Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
نوال السعداوي القاهرية القوية التي دخلت كتبها كل بيت

نوال السعداوي القاهرية القوية التي دخلت كتبها كل بيت

العرب       محمود قرني      
الجلوس بين يدي نوال السعداوي أمل بعيد المنال، فمنذ الجامعة ونحن نقرأ كتبها لنشبع رغبتنا العارمة في التحرر من أسر سلطات متعددة ومركبة. سلطة المجتمع المحافظ الذي يقيم الحواجز بين البشر عبر مئات النواهي، وسلطة الدين التي يبتكر رجالها عشرات الأفاعيل وأطنان الفتاوى للسيطرة على الفضاء العام بالحفاظ على سلطة الماضي وتقديسها، ودفع الناس إلى ذلك، سلطة السياسة الغاشمة التي كانت نموذجا للقهر والقمع، سلطة الجسد التي كنا نخشى الاقتراب منها خوفا من قائمة طويلة من الآثام التي تضج بها مدونة الثواب والعقاب.
طيف نوال
كتب السعداوي، رواياتها، حضورها النضالي، كل ذلك كان طريقا تحفره من أجل أجيال طالعة لا تعرفها ولم ترها، وعندما تلقيت دعوة كريمة منها لزيارتها في بيتها تحقق حلم كان بعيدا، كنت أتصور أنها وهي، بنت الرابعة والثمانين، حيث ولدت في 27 أكتوبر 1930، قد خبا أوارها، وانطفأت جذوتها.
التقيتها للمرة الأولى في شقتها الصغيرة الأنيقة بمنطقة شبرا قرب النيل، كان بصحبتي الناقد الصديق يسري عبد الله، فاجأتنا بمساحات الحيوية البادية والتفتق الذهني وزخم الحضور الفكري والإنساني، أول ما لفت انتباهي هو رغبة مضيفتنا المتكررة في أن نتكلم عن نفسينا، أفكارنا، مرجعياتنا، كيف تشكلنا، كيف وصلنا إلى ما نحن فيه، أو بالأحرى، كيف وصلنا إلي بيتها؟
كان الحديث على خلفية مقال بجريدة الأهرام لكاتب هذه السطور تحت عنوان “الإلحاد ورجال الفقه الأسود” قرأته السعداوي، أعجبها، فلم تتردد في الاتصال بشخص بعمر أبنائها لتبدي الكثير من الثناء ثم تدعوه للقائها، ما رأيته أمامي كان يعني أننا أمام نموذج إنساني فذ لا يقل نصاعة عن النموذج الذي قدمته السعداوي، كمفكرة ومبدعة ومناضلة.
إقصاء وحرية أكبر
إنكار الذات كان خلفية صادقة لحديثها، فهي تبحث عن شباب وشابات يقيمون تجمعاتهم ويناضلون من أجل تحقيقها، تحث الشباب المبدعين على إقامة حلقاتهم النقاشية لتطوير أدواتهم وأفكارهم، وكنا شغوفين بالاستماع إليها وإلى تاريخها.
كان حديثها بطعم المر عن ذلك التجاهل المتعمد والإقصاء الذي مورس ضدها على خلفيات سياسية ودينية، ومع أنها تعرف طريق السلطة وتملك من الذكاء والقوة ما يمكنها من ذلك، إلا أنها تمسكت بحريتها بعيدا عن أية سلطة ما دفع يوسف إدريس ذات مرة أن قال لها: “لازم يا نوال تعملي كوبري يؤدي إلى السلطة، غير كده لن تكوني طوال عمرك روائية كبيرة”، لكن موقفها ظل لا يتغير من السلطات المتباينة في المجتمع، وصحيح هي من داعمي ثورة الثلاثين من يونيو، لكنها لازالت تحمل الكثير من التحفظات على الأداء السياسي ومساحات الحرية المتاحة لشباب الثورة.
طبعا كانت قضية المرأة كمناضلة ومبدعة وإنسانة ومواطنة، من القضايا الجوهرية التي تعتبر واحدة من رائداتها بامتياز، وهي في ذلك تتمثل تاريخا باذخا تركته رائدات سابقات، عبر نضالات ممتدة وصعبة، ولاشك أن صورة المرأة المصرية، المبدعة والمفكرة، تغيرت مع صعود مشروع التنوير منذ عودة رفاعة الطهطاوي من باريس وإنشائه أول مدرسة لتعليم البنات.
