Pages Menu
Categories Menu
تونسية ترفع راية الرياضة النسائية العربية في العالم

تونسية ترفع راية الرياضة النسائية العربية في العالم

العرب     

سماح بن عبادة      
حدث تاريخي شهدته الساحة الرياضية التونسية لكنه مرّ مرور الكرام في الإعلام التونسي أمام زخم الأحداث السياسية والانتخابات الرئاسية التي طغت على الساحة وحجبت عن التونسيين والتونسيات هذا الإنجاز النسائي الدولي في الرياضة. تتويج مريم الميزوني بجائزة المرأة للّجنة الأولمبية الدولية، شرف ليس فقط للمرأة التونسية بل للمرأة العربية في مجال الرياضة.
بطلة السبعينات في السباحة التونسية والأفريقية والمتوسطية مريم الميزوني ولدت في 23 سبتمبر 1958 بمحافظة أريانة بتونس، وبدأت مسيرتها في السباحة وعمرها أربع سنوات بفضل والدها الذي كان أول مدرّب لها وكان مشجعها الأول والمؤمن بقدراتها على النجاح في هذا المجال الذي ظل لسنوات يؤرخ لبطولات ونجاحات رجالية. يرجع الفضل الأول في نجاح مريم لوالدها الذي تعامل بإيجابية مع موهبتها وتخلى عن العقلية الذكورية الرافضة لوجود المرأة ولممارستها للرياضة خاصة منها السباحة.
بعد سنوات من التدريب تأكدت موهبة الطفلة مريم وأثبتت قدرتها على منافسة المتميزات في السباحة ليس فقط في تونس بل في أفريقيا وأيضا في دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وبتواصل العمل والاجتهاد والتدريب حققت مريم نجاحات محلية جعلتها تنتمي لأعرق الجمعيات الرياضية التونسية وتلتحق بقسم الرياضات الفردية فيها وهي جمعية الترجي الرياضي التونسي ثم تواصل النجاح ليتم إلحاقها بالمنتخب الوطني التونسي وتكون فيه ممثلة السبّاحات التونسيات.
نجحت الميزوني تحت راية المنتخب التونسي وحصدت عددا هاما من الجوائز وكانت أغلب الألقاب المحلية والمغاربية والأفريقية والمتوسطية في السبعينات من نصيبها فكان تمثيلها للسبّاحات التونسيات على أفضل وجه وكانت في كل تكريم ونصر تكتب صفحة جديدة من تميز المرأة ونجاحها في مجال الرياضة والسباحة تحديدا.
مريم الميزوني اختيرت كثاني أفضل رياضية لمختلف الاختصاصات في أفريقيا عام 1975 وذلك لأنها حطمت 98 رقما قياسيا محليا و43 رقما قياسيا أفريقيا. وفي عام 1996 تحصلت على وسام الجمهورية في السباحة، ثم تقلدت مسؤولية كتابة الدولة للرياضة سنة 2012 وهي الآن رئيسة اللجنة التونسية للمرأة والرياضة التابعة للّجنة الأولمبية.
ميزة الميزوني أنها لم تترك الرياضة طيلة حياتها أو منذ السنوات الأولى لطفولتها حتى اليوم، وبعد اعتزالها ممارسة السباحة ظلت تتابع وتشرف وتشارك بفعالية في مجال الرياضة النسائية التونسية، والرياضة بدورها لم تبخل عليها وخير دليل على ذلك ما توجت به من ألقاب وجوائز كانت شرفا لها ومثلت نقاطا مضيئة في مسيرتها ولعل أهمها هو اللقب الأخير وهو جائزة المرأة لعام 2014 من قبل اللجنة الأولمبية الدولية.
والميزوني هي أول فتاة تنضم إلى الوفد الرسمي التونسي في الألعاب الأولمبية بمونريال وذلك عام 1976.
وعند استلامها للجائزة قالت الميزوني معبرة عن سعادتها إنها تعتبر هذه الجائزة تكريما من قبل المجتمع الرياضي والأولمبي الدولي للمرأة التونسية عامة التي ما فتئت تناضل لتثبيت الخصوصية التونسية في الرهان على المرأة. ولم يفتها الاعتراف بالجميل للقائمين على السباحة التونسية ولناديها الترجي الرياضي وكذلك للعاملين في الحقل الرياضي بوزارة الشباب والرياضة التونسية وكافة هياكلها وخاصة لأعضاء لجنة المرأة والرياضة الأولمبية واعتبرت تكريمها اعترافا لهم جميعا بالجميل.
وكان التأثر والفرحة بالنجاح باديين على مريم، عندما ألقت كلمتها قائلة: “أعتبر أن هذه الجائزة تتويج لمسيرة كاملة، لحياة وهبتها للرياضة كسبّاحة وكمدربة وكمؤطرة.. أنا مدينة بما حققت من نجاحات لوالدي رحمه الله الذي كان مدربي الأول في بداية مسيرتي في السباحة. وأيضا مدينة للترجي الرياضي التونسي فريقي الأول والدائم، وأيضا لكل الذين ساعدوني على تحقيق النجاحات، أهدي هذه الجائزة للمرأة التونسية”.
عطاء مريم الميزوني في المجال الرياضي النسائي العربي عموما والتونسي خصوصا لم يتوقف عند تحطيم الأرقام القياسية وجمع الجوائز والألقاب بل تواصل جهدها وبذلها بثبات في سبيل إنجاح مسيرة المرأة الرياضية في الحاضر والمستقبل ومن أجل رفع رايتها وراية الرياضة النسائية عالميا، كل هذا في إطار عملها الحالي على رأس اللجنة التونسية للمرأة والرياضة وقد تحصلت على مبلغ 50 ألف دولار من اللجنة الدولية الأولمبية بغرض تمويل مشاريع تخدم الرياضة النسائية في تونس.
وكرئيسة للجنة التونسية للمرأة والرياضة شرعت الميزوني في إعداد مشروعين هامين يتمثلان في تنظيم القافلة الأولمبية للرياضة النسائية التي ستجوب 12 محافظة تونسية على امتداد العام المقبل 2015، كما أنجزت بحثا مدققا من أجل وضع خارطة شاملة لوضع الرياضة النسائية التونسية من أجل استهداف المناطق المهمشة والتدخل لفائدتها بمشاريع رياضية تنموية تدعم الرياضات النسائية على وجه الخصوص.
هذا الإنجاز الهام المتمثل في الظفر بدعم مادي دولي للرياضة النسائية التونسية وتتويج شخصي لمريم يقدم دليلا قاطعا على أن هذه المرأة حققت فعليا مسيرة استثنائية جعلتها تصنع حدثا تاريخيا بالنسبة إلى المرأة التونسية لأنه يعد اعترافا دوليا بما قدمته الميزوني وما تقوم به من أجل تحقيق النجاح النسائي في الرياضة والتأكيد على كفاءة المرأة التونسية وعلى استحقاقها للمساواة مع الرجل في كل المجالات دون استثناء وهو تكريس للنمط المجتمعي التونسي المنفتح والمؤمن بحقوق المرأة منذ استقلال تونس.
عرفت مريم بادئ الأمر كسباحة ثم كمسؤولة وهي تعتبر نموذجا في النضال من أجل تكريس حق المرأة في الرياضة. وتكريمها ينسحب على العائلة الرياضية والأولمبية للقارة الأفريقية جمعاء ويؤكد أن المرأة التونسية جديرة بهذا التقدير الدولي ويفتح الباب أمام مستقبل أفضل للرياضيات الأفريقيات والعربيات، غير أن الملاحظين في المجتمع المدني والمجال الرياضي التونسي وخاصة النسويمنه يلقي باللوم على الجهات الرسمية وعلى الإعلام الذي لم يحتف بنيل الميزوري لمثل هذه الجائزة القيمة على المستوى العالمي.
ورغم هذا اللوم الذي يجد مبرراته في نفسية الميزوني إلا أنها ستواصل العمل على دعم الرياضة النسائية وعلى النهوض بها في المناطق الداخلية والمحرومة من التنمية الرياضية النسائية التي تشهد حسب إحصائيات وزارة الرياضة والشباب بتونس في السنوات الأخيرة تراجعا في الممارسة يصل إلى 40 بالمئة.
ويمكن للحقوقيين والحقوقيات التونسيات اعتبار هذه الجائزة الدولية نقطة انطلاق نحو تكريس ودعم حق المرأة في ممارسة الرياضة على أرض الواقع وهو دفع نحو الأمام في طريق تطبيق النصوص القانونية والتشريعية التي تضمن للتونسية هذا الحق بوضع استراتيجيات محلية تحفّز الفتيات على ممارسة شتى أنواع الرياضات وتحقيق آمالهن في النجاح محليا وإقليميا وعالميا.
ويثير هذا الحدث قضايا المرأة الرياضية في تونس التي تتراوح بين توفير الظروف والأطر الملائمة للمرأة لممارسة الرياضة وتنمية هذا المجال بشكل عام من جهة، وبين تمكين المرأة في المجال الإداري الرياضي من جهة أخرى.
ذلك أن أغلب الجمعيات الرياضية التونسية في مجالي الرياضات الفردية والجماعية يترأسها ويقودها رجال من أعلى الهرم وهي وزارة الرياضة والشباب إلى أصغر الجمعيات الرياضية في البلاد وهو ما يضع الرياضية التونسية تحت وصاية الرجل ويحرم المرأة من المناصب الإدارية العليا في جل الهيئات الرياضية ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن وجود المرأة في مواقع القرار بتونس اليوم لا تتجاوز نسبته الـ9 بالمئة وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالإنجازات النسائية في مجال الرياضة.
إن ما حققته المرأة التونسية في مجال الحقوق والمكاسب والحريات في جميع ميادين الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ عهد مؤسس الدولة الحديثة الحبيب بورقيبة ومنذ وضع مجلة الأحوال الشخصية التونسية الصادرة بعد استقلال تونس من الاحتلال الفرنسي عام 1956 يجعلها متقدمة على نظيراتها في الدول العربية والإسلامية، غير أن تمكينها على مستوى المناصب العليا في الدولة وفي جميع المؤسسات خاصة منها الحكومية مازال يعاني نقائص ومازالت الأرقام دون المأمول لدى التونسيات.
كما أن المرأة التونسية لم تحقق بعد المساواة الكاملة بالرجل فيما يخص التواجد ونسب المشاركة في العمل في عديد القطاعات التي تعدّ الرياضة من أبرزها.
ورغم أن إدراج الرياضة والتربية البدنية في التعليم التونسي يعود لسنوات خلافا لعديد الدول العربية، وأنها تدرّس كغيرها من المواد التعليمية للإناث كما للذكور إلا أن دعم الرياضة النسائية خارج النطاق المدرسي يظل منقوصا وكذلك الحال بالنسبة إلى الدفع بالمرأة لتقلد مناصب في مواقع القرار بالمجال الرياضي.
إدماج المرأة والنهوض بالرياضة النسائية هما من أولى اهتمامات مريم الميزوني وأهدافها خاصة في ظل الوضع الراهن الذي تطرقنا له آنفا.
وفي حديث لها نشرته اللجنة الأولمبية الدولية في موقعها الإلكتروني عبرت الميزوني عن فخرها أولا ببلدها الذي منذ استقلاله سعى للرقي بالمرأة والانفتاح على محيطها الخارجي وثانيا فخرها بالمرأة التونسية التي ترى أن نضالها منذ سنوات ضد التمييز والكراهية والعنف والظلامية جعلها رمزا لنضال المرأة العربية.
وتتمنى مريم أن تكون هذه الجائزة علامة مميزة في تاريخ الرياضة التونسية وأكدت أنها من موقعها على رأس اللجنة الأولمبية للمرأة والرياضة في تونس ستتفاعل مع كل مطالب الرياضيات والهيئات والجمعيات الرياضية الرامية للنهوض بالممارسة الرياضية النسائية في جميع أرجاء البلاد وفي جميع الأعمار ومن كل فئات المجتمع التونسي .
وأعربت على نيتها في التعاون مع جميع المتدخلين في المجال الرياضي من جامعات وجمعيات رياضية ووزارة واللجنة الأولمبية وغيرهم لتحقيق هذه الأهداف لصالح المرأة التونسية وجعلها نموذجا مثاليا يحتذى به من قبل الدول العربية والأفريقية والمغاربية في مجال الرياضة التونسية.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *