Pages Menu
Categories Menu
المرأة السودانية.. وثورة أكتوبر الظافرة

المرأة السودانية.. وثورة أكتوبر الظافرة

بثينة الخرساني     

أحيِّ ثورة أكتوبر المجيدة..هذه الثورة التي أضحت جوهرةً في صدر الشعب السوداني..ومفخرةً وملهمةً له عبر التأريخ وخلال المحن. وأُحيي شهداء الثورة، وأُحيي الذين عانوا داخل سجون أول نظام عسكري شمولي ، وأُحيي نضال وكفاح جميع فئات شعبنا خلال تلك الست سنوات العجاف من حكم إنقلاب 17 نوفمبر 1958م.

إن المرأة السودانية التي هبت لنيل حقوقها إبان بزوغ فجر الحركة الوطنية في السودان ولتخوض معركة الإستقلال مع زميلها الرجل من خلال نقاباتها (الممرضات والمعلمات) ولاحقاً من خلال تنظيماتها النسوية وحتى مولد (الإتحاد النسائي السوداني عام 1952م) –كتنظيمٍ جامعٍ لكل النساء آنذاك- والذي أنشئ من أجل إنتزاع حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. ومن أجل مشاركة القوى الوطنية في معارك الإستقلال وفي مواجهة النظم الشمولية لاحقاً لإستعادة الديمقراطية.

إن هذا التنظيم قد لقى دعماً وتشجيعاً من الحركة الوطنية السودانية بنقاباتها ومنظمات شبابها وأحزابها، خاصة الحزب الشيوعي الذي كانت عضوات فيه من المؤسسات لذلك الإتحاد.

إن ثورة أكتوبر الباسلة قد إندلعت يوم إستشهاد أحمد القرشي الطالب بجامة الخرطوم الذي أُغتيل ظلماً وعدواناً برصاص طغمة 17 نوفمبر، وحقاً أن مقتل طالب مقتل أمة! فكان استشهاد القرشي هو الشرارة الأولى، إذ هبت الأمة السودانية في ثورةٍ وغضبٍ قذفت بالنظام الشمولي إلى مزبلة التأريخ!.

إنَّ مقاومة نظام 17 نوفمبر الشمولي قد تواصلت طيلة الست سنوات من عمره، تراكمت خلالها تجارب لمواجهات وتظاهرات وسجون وأحداث مختلفة. وكان الإنفجار يوم إستشهاد الطالب أحمد القرشي، ويعيدني ذلك الواقع اليوم، تحت ظل هذا النظام الشمولي البغيض، حيث يتم إغتيال الطلاب داخل المؤسسات التعليمية، والتي أصبحت ساحات للإقتتال وليس للعلم- يقتل الطلاب بدمٍ باردٍ ويتم إغراقهم في الترع- ويُقتلون غيلةً في الشوارع. هذا النظام الشمولي هو الأكثر شراسةً ووحشيةً وإرهاباً وهو الأكثر تجرداً من الإنسانية أو الوطنية أو أي مسؤولية من أي نوع!.

لقد عانت المرأة السودانية من نظام 17 نوفمبر 1958م، ففي إطار مصادرته للديمقراطية والحريات قد قام بحل تنظيماتها وجمعياتها وحدث تراجع كبير في مكتساباتها من حقوق أساسية كالعودة للعمل بقانون (المشاهرة) وهو قانون يفرض على المرأة العاملة إذا تزوجت أن يتحول عقد العمل إلى المشاهرة أي شهر بشهر بدلاً عن الخدمة المستدامة. وصدر العمل بقانون بيت الطاعة بالإضافة إلى التراجع في توفير فرص العمل للنساء وفي القبول للكليات العلمية. كل ذلك خلال التردي في الأحوال المعيشية.

لم يؤد حل الإتحاد النسائي إلى توقف نشاطه بل واصل العمل سراً بسبب الروح القتالية والنضالية لعضواته، فواصل إقامة الندوات وإصدار البيانات وإصدار صحيفته الشهيرة (صوت المرأة) حيث يتم توزيعها في كل أقاليم السودان –وتعمل على رفع الوعي بطبيعة النظام وتجاوزاته وحقوق المرأة المهدرة من خلال المقالات، الكاريكاتير والشعر- هذا خلاف تسيير المواكب ورفع المذكرات- بجانب العمل الثقافي والإجتماعي. وإمتد نشاط الإتحاد النسائي ليشمل التضامن خارج حدود السودان. كالتضامن مع المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد والتنديد بموقف الحكومة من إغتيال الزعيم لوممبا.

إن الوعي الذي إكتسبته المرأة السودانية من خلال تنظيماتها وجمعياتها وتشبُّعها بالمفاهيم الديمقراطية والنضالية التي حملتها الحركة الوطنية السودانية منذ أربعينيات القرن الماضي هو الذي جعلها في مقدمة الصفوف حين إندلاع ثورة أكتوبر المجيدة.

فقد عملت قيادات الحركة النسوية والنقابية على دفع النساء العاملات للمشاركة في الإضراب السياسي، السلاح الماضي لإسقاط النظام، وخرجت النساء للشوارع بالتظاهر بجانب الرجال وتعرضن للضرب ولإطلاق الرصاص عليهن- حيث أُستشهدت السيدة (بخيتة الحفيان) وأصيبت الأستاذة محاسن عبد العال والطالبة آمنة عبد الغفار والطالبة سهام الصاوي.

لقد تحركت النساء من داخل المؤسسات التعليمية- من جامعة الخرطوم ومن داخل المدارس، وقامت إدارات بعض المدارس في أمدرمان بإغلاق الأبواب ومنع الطالبات من الخروج كما حدث في مدرسة أمدرمان الثانوية- ولكن لم يتقاعسن بل خرجن للتظاهر بعد إنتهاء فترة الدراسة. كما خرجت نساء من الأحياء السكنية.

لقد شاركت المرأة السودانية في قيادة ثورة أكتوبر إلى النصر- وذلك بوجودها داخل جبهة الهيئات- ممثلة بعضوات من الإتحاد النسائي السوداني هن الدكتورة خالدة زاهر والأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم.

إن المكتسبات التي نالتها المرأة السودانية عقب إنتصار ثورة أكتوبر المجيدة قد أحدثت نقلة كبيرة في أوضاع المرأة السودانية وهي أقوى دليل على أن المرأة السودانية كانت في قلب المعركة وأنها قد لعبت دوراً لا يستهان به في إضعاف النظام الشمولي وفي إسقاطه.

إن القوى الوطنية والديمقراطية التي شكلت حكومة ثورة أكتوبر والمكونة بجانب الأحزاب السياسية من ممثلين للعمال والمزارعين والمهنيين قد ثمنت عالياً دور المرأة وأعترفت بحقوقها السياسية كالحق في الترشح والإنتخاب لكل النساء دون تمييز، ومنحها حقوقها الاقتصادية كالأجر المتساوي للعمل المتساوي والحق في المعاش وفي شروط الخدمة المتساوية.

التحية مجدداً لثورة أكتوبر الباسلة والمجد والخلود لشهدائها والعزة والكرامة لوطننا السودان.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

Your email address will not be published. Required fields are marked *