كوكبة من المبدعات
لم يكن غريبا أن تستقبل ساحة العمل الفكري والاجتماعي أسماء بارزة ومؤثرة في حياة الأمة، مثل هند نوفل التي أصدرت أول مجلة نسائية في الإسكندرية عام 1892، وكذلك وردة اليازجي، وعائشة التيمورية، وزينب فواز، وأخريات ساهمن في منح المرأة دورا بارزا.
وسط هذه الكوكبة من المبدعات، ما من شك أن التراث الإبداعي للدكتورة نوال السعداوي كان وسيظل واحدا من أعلى تمثيلات الصورة الطليعية للإبداع المصري والعربي علي السواء، فقد استطاعت، بإرادة فردية وضد كل النواميس والأصفاد والقيود الثقيلة علي المستويين السياسي والاجتماعي، أن تفلت من أسر محاذير القبلية والفقه البدوي، ومن يتذكر كتابها الرائد في أدب السيرة الذاتية “مذكرات طبيبة”، الذي صدر في مطلع ستينات القرن الماضي، سيرصد تلك الجرأة غير المسبوقة في فضح واقع متكلس ومريض.
وهي القضايا التي قامت بتعميقها في كتابها المهم والمؤثر “المرأة والجنس”. وأذكر جيدا كيف كنا نتبادل هذا الكتاب كمنشور سري داخل أسوار الجامعة، فقد كان يمثل لنا إنجيلا جديدا لمعرفة محجوبة حول تلك التفاحة المحرمة ألا وهي المرأة؛ تلك التي يطلبها الجميع ليس باعتبارها كائنا مكتمل الإنسانية، بل باعتبارها وعاء من أوعية الشهوة، وهنا لابد من الإشارة إلى الوعي العضوي عندها في إطار مفاهيم الوظيفة الإبداعية التي تدرك دورها جيدا وتدرك قيمة دورها ومحوريته في إطار مفهوم الالتزام بمعناه الجمالي، لذلك كان وسيظل نموذج السعداوي، إبداعيا ونضاليا، يمثل شكلا من أنبل أشكال المقاومة، واستمرت حيوية ذلك المشروع حتى لحظتنا بكل ما يتوفر للإبداع من قوة رمزية.
عندما نتوقف أمام المدونة الإبداعية للسعداوي يكون من التعسف فصلها عن الموقف السياسي والاجتماعي، ويمكننا أن نرصد تلك الصورة في عشرات الروايات فضلا عن الكتب الفكرية، فقد أصدرت ما يربو علي الستين كتابا بين الرواية والفكر والسياسة بدأتها بكتابها مذكرات طبيبة 1960 ثم جاء كتابها الأخطر الذي ألب عليها السلطات وهو “المرأة والجنس” عام 1969.. وكان سببا، إلي جوار نشاطها السياسي، في فصلها من عملها كطبيبة عبر ستة قرارات من وزير الصحة آنذاك، وكان معها في قرار الفصل زوجها السياسي والروائي شريف حتاتة.
اعتقلها الرئيس الراحل أنور السادات في أحداث سبتمبر الشهيرة عام 1981 التي سبقت اغتياله بوقت قليل، وقتها كتبت “مذكراتي في سجن النساء”، وقد سبقت هذا الكتاب وتلته بمجموعة من الكتب حول قضية المرأة مثل كتبها، “قضايا المرأة المصرية السياسية والجنسية”، و”معركة جديدة في قضية المرأة”، و”اثني عشر امرأة في زنزانة”، فضلا عن روايات عدة تدعم قضيتها الفكرية، وتعزز رؤيتها الناقدة للواقع.
سقوط الإمام
هنا نتوقف أمام عمل من بين أخطر وأهم أعمال السعداوي، بل هو واحد من أكثر الروايات جرأة وتمثله أفضل تمثيل روايتها “سقوط الإمام”، وهي الرواية التي صادرها مجمع البحوث الإسلامية منذ صدورها وحتى أيامنا، فانحيازات الكاتبة التي تذهب إلي إدانة مطلقة لكل صور القمع والعسف تتبدي منذ الإهداء الذي يذهب إلي الإيرانية “شهربانو شيراز” التي تم اغتصاب طفلتها في السجن ثم السودانية “فاطمة تاج السر”، التي قطعت السلطات يد طفلها بتهمة السرقة تحت راية الشريعة ثم “كوليت عيتاني” اللبنانية، “وفاطمة محمود” السجينة المصرية التي عايشتها كاتبتنا في السجن عندما تم القبض عليها في أحداث سبتمبر 1981.
مطلع الرواية مدهش بكل المقاييس، فعبر عدة جمل شديدة التكثيف والابتسار لخصت الكاتبة موقفها من فكرة الإلوهية، حيث الإله بالنسبة إليها ليس تلك الكتلة الميتافيزيقية الرهيبة التي تُرتكَب باسمها المجازر والحروب ويساق باسمها العبيد إلي المحارق، فالإلوهية بالنسبة إلى السعداوي تتواجد في وجوهنا وأفعالنا وفي مدى مطابقة نواهي تلك الإلوهية لسلوكياتنا اليومية وآداءتنا الفطرية أو المدبرة.
يمثل الإمام الشخصية المحورية في الرواية، وحسب تسلسل الأحداث يتمتع بربوبية مطلقة، فهو لا يضعف ولا يموت، ولا يرد له أحد أمرا، ولا ينطق عن الهوى، ترتكب أعتى الفواحش باسم الله وباسم كتبه ورسله، وهو في حقيقته ليس وحيدا بل هو متعدد وموجود في كل مكان، حيث يوجد في أشباه تقوم بأدواره وتموت نيابة عنه ومعها مفاتيح الجنة، موجود في العسس والعيون المتناثرة في كل حي وزقاق يحصي على الناس أنفاسهم، موجود في صورة قضاته، وكتابه، ورجال أمنه، ورجال دينه، وتجلياته لاتنتهي، هوكما عبرت الكاتبة، ظل الله على الأرض والحاكم باسمه.
أما الشخصية الرئيسية الأخرى فهي تلك البنت الموصومة بأنها نبت شيطاني لأنها، كما توصف، ابنة غير شرعية، فقد مات أبوها وهي رضيعة، أما المفاجأة فإن الإمام نفسه هو من اغتصب أمها ورغم علمه بأنها ابنته يتزوجها في أحد محطات الحدث الروائي، ثم بسبب مروقها ورفضها لواقعها تقتل في نهاية الأمر وتصدر الأوامر بدفنها ودفن كل ملفاتها معها. ربما لتلك الأسباب لا تتراجع المؤلفة عن وصف الإمام في مقدمتها الروائية بأنه شخصية زئبقية، وهو وصف ينطبق أيضا على معارضيه، حيث الحياة السياسية تنقسم إلى حزبين، حزب الله ويمثله الإمام وصفوته، وحزب الشيطان الذي منه تلك الشخصيات الهزلية مثل المعارض الشرعي والكاتب الموصوف بالكبير، وهي معارضة مهمتها الوحيدة تبريرية للسلوك السلطوي الأكثر من خشن.
نبوءات السعداوي قبل وبعد روايتها “سقوط الإمام” كانت مبكرة بثورتين كبيرتين، هبت ريحهما على مصر، في الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو.
الواقع الذي رصدته الرواية، هو نفسه الذي كانت تقاومه الكاتبة وتشهد مجازاته اليومية الثقيلة، في مواجهة سلطات غاشمة يمثلها الحكم العسكري أحيانا ويمثلها تحالف رجال السياسة مع رجال الدين في معظم الأحايين، هو واقع كابوسي لازال جاثما، واقع رفضت السعداوي أن تكون إحدى ضحاياه، فقاومته ولازالت تقاوم.
تعرضت السعداوي للسجن والمصادرة والإهمال العمدي، وأقيمت ضدها العديد من دعاوى التكفير، ورفض مجلس الدولة دعوى بإسقاط الجنسية عنها، ودفعت ثمنا باهظا لمواقفها. ولا شك أن التاريخ الإبداعي والنضالي للدكتورة نوال السعداوي الذي أهمله النقد بدوافع أخلاقية وسلطوية بغيضة، بات يتجاوز أعناق هؤلاء من قصار القامة الفكرية، وأصبح يمثل واحدة من المخازي التي تدينهم. ورغم التاريخ الطويل من العسف، فنحن بكل تأكيد نقف بين يدي واحدة من الأيقونات الإبداعية المصرية والعربية، بل والعالمية.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *