الإجتماعي >> في حين   اكتفى دستور اليمن في مادته 41   بالنص على أن << المواطنون جميعا متساوون في الحقوق والواجبات>>. إن هذه الأمثلة لا تقصي أخرى ربطت بين المساواة أمام القانون وعدم التمييز بسبب الجنس كالمتضمنة في الدستور المصري أو القطري أو البحريني أوالكويتي. إن الدستورين الكويتي ( المادة 29) والبحريني (المادة 18) يلتقيان في النص على أن << الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم وذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين >> ( يضيف الدستور البحريني العقيدة) وهذا على غرار الدستور المصري الذي ينص في المادة 40 على << المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة >>. ولا يخفى علينا أن المادة 21 التي يتضمنها الدستور السوداني تنص على << جميع الناس متساوون أمام القضاء، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في جميع الناس متساوون أمام القضاء، والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات في وظائف الحياة العامة، ولا يجوز التمييز فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية، وهم متساوون في الأهلية للوظيفة والولاية العامة ولا يتمايزون بالمال>>. إن تركيزنا على هذه النصوص المتعلقة بالمساواة وعدم التمييز لا يعني أن موقع المرأة في الدساتير التي تتضمنها أحسن من غيرها ولا  يعني أن القوانين التي تتناول  وضعية المرأة في هذه الدول أحسن من غيرها. إنها مهمة لأنها تتيح إمكانيات الإسترشاد بها واستثمارها في أفق إقرار مساواة فعلية بين المرأة والرجل في جميع الميادين في الدستور الجديد.

إن ربط المساواة بعدم التمييز بسبب الجنس الذي تتضمنه العديد من الدساتير العربية يشكل مدخلا أساسيا في اتجاه الإعتراف للمرأة في صلب الدستور بمواطنة متعددة الأبعاد بالنص عليها بصفة صريحة لا ضمنية، وهذا ما يأخذ في الإعتبار مسألتين: أولا، أن يتم التعرض إلى المرأة ككائن قائم بذاته يستمد قوته من مقتضيات كالمتعلقة بعدم التمييز بسبب الجنس وبالمساواة في الميادين القانونية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ ثانيا، ألا يقتصر التعرض إليها من خلال وظيفتها الإنجابية، من خلال الأسرة والأمومة والطفولة. هذا على أن التعرض إلى الأسرة انطلاقا من مفاهيم المساواة وعدم التمييز يعطي للنصوص حول الأسرة دلالة وأبعادا تتجاوز حصر دور المرأة في الوظيفة الإنجابية. على هذا الأساس يتعين أن يكون المدخل إلى الإعتراف بحقوق المرأة حقوق المرأة في اتجاه النص على مواطنة متعددة الأبعاد على هو الآتي:

 1 ـ الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم  متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة أو المنشأ الإجتماعي؛

 ـ الرجل والمرأة متساويان في الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية؛ ( هذا مع استبعاد تقييد هذا الحق بأحكام الشريعة )

3 ـ تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية؛

إن تثمين النص على المساواة وعدم التمييز كما ورد في هذه النقطة الأولى بالنص على مساواة المرأة والرجل في جميع الميادين كما ورد في النقطة الثانية لا يعني أننا بصدد مسألة تأكيدية. إننا أمام نصين مستقلين ومتكاملين في آن واحد يجب أن يراعى في إدماجهما في صلب الدستور أن يتم تحريرهما الواحد تلو الآخر. بهذا يتم الحسم مع كل توجه يقوم على أن مسألة المساواة هي مسألة افتراضية أو ضمنية. ويتدعم هذان النصان بالمتضمن في النقطة الثالثة ـ التي تذكر بمقتضيات   المادة 29 من الدستور السوري ـ حيث دور الدولة كموزعة   للعدالة الإقتصادية والإجتماعية  يترافق بدورها كموزعة للمساواة بين الجنسين. إن هذا المدخل إلى المساواة يمكن من إدراج مقتضيات أخرى تجعل المساواة حقيقة ملموسة:   

4 ـ مساواة المواطنين والمواطنات في تقلد الوظائف العامة سواء أكانت منبثقة عن الإنتخاب أم عن التعيين، إن على مستوى المؤسسات الدستورية أم الإدارية أم القضائية.

5 ـ إن مساواة المرأة والرجل في الحقوق السياسية تطرح على الأحزاب السياسية التي تقوم بوظيفة تنظيم المواطنين وتمثيلهم التزامات بأن تجعلها حقيقة ملموسة وذلك:

أ ـ على مستوى أجهزتها القيادية الوطنية والمحلية بأن لا تشتمل على أكثر من الثلثين من جنس واحد؛

ب ـ على مستوى ترشيحاتها إلى انتخابات المؤسسات التمثيلية سواء على الصعيد الفيدرلي أم على صعيد الولايات بحيث لا تشمل لوائح الترشيح المقدمة من طرفها أكثر من الثلثين من جنس واحد؛

ج ـ على مستوى ترشيحاتها إلى الجهاز الحكومي سواء على صعيد الفيدرالية أم على صعيد الولايات؛

6 ـ يتعين في القوانين الإنتخابية الخاصة بكافة المؤسسات التمثيلية أن تجسد المساواة في الحقوق السياسية لا فقط على مستوى الترشيح إلى الإنتخابات بل وأيضا على مستوى المجالس المنتخبة سواء على صعيد الدولة الفيدرالية أم على صعيد الدويلات.

7 ـ إن المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق الإقتصادية تقضي بأن يتساوى الأجر بين الرجال والنساء متى تساوى العمل والكفاءة.

5 ـ التربية والتعليم حق للمواطنين والمواطنات على سواء.

إن النصوص الخاصة بموقع المرأة داخل الأحزاب السياسية وكذا القوانين الإنتخابية يمكن تضمينها في صلب الدستور بصفة مستقلة على غرار ما أوردناه كما يمكن ـ ويستحسن ـ تضمينها في إطار النصوص الدستورية التي تتناول الأحزاب السياسية أو انتخاب المؤسسات التمثيلية أو الحق في انتخابات دورية ونزيهة. وتأتي أهمية تضمينها بصفة مباشرة في نصوص الدستور في أن إصدار قوانين تشريعية تهم  نظام الكوتا أو نظام الحصص حيز التنفيذ قد يصطدم إما بعدم وجود إرادة سياسية[24] أو بموقف القضاء الدستوري ـ الذي لا يعد موقفه حتى في الدول الأوروبية موحدا في هذا الشأن[25] ـ على أساس أن مبدأ الكوتا يشكل إخلالا بالمساواة النصوص عليها في الدستور. وغني عن التذكير أن غياب الإرادة السياسية الذي ترافق مع الحذر من احتمال موقف معارض للمجلس الدستوري يفسر كيف أن الكوتا التي تم العمل بها بمناسبة الإنتخابات التشريعية المباشرة لمجلس النواب لسنة 2002 لم يتم النص عليها بصفة صريحة في القوانين الإنتخابية.  لقد تم فقط النص فيها فقط على لائحة وطنية تضم 30 مقعدا أي ما يقارب   10% من  عدد أعضاء مجلس النواب إلى جانب اللوائح المحلية وتم الإتفاق بين الأحزاب على تخصيصها إلى النساء. كل هذا يفسر كيف أن الإنتخابات المحلية التي عرفها المغرب سنة 2003 تمت في ظل الممارسات السابقة التي تختزل عمليا دور المرأة في التصويت. ويلاحظ أننا لم نربط بين حق المرأة في أن تكون ناخبة ومرشحة ومنتخبة ونمط اقتراع معين. فأسلوب الإقتراع يتعين فيه أن يأخذ في عين الإعتبار متطلبات الواقع الحزبي في البلدان العربية التي تملي الحد من تشرذمها وإضعافها وتكوين أغلبيات سياسية قوية إضافة إلى هذا أن التقنيات المتعلقة بالكوطا تظل واردة في كل الأنظمة الإنتخابية[26].

إن مقتضيات كالتي ذكرناها والخاصة بالمساواة بين المرأة والرجل في الوقت الذي لا تلغي نصوصا تنصب على الأسرة فإنها ترجح إمكانيات تأسيس الأسرة بناء على مفاهيم المساواة. إن هذا يجعلني أسترشد في النقطة الثانية والثالثة ببعض المقتضيات كالتي تم تضمينها في قانون الأسرة الجديد الذي صدر في المغرب في 3 فبراير 2004. قد تثير المقتضيات المتعلقة بحذف الولاية نقاشات وجدلا ولكننا نشير إلى أن تعديل المدونة لم يتم بمعزل عن العلماء وعرف مجاله في دولة يعتبر فيها الملك أمير المؤمنين.  كما حازت مدونة الأسرة الجديدة على إجماع أعضاء البرلمان وضمنهم من كان يعارض بعض المقتضيات التي تضمنتها على أساس أنها أحكام قطعية. وقد تم تبني حذف الولاية عن المذهب الحنفي هذا على الرغم من أن المغرب يأخذ بالمذهب المالكي الذي تعتبر فيه الولاية في الزواج ولاية  إجبار لا ولاية اختيار. إن المقتضيات المتعلقة بالأسرة التي سنقترحها  تكون في الحدود التي تخلص تنظيم وضعية المرأة من تقلبات المذاهب ومن التغييرات التي من الممكن أن تلحقها من جراء احتمال تعدد قوانين الأسرة في إطار دولة فيدرالية.  ولهذا نقترح إضافة إلى ما سيأتي جعل قوانين الأسرة من اختصاص الدولة الفيدرالية. أما المقتضيات المقترحة فهي الآتية: 

1 ـ تعتبر الأسرة الخلية الأساسية للمجتمع وتتولى الدولة رعايتها؛

2 ـ لكل امرأة ورجل بلغا سن الرشد ( 18 سنة ) الحق في الزواج وتكوين أسرة. ويحدد القانون شروط تكوينها (الولاية) بالنسبة لغير الراشدين والراشدات.

 3 ـ تؤسس الأسرة تحت رعاية الزوجين وفقا لمبادئ التكافل والمساواة << النساء شقائق الرجال في الأحكام >>.

4 ـ تتولى الدولة حماية الأمومة والطفولة.

وأن تختتم بالنص على أن يحدث مجلس أعلى للمرأة يهتم بوضع البرامج والخطط والتنسيق بين الوزارات وصياغة التقارير السنوية الخاصة بتمكين المرأة في كل المجالات طبقا لمبادئ المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما المنصوص عليها في هذا الدستور.

 إننا نقترح صياغة كل هذه المقتضيات المتعلقة بالأسرة وكذا بالمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما في المقتضيات الخاصة بالحقوق والحريات والواجبات ويراعى في المواد الأخرى الخاصة بشروط تشكيل الهيئات الدستورية استعمال صيغة المذكر والمؤنث. هذا على أن تفتتح لائحة الحقوق والحريات  بالمادة التالية التي سبق أن ذكرناها: 

1 ـ إن الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواد التالية من الدستور يتمتع بها الرجل والمرأة على حد سواء.

وعلى أن تنتهي بهذه المادة: 

2 ـ في حالة تعرض أي حق أو حرية إلى الإنتهاكات يمكن للمتضرر الدفع بها ورفع شكايات بشأنها أمام جميع المحاكم القضائية في الدولة أو أمام هيئات دستورية مستقلة.

 

V حماية المقتضيات الخاصة بالمساواة بين الجنسين

وعدم التمييز بينهما بواسطة الدستور

 

إن إدماج الحريات والحقوق في صلب الدستور يبقى عديم الدلالة عندما لا يترافق مع إقرار الوسائل الإجرائية لحمايتها. آنذاك، تكون هذه الحقوق والحريات مجردة من كل قيمة ملزمة. لذلك فحتى يتجذر الدستور كقاعدة سامية وملزمة بالنسبة لجميع السلطات والهيئات المتواجدة في الدولة وكذا الأفراد فيجب أن ينص في صلبه على وسائل الحماية اللازمة. من هنا يجب النظر إلى أن الإعتراف بالمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما وإقرار الضمانات بشأنهما في صلب الدستور وجهان لعملة واحدة باعتبارهما الوسيلة الأنجع التي تجعل المواطنين والمواطنات يتشبثون بها في مواجهة الدولة وكذا الخواص في حالة انتهاكها. إن هذه الضمانات قد تكو قضائية وغير قضائية. وفي الحالتين يتعين وضع قضايا المساواة وعدة التمييز بين الجنسين في قلب كل المؤسسات الدستورية التي تهتم بحماية الحقوق والحريات.

 1ـ تضمين قضايا عم التمييز والمساواة بين الجنسين

 في صلب التنظيم القضائي

 أـ على مستوى الهيئة المختصة بحماية الدستور ضد تعسف السلطة التشريعية:  وهذا ما يقتضي مبدئيا أن ينص الدستور على مراقبة دستورية القوانين التي تعني مراقبة تطابق القانون الصادر عن السلطة التشريعية مع مقتضيات الدستور. ولاشك أن واضعي الدستور سيهتمون بإنشاء هيئة في هذا المجال   . وحتى تعطي النتائج المتوخاة منها في مجال حماية فعلية للحقوق والحريات من تعسف السلطة التشريعية فيتعين: أ ـ أن تكون التقنيات التي تنظمها تسمح باستعمالها من طرف النساء والرجال باعتبار أن مسألة احترام الدستور تهم المواطن بصفة أساسية. لذلك نقترح ألا تقتصر هذه التقنيات على مراقبة دستورية القوانين بطريقة الدعوى لأن هذه التقنية تحتاج إلى شروط منها ما يتعلق بآجال معينة عند صدور القانون وتقتصر إثارتها على شخصيات معينة وعلى هيئات معينة. إننا نرى بألا تستبعد مراقبة دستورية القوانين بطريقة الدفع حيث إثارة مراقبة دستورية القوانين يمكن أن تتم من طرف جميع المواطنين والمواطنات وأمام كل الهيئات القضائية المتواجدة في الدولة على أن يكون البت النهائي في دستورية القانون من عدمه للمحكمة العليا[27]. وهذا ما يندرج في إطار التقنيات المختلطة التي تدمج يبن أسلوب الدفع وأسلوب الدعوى ب ـ أن تتضمن المحكمة العليا المكلفة بمراقبة دستورية القوانين فرعا يخص الحقوق والحريات والمساواة وعدم التمييز بين الجنسين، ونفس الشيء ينطبق على كل المحكم المتواجدة في الدولة.

 ب ـ  يتعين في محاكم الدولة إضافة إلي الفرع الخاص بالحقوق والحريات و المساواة وعدم التمييز بين الجنسين أن تتضمن فرعا خاص بقضاء الأسرة.

 

 

2ـ تدابير أخرى لحماية المساواة وعدم التمييز بين الجنسين

 

أ ـ إلى جانب الهيئات القضائية تنصرف بعض الأنظمة إلى إنشاء هيئات لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتي تتخذ أسماء مختلفة مثل ديوان المظالم في مصر أو في المغرب. إن هيئة من هذا القبيل يتعين أن ينص عليها الدستور وأن يؤكد على أنها مستقلة ويحدد تشكيلها واختصاصاتها  بالطريقة التي تجعلها تتضمن فرعا خاصا بالنظر في قضايا المساواة وعدم التمييز بين الجنسين، على أن يكون لها فروع على مستوى الدويلات.

ب ـ هناك التدابير الأخرى التي تهم القيود المفروضة على السلطة التشريعية على السلطة التأسيسية بشأن ممارسة اختصاصاتهما التي سبق أن توقفنا عندها [28].  نضيف إليها القيود التي من شأنها أن تترتب عن توقيف العمل بنظام الحريات الناجم عن الحالات الإستثنائية التي قد يتم إعلانها في البلاد حيث يتم التأكيد في صلب الدستور مثلا: << ماعدا ما يخص الحق في الحياة ومنع التعذيب وعدم رجعية القوانين الجنائية والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما>>. وهذا التدبير له أهمية قصوى في الحد من حرية تصرف الدويلات على مستوى  أقاليمها ونزوعها إلى التمرد على متطلبات دولة الحق والقانون.

ج ـ على مستوى البرلمان، نرى بالنص في الدستور على صلاحيته في أن يشكل من بين لجانه الدائمة لجنة خاصة الحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما. كما أن تكون له صلاحية خلق لجن للتحقيق في هذه القضايا كلما اقتضى الأمر ذلك.

      

 *******    *******   ******   ******

 

في النهاية نرى أن دعم الحريات والحقوق المنصوص عليها في الدستور رهبن بتبنيها من طرف المجتمع المدني وبتأويلها من طرف القضاء تأويلا ديناميكيا.

 

——————————————————————————–

[1] يراجع في هذا الصدد المواقف التي تم التعبير عنها  لمواجهة  مطالب الفعاليات النسائية لسنة بتعديل مدونة الأحوال الشخصية:

محمد الحبيب التجكاني، قضية مدونة الأحوال الشخصية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاءـ المغرب، 1994. وللإلمام بالمسار الذي عرفته القضية آنذاك يراجع: رقية المصدق، النساء في مسلسل الإصلاحات الدستورية والسياسية، المؤتمر الدولي   للجمعية العالمية للعلوم السياسية حول الدمقرطة،  برلين، 21ـ25 أغسطس:1994 (بالفرنسية). أما بخصوص المواقف المعارضة لمشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية يراجع : حركة التوحيد والإصلاح، موقفنا مما سمي : <<مشروع خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، منشورات الفرقان، الدار البيضاء،200.، حزب العدالة والتنمية << المرأة بين التنمية والتنمية بين الأصالة والتغريب>>،  مطبعة طوب بريس، 1999,،  

[2] أنظر على سبيل المثال:

 عدد من المحامين البحرينيين، الرأي في المسألة الدستورية، توزيع دار الكنوز الأدبية، بيروت، لبنان، 2002.

رقية المصدق، المرأة والسياسة، التمثيل السياسي في المغرب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ـ المغرب، 1990. 

[3] إنه توظيف من طرفنا لأطروحة Georges Burdeau ، المتضمنة في: موسوعة في علم السياسة، المجلد  IV  ، النظام الأساسي للحكم في الدولة Librairie Générale de Droit et de Jurisprudence, ، باريس، 1969: ص: 105 وما يليها.

[4] إنه التقسيم الذي نجده في دراسة ناصيف نصار، وضع المرأة في الدساتير العربية، مجلة الوحدة، عدد حول واقع المرأة العربية ،العدد 6، 1975، ص: 5ـ13.

[5]  إننا نستحضر في هذا المجال الوسيلة الإجرائية المنصوص عليها في البروتوكول الإختياري للعهد الدولي للحقوق المدنية  والسياسية والأبعاد التي اتخذتها اجتهادات  اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وذلك  في مجال المساواة بين الجنسين وعدم التمييز بينهما.  وقد نستحضر حتى الأبعاد التي اتخذتها  في إطار    في اتفاقية كالإتفاقية الأوروبية لحقرق الإنسان والحريات الأساسية الإجتهادات  على مستوى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعلى مستوى اللجنة الأروبية لحقوق الإنسان إلى غابة1998.  

[6] Philippe Ardant, << الدساتير والحريات>> في الحرية، مجلة Pouvoirs ، العدد 84، باريس1998: ص 73:74.

[7] إن هذا يحيلنا إلى المفكر الإيراني عبد الكريم سوروش حول شروط نمو المعرفة الدينية ـ باعتبارها بناء إنسانيا يتطور بالضرورة وباستمرار ـ  التي تقتضي  أن يكون الفهم الديني قابلا للتطور انطلاقا من العلاقة بين شعب المعرفة الدينية وغير الدينية للمعرفة الإنسانية. ذلك << أن الحل ليس في إعادة بناء الإسلام أو إحيائه، ذلك أن الذي عليه أن يتطور ليس هو الإسلام، ولكن الفهم الإنساني للإسلام>>. فبينما لا يتغير الدين في حد ذاته يتغير الفهم الإنساني له والمعرفة المرتبطة به. أنظر في هذا المجال: ولاء وكيلي، الحوار حول الدين والسياسية في إيران الفكر السياسي لعبد الكريم سوروش  ، نشر الفنك،  الدار البيضاء، 1999.  

[8]  علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مؤسسة علال الفاسي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،   1999: 248. إنها المقاصد التي من بين ما تستوقفنا عنده منع الخليفة عمر بن الخطاب قطع يد السارق اعتبارا لظروف المجاعة آنذاك.

[9] محمد عابد الجابري، الديموقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ـ لبنان، 1994: ص 181.

[10]. أنظر تقرير الشخ محمد الشاذلي النيفرحول ، مسألة الإسلام واللغة أمام المجلس القومي التاسيسي، وكذلك النقاشات التي عرفها في، المجلس القومي التأسيسي، ( أعمال ملتقى أيام 29ـ30ـ31 1984)، الجمعية التونسية للقانون الدستوري، نشر مركز الدراسات والبحث والنشر كلية الحقوق والعلوم السياسية والإقتصادية بتونس، 1986: ص 179 وما يليها.

[11]  آمال قرامي، حرية المعتقد في الإسلام، دار الفنك، 1997

[12] بخصوص الطروحات التي  تذهب عكس هذا  الموقف بخصوص الميراث نذكر محمد عابد الجابري الذي يرى بأن الأصل هو المساواة بين المرأة والرجل أنظر، الديموقراطية وحقوق الإنسان، مرجع مذكور: ص 172 وما يليها.

[13] يذهب بعض فقهاء الشريعة إلى ضرورة إعادة النظر فيها بالإجتهاد انطلاقا من مقاصد الشريعة الإسلامية بإقرار منع تعدد الزوجات وإلغاء الولاية، أنظر علال الفاسي، النقد الذاتي، دار الكشاف للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ـ القاهرة ـبغداد،1966: 287ـ301

[14] يمكن الوقوف عندها بمناسبة المحاولات الأولى لوضع دستور للدولة بعد الإستقلال.  إن أشغال الجمعية التأسيسية التي تمخض عنها  بداية مشروع ملكية دستورية قي 9 يناير1957 تجعلنا نستحضر كيف أن مشروع لجنة الإقتصاد والإجتماع تطرق في الباب الرابع منه إلى الأسرة وهذا الأخير تضمن ثلاثة فصول الأول يقضي بأن الأسرة هي العنصر الطبيعي و الأساسي للمجتمع، ولها حق الرعاية من طرف المجتمع؛ الثاني: تعدد الزوجات محضور؛ الثالث: الدولة ترعى الأمومة والشيخوخة. بيد أن هذا مشروع الدستور هذا لم يتضمن إلا فصلا واحدا.أنظر :  الجمعية التونسية للقانون الدستوري، المجلس القومي التأسيسي، مرجع مذكور: ص248 وما يليها.

[15] ـ رقية المصدق، متاهات التحول الديموقراطي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،  (بالفرنسية)2001(بالفرنسية) وأيضا، الإسلاميون بين التعطش إلى ممارسة السلطة ومقاومة الإندماج، حولية شمال إفريقيا، المركز الوطني للبحث العلمي، باريس،200: ص273 وما يليها ( بالفرنسية). وأيضا Philippe Ardant, << الدساتير والحريات>> في الحرية، مجلة Pouvoirs ، العدد 84، باريس1998: ص 73:74

[16] بخصوص تطور النقاش حول دولة القانون أنظر: François Châtelet Evelyne Pisier Kouchner,  ،  التصورات السياسية للقرن العشرين،  s de Franceresses UniversitairereP، باريس، 1981: ص 157 وما يليها.

[17] ـ Jean- Marie Garrigo-Lagrange,<< الإلزام بالتشريع>> في، القانون والسياسة عند تقاطع الحضارات،Librairie Générale de Droit et de Jurisprudence ،باريس 1999:ص 305، وما يليها.

[18] ـ  Jacques Chevallier, دولة القانون، Montchrestien  باريس 1992: ص 31 وما يليها. ولنفس المؤلف أيضا<< عولمة دولة القانون >> في، القانون والسياسة عند تقاطع الحضارات، مرجع مذكور ، ص: 325 وما يليها.

[19] َAzadeh Kian Thiébaut, ،<< الإسلام النساء والمواطنة >>، في الديموقرطية والإسلام، مجلةPouvoirs, العدد 104، باريس،2003: 79.

[20] رقية المصدق، الحريات العامة وحقوق الإنسان، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999: ص 27 وما يليها.

[21] نورد على سبيل المثال ما يتعلق بالحق في رفع عرائض الشكوى الذي أضيف إليه << أما مخاطبة السلطات باسم جمع من الناس فلا تكون إلا للهيئات الرسمية، والأشخاص المعنوية>>.

[22]  قد يرى العض بأن الدستور السواداني ينفرد بالنص على هذا الحق ولكن سبق وبينا الصياغة تفيد بانه حق مقيد بالقانون، انظر الصفحة 4 من هذه الدراسة .

[23] رقية المصدق، الإصلاح الدستوري والأوهام التوافقية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 1998: ص38ـ39( بالفرنسية).

[24] رقية المصدق، << المرأة المغربية والإنتخابات التشريعية >>، في المرأة العربية والمشاركة السياسية، دار سندباد للنشر، عمان ـ الأردن 2000: ص 220 وما يليها.

[25] Bérengère Marques-Pereira, المواطنة السياسية للنساء، َََArmand Colin ، باريس، 2003: 174 وما يليها.

[26] أنظر نفس المرجع.وأيضا، رقية المصدق، المرأة والسياسة التمثيل السياسي في المغرب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1990.

[27] يمكن الإسترشاد فيما يخص هذه التقنية بدستور الإمارات الذي ينص من ضمن اختصاصات المحكمة الإتحادية، وذلك في الفقرة 3 من المادة 99 على بحث دستورية القوانين والتشريعات واللوائح عموماً ، اذا ما احيل اليها هذا الطلب من اية محكمة من محاكم البلاد اثناء دعوى منظورة امامها وعلى المحكمة المذكورة ان تلتزم بقرار المحكمة الاتحادية العليا الصادر بهذا الصدد.

[28] أنظر الصفحة 15 ـ16 من هذه الدراسة


Fatal error: Uncaught Exception: 12: REST API is deprecated for versions v2.1 and higher (12) thrown in /home/www/musawasyr.org/wp-content/plugins/seo-facebook-comments/facebook/base_facebook.php on line 1273