Pages Menu
Categories Menu
المرأة والاقتصاد وجهان لعملة صعبة

المرأة والاقتصاد وجهان لعملة صعبة

الحياة     

نصف المجتمع وصانعة الرجال وواهبة الحياة وذائقة الأهوال وصاحبة المعجزات ومقدّمة التضحيات ومنكرة الذات ومتحمّلة السخافات. الساكنة على الرذالات والساكتة على الترهات والمتابعة للنظريات والمعايشة للأكاذيب والمتأكّدة من أن الحديث النسوي عن المساواة القاطعة وهم، والإشارة إلى الحقوق الضائعة هم، وأن «ما حكّ جلدك مثل ظفرك فتولّى أنت جميع أمرك».
أمور النساء وشؤونهن كلها في الحياة تدور وتتمحور وتتعلّق بالاقتصاد. فالطريق إلى السياسة وسيلته اقتصاد، والعبور إلى الرفاهة قوامه اقتصاد، وتحقيق الاكتفاء قلبه اقتصاد، وإثبات الذات إطاره اقتصاد، وتحويل الأوضاع من حال إلى حال يرتكز على الاقتصاد.
الحاجّة علية صاحبة كشك السجائر والحلويات المهيمن على ناصية الشارع الأشهر في حي مصر الجديدة تقول أن «كبار البلد» رجال، ورجال أعمالها رجال، و «عتاولة» اقتصادها رجال، وجهابذة فضائياتها رجال، والمهيمنين على الأحوال في الشارع بدءاً بضابط الشرطة مروراً بسياس (عمال إيقاف السيارات) وانتهاء بالبلطجية رجال. لكن الأبطال الحقيقيين والمسيطرين غير المباشرين والكادحين الصامتين والرازحين تحت توصيات المؤتمرات وأحاديث النسويات وقرارات المنظمات حبيسة الأدراج وبطاقات التعارف المتبادلة على هامش الفاعليات الخاصة بحقوق النساء، هم النساء.
ما خرجت به الحاجّة علية يكاد يكون صورة طبق الأصل مما أظهره تقرير «تقدّم نساء العالم» الصادر عن «هيئة الأمم المتحدة للنساء» قبل أيام، باستثناء فروق لغوية بسيطة، وتعريفات نظرية كبيرة ترجّح كفة الحاجة في مقابل الهيئة حيث معايشة للمظالم ومقاربة للمخارج.
تفاوت مقلق
وما تنادي به صاحبة الكشك من ضرورة لقدر من الإنصاف بعيداً من «الكلام الفارغ» و «اللغو الدارج» حبيس المؤتمرات وسليل النظريات، يؤكّد كما أشار التقرير (الصادر في مصر وست بلدان أخرى) أن نصف النساء فقط في القوى العاملة في مقابل ثلاثة أرباع الرجال. ويزيد طين انعدام مساواة القوى العاملة بلة العمالة غير النظامية فاقدة العقود سالبة الحقوق، وذلك في المناطق النامية حيث نحو 95 في المئة من عمالة المرأة غير رسمية، أي في وظائف غير محمية بقوانين العمل وتفتقر إلى الحماية الاجتماعية.
الحاجّة علية التي إن مرضت تغلق الكشك لأيام من دون عائد، وتجول على المستشفيات من دون ضمان صحي، وإن قررت البلدية إزالة الكشك فهي حتماً من دون ضمان اجتماعي، نموذج واضح لما ورد في التقرير الأممي حول استمرار المرأة في تحمّل عبء أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر، التي كان من شأن سياسات التقشّف وخفض الإنفاق تكثيفها فقط.
وبالأمس القريب، كانت الحاجّة تتمتع بميزة كبرى ألا وهي عملها كعاملة نظافة في مصرف خاص بعقد رسمي، لكن في موجة ضمن موجات متكررة لترشيد الإنفاق وتضييق المصروفات، أستغني عنها بإجحاف شديد، لا سيما أنها كانت تتقاضى ثلاثة أرباع الأجر الذي يتقاضاه زميلها العامل الرجل.
ووفق التقرير، فإن العالم يدفع للنساء في المتوسط أجراً أقل بـ٢٤ في المئة من أجر الرجال. والثغرات بالنسبة للمرأة التي لديها أطفال أكبر من ذلك. ففي جنوب آسيا تقدّر فجوة الأجور بين الجنسين بنحو 35 في المئة للمرأة التي لديها أطفال، و14 في المئة للمرأة التي لا أطفال لها. وإذا أضيف إلى ذلك نقص فرص الحصول على المعاشات التقاعدية للنساء، تكون حلقة العقاب الدولية الموجّهة ضد النساء شبه مكتملة. ويشير التقرير إلى أنه في فرنسا والسويد تتوقع المرأة خلال فترة حياتها أن تحقق دخلاً أقل بـ٣١ في المئة ما يكسبه الرجل، وفي ألمانيا أقل بـ٤٩ في المئة. وفي تركيا تعرف المرأة أن ما تحققه من دخل قد يقل بـ75 في المئة من زميلها.
زميلات الحاجّة علية وقريباتها وصديقاتها يعملن في ثلاثة مجالات: الخدمة في المنازل، النظافة، وبيع الخضروات والمأكولات «على باب الله» (أي بافتراش الرصيف أين ما تمكنّ من ذلك). وهو ما يُتَرجم دراسياً بحصر النساء في مجموعة محدودة من المهن المقوّمة بأقل من قيمتها. فـ83 في المئة من العاملين في المنازل في العالم من النساء، ولا يتمتع نصفهن تقريباً بالحق في الحصول على الحد الأدنى للأجور. وحتى عندما تنجح المرأة في مكان العمل، فإنها تواجه عقبات لا يواجهها نظراؤها من الرجال. ووفق التقرير، فإن 75 في المئة من النساء في الاتحاد الأوروبي عانين في وظائف الإدارة والوظائف الفنية العليا و61 في المئة من العاملات في مهن قطاع الخدمات شكون من أشكال التحرّش الجنسي في مكان العمل أثناء فترة حياتهن. وبسؤال الحاجّة علية عن مسألة التحرّش قالت وهي تضحك «يوووه ما تعديش»! وذلك في إشارة إلى أنها وقائع لا تعد أو تحصى.
عملية إحصاء الدخل والمصروفات، وإعداد الموازنة العامة، وتحديد الأولويات، والتخلّص من الزيادات التي تثقل كاهل الموازنات تكاد تكون نسائية خالصة لا مجال لتدخّل الرجال في الغالبية المطلقة من المنازل. وعلى رغم ذلك، فإن العملية الوطنية حيث الإحصاءات المحلية والموازنة الوطنية والسياسات التقشفية والإجراءات الإصلاحية الاقتصادية على مستوى الدول تكاد تكون عملية ذكورية بمنهجية رجالية خالصة. يحدث هذا على رغم أنه من شأن اقتصاد مصمم في شكل يأخذ حاجات المرأة في الاعتبار أن يمنحها صوتاً مساوياً فيما يتصل بعملية صنع القرار الاقتصادي مثل طريقة تمضية الوقت وإنفاق المال داخل منازلهن، وطرق جمع الموارد على المستوى الوطني وتخصيصها.
يذكر أن نسبة تمثيل المرأة في ستة من مجالس المؤسسات الاقتصادية العالمية الأكثر نفوذاً في العام الماضي تراوحت بين 4 و20 في المئة.
طفرة ونكسة
المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية محمد الناصري يقول أنه «من المخزي أن النساء لا يزلن في عام ٢٠١٥، يكسبن أقل من الرجال في شتى أنحاء العالم. والأكثر مدعاة للقلق هو الوجود غير المتناسب للمرأة في سوق العمل في المنطقة العربية على رغم الطفرة التي شهدها قطاع التعليم في السنوات القليلة الماضية».
لكن هذه السنوات شهدت، إضافة إلى الطفرة المشار إليها أممياً، نكسة ولدت من رحم حلم الثورة والتغيير، وألقت بظلالها الاقتصادية، ضمن ظلالات سياسية وعسكرية وأمنية واجتماعية مميتة، على النساء في شكل لافت. وهذا لم يرد في التقرير، لكن ورد في حديث الحاجّة علية التي وجدت نفسها مضطرة للإنفاق على عائلتي ابنتيها المتزوجتين بعد ما فقد الزوجان عملهما بعد ثورة يناير.
ويشير الناصري إلى الحاجة إلى أنماط جديدة للتفكير، وأساليب أكثر حداثة لإشراك الحكومات والمجتمعات المحلية في مسألة تمكين المرأة اقتصادياً، منها ضرورة إيجاد فرص العمل، وتشجيع الابتكار ومشاريع الأعمال، وإقرار الحاجة إلى الرعاية، ومعالجة مسألة الأعمال غير المدفوعة الأجر والأعمال المنزلية.
المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة فومزيلي ملامبو نكوكا تلفت إلى انعدام الخدمات اللائقة لرعاية الأطفال والمسنين، وغيرها من الخدمات العامة، مشيرة إلى أن النساء والفتيات يتحمّلن عبء هذا العجز لأنه «نتاج الرعاية التي تعاقب النساء ظلماً بسبب تحمّلهن عبء الموارد التي لا توفرها الدولة، وهي تؤثر في بلايين النساء في العالم». وتضيف: «نحتاج إلى سياسات تجعل من الممكن النساء والرجال رعاية أحبائهم من دون الحاجة إلى التخلّي عن أمنهم الاقتصادي واستقلالهم».
توصيات التقرير صائبة ومفيدة، لكنها تقف كغيرها عصية على التنفيذ. «يا ريت» تقول الحاجّة علية معلّقة على التوصيات من توفير وظائف لائقة للنساء والرجال، والاعتراف بأعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر ودعمها، وإيلاء الخدمات الاجتماعية المصممة تصميماً جيداً مثل الصحة وخدمات الرعاية وتدابير الحماية الاجتماعية مثل المعاشات التقاعدية، مزيداً من الاهتمام وهذه الخدمات من شأنها أن تعزز أمن الدخل للمرأة، منذ الولادة وحتى الشيخوخة، وأن تعزز قدرتها على اقتناص الفرص الاقتصادية وتوسيع خيارات حياتها.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *