Pages Menu
TwitterRssFacebook
Categories Menu
مي زيادة

مي زيادة

ميرنا أبو نادي     

عرف العرب الصالونات الأدبية والندوات النسائية منذ عهود قديمة وهي ظاهرة جديرة بالدراسة والاهتمام، ولكن الصالون الأشهر وسط الصالونات التي عقدت في بداية القرن العشرين هو صالون مي زيادة عام 1913.

وكان من رواد ندوتها إسماعيل صبري، ومنصور فهمي، وولي الدين يكن، وأحمد لطفي السيد، وأحمد زكي، ورشيد رضا، ومحيي الدين رضا، ويعقوب صدوف، وسلامة موسى، وخليل مطران، ومصطفى صادق الرافعي، وغيرهم كثيرون.

وكان الطابع العام لندوتها هو الطابع الأدبي الذي لم يتغير ولم يزاحمه شعار آخر ولكن تجافت صاحبته عن السياسة الحزينة والأجنبية، فما كان لها أن تغفل عما يدور في الخواطر من جراء هذه السياسة من النواحي القومية والعالمية، وعن صالونها يقول الدكتور طه حسين: “كان صالونها ديمقراطيًا أو مفتوحًا لا يُرد عنه أحد”، كما قال العقاد عنها: “إنها كانت مثقفة قوية الحجة، اهتمت بتحرير المرأة وإعطائها حقوقها”.

واستمر صالونها قرابة 25 عامًا، وهي أطول فترة عرفها صالون أدبي في الشرق، وشهد معارك فكرية عديدة.

وشاءت الأقدار أن تكتوي مي بلهيبها وأن تجعل من أيامها حزمة حطب يابسة فتوفيت أمها بعد أبيها في 5 مارس 1932، وفقدت مي الحنان والعطف، وبعد أيام جاءها من وراء البحر نعي جبران الذي أشعلت علاقتها به حريقًا رهيبًا مريرًا بين العاطفة والعقل، وحول حالتها النفسية إلى ثنائية قوامها طرفان متضادان فهي وحيدة في الحياة وكان بإمكانها ألا تكون وحيدة.

وضحّت مي بكثير من حياتها وما أعظم ما ضحت به، وهو شبابها اللامع المتوقد، وقدمته للحياة قربانًا خالصًا، وقبل تدهور صحتها زارها صديقها طاهر الطناحي فلمح من حديثها التشاؤم والحزن غير أنها لم تقطع الصلة بالناس فجأة وإنما قطعت حبال وصالها تدريجيًا، تأوهت مي ومضت تقص عليه قصتها من أولها فذكرت ما عراها من الهم والوحشة بعد وفاة والديها.

ظلت مي زيادة في مستشفى العصفورية سبعة أشهر حتى ذبلت، وكان سبب المأساة التي عاشتها مي في الحقيقة هو الطعن في عقليتها واضطهادها دون علم أولى الأمر في الحكومة اللبنانية، حتى علمت الصحافة الأدبية وشنت حملة عنيفة غرضها إنصاف مي.

وكان أشد ما أثر في نفس مي هو تخلي أصدقائها من الأدباء عنها، فانطوت مي على نفسها فلم تعد تستقبل أحدًا من زوارها أو أصدقائها ولم تعد تخرج من منزلها وتاه الوعي عن الزمن والذات، وكأنها كانت تعرف بمجيء لحظة الموت فتهيأت لها، ولم يعرف بخبر وفاتها ولم يمشِ في جنازتها إلا قلة من الأوفياء.

توفيت مي في مستشفى المعادي في القاهرة، وهي النجمة المتألقة في سماء الأدب، لم يسِر في جنازتها إلا ثلاثة من رفاق دربها، فأي زمان هذا الذي يهلك الأدباء ويحولهم من درر إلى تعساء ومجاذيب.

شاركنا رأيك، هل من تعليق ؟

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